إن داءً خطيراً ومرضاً عضالاً قد استشرى في الأمة الإسلامية في هذا الزمان، حتى ما خلا منه جيل، ولاندَّ عنه أهل قطر، ذلكم المرض العضال هو مرض اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، وقد عمّ الأمة بظلاله حتى أصبح أعداؤها يعملون على زيادته في نفوس أبناء الأمة، بقصد إضعاف القلوب، وقتل النفوس، وإبعاد الأمل من الناس، والفت في عضد الأمة. ورغم ذلك فلا بد من وجود قائم لله بالحجة، عامل على تبصير الناس بالفتنة، وهؤلاء هم أهل العلم الصادقون، المقتدون بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تبعه بإحسان الى يوم الدين، لذا فمسؤولية هؤلاء عظيمة، والتبعة الملقاة على ظهورهم كبيرة، والواجب المطلوب منهم صعب، إذ لا بد من النفخ في روع الأمة بأن اليأس لا يجوز في دين الله تعالى، وأن نصر الله تعالى لها قادم بعونه سبحانه، وأن الأيام دول فيوم لك وآخر عليك.

ومن هنا؛ فقد رغبت في المساهمة في وصف العلاج الناجع لذاك الداء العضال، وذلك من خلال كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمعت ما عثرت عليه في كتب السنة المشرفة مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جمعت ما عثرت عليه في كتب السنة المشرفة مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التي تبشر الأمة بالنصر والتمكين، وذلك بقصد تقريبها للناس، وتعريف الناس بها، وشحذ الهمم .

وصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تبشر المسلمين بنصر الإسلام والمسلمين بشكل عام دون تحديد بوقت معين، أو مكان معين، وقد يسر الله تعالى الوقوف على جملة منها في المصنفات الحديثية المتنوعة، ولذا فقد رغبت في تقريبها للناس، وتبويبها في أبواب مناسبة يسهل الوصول إليها، والدرس لها، ذلك لأن التعامل مع الكتب الأصلية المعتمدة عند المحدثين لا يتيسر إلا لأهل الاختصاص في الحديث النبوي الشريف، وهم قلة وللأسف، ومن هنا فقد قمت بتقسيم هذه المبشرات النبوية العامة الى أقسام أذكرها ضمن المطالب التالية بعون الله تعالى، وذلك تقريباً لها للناس، وتيسيراً لها للدارسين، والله المستعان.

الأحاديث المبشرة بنصر الإسلام وظهوره بشكل عام

هناك أحاديث نبوية شريفة تبشر المسلمين بنصر الإسلام وظهوره على الأديان والبلاد بعامة، سنقوم تعالى باستعراضها في هذه السلسلة بإذن الله:

1- حديث ثوبان رضي الله عنه: عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنَّ ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها).

- زوى: أي جمع

في هذا الحديث بشارة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع له ربنا سبحانه وتعالى جميع الأرض فرأي مشارقها ومغاربها، وإن هذه المشارق والمغارب سيملكها المسلمون، وعند النظر في تاريخ المسلمين نجد أن بلاداً في مشارق الأرض ومغاربها لم يصلها المسلمون، ولم تفتح في تلك الأيام، ولا بد أن تكون في يوم من الأيام في ملك المسلمين بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم هذا، ووعد الله تعالى الذي لا يتخلف بنصر عباده المؤمنين، والتمكين لهم في الأرض على الرغم من تخاذل المتخاذلين، وكيد الكافرين، فهو وعد الله، ولا راد لوعده، ولا معقب لحكمه.

2- حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه:

عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مَدَرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزٍ، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).

- المدر: قطع الطين اليابس

- الوبر: صوف الإبل والأرانب ونحوها

يحدد الرسول صلى الله عليه وسلم المناطق التي يدخلها هذا الدين، ويحكمها الإسلام بأنها تلك التي يبلغها الليل والنهار، ومن المعلوم أنه لا توجد بقعة في الأرض لا يبلغها الليل والنهار، وعليه فلا يمكن أن توجد بقعة في الأرض لن يبلغها هذا الدين، حتى أن هذا الدين في انتشاره لا يترك حضراً ولا بادية إلا يدخلها، عَزَّ الناس أم دلّوا، ضعفوا أم قووا، حتي لا يفلت ولا يكاد يفلت بيت من طين أو شعر من دخول الإسلام إليه، وإعلان العبودية لله تعالى فيه.

3- حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه:

عن المقداد بن الأسود الكندي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبقى على ظهر الأرض من بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخل الله عليهم كلمة الإسلام بعز عزيز، أو ذل ذليل، يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم فلا يدينوا لها).

يقول الشيخ سعيد حوّى رحمه الله تعالى: فهناك أمور أخبرنا الله صلى الله عليه وسلم عن حدوثها قبل قيام الساعة لم تقع بعد من جملتها: ظهور الإسلام على العالم كله.

ويقول أيضاً: فهذا الحديث يشير إلى أن هذا الظهور يكون قبل نزول المسيح عليه السلام، لأن المسيح لا يقبل الجزية، وفي الحديث إشارة إلى الجزية.

- حديث أبي بن كعب رضي الله عنه:

عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر أمتي بالسناء والرفعة والتمكين في البلاد ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن طلب الدنيا بعمل الآخرة لم يكن له في الدنيا نصيب). تعقيب على الحديث:

يتحدث هذا الحديث عن بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم لأمته بالرفعة والمكانة والتمكين في البلاد، لكن هذه البشارة مشروطة بعدم طلب الدنيا بعمل الآخرة، والحق أن هذه البشارة العظيمة عامة تعم أجيال هذه الأمة في كل زمان ومكان، تسكب في نفوسهم الطمأنينة، وتذهب عن نفوسهم اليأس، وتحدثهم عن الوعد لهذه الأمة بالنصر والتمكين في البلاد ما داموا لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فإن فعلوا ذلك خسروا في الدنيا، وخسروا في الآخرة، وما حال المسلمين في هذه الأيام ببعيد عن دلالة هذا الحديث والله المستعان.

- حديث عائشة رضي الله عنها:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله: إن كنتُ لأظن حين أنزل الله (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون) أن ذلك تاماً، قال: أنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبةً، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من ايمان، فيبقى من لا خير فيهم، فيرجعون إلى دين آبائهم).

تاماً: أي أن وعد الله بظهور هذا الدين على سائر الأديان سوف يتحقق لا محالة.

تعقيب على الحديث:

يقول الشيخ الألباني: في هذا الحديث بيان أن الظهور المذكور في الآية لم يتحقق بتمامه، وإنما يتحقق في المستقبل، ومما لا شك فيه أن دائرة الظهور اتسعت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم في زمان الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولا يكون التمام إلا بسيطرة الإسلام على جميع الكرة الأرضية، وسيتحقق هذا قطعاً لإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

- حديث زياد بن جهور:

عن زياد بن جهور قال: ورد عليّ كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى زياد بن جهور سلْمٌ أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعدك فإني أذكرك الله واليوم الآخر، أما بعد: فليوضعن كل دينٍ دان به الناس إلا الإسلام، فاعلم ذلك).

تعقيب على الحديث:

يحدث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن سقوط الأديان وترك أهلها لها، باستثناء الإسلام رسالة الله الخالدة الى الناس الى قيام الساعة، فهي باقية كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر زياداً في هذا الحديث، وفي هذا بشارة للأمة بأن أمرها لن يهون ما دامت تتمسك بدينها، وأن دينها لن يوضع بل توضع الأديان، وتسقط الشعارات، ويبقى الإسلام بحمد الله تعالى، وهذا دافع للأمة إلى العمل والجهد بلا كلل ولا ملل، فإن مجرد ذكر البشائر فقط والدندنة حولها بلا عمل لا يفيد ولا يكفي، بل لا بد من العمل والجهد، فقد سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأحاديث النبوية المبشرة بعلو هذا الدين على الأديان، وانتصاره على كل من عاداه من الأقطار والدول والأمم، ولم يقفوا عند هذا بل حولوه إلى عمل، فخرجوا مجاهدين في سبيل الله، وفتحوا البلاد، وكانوا ستاراً لقدر الله تعالى في علو الدين، وفتح البلاد، ونصر المؤمنين، وكانوا قد نقلوا هذه الأحاديث إلى التطبيق والعمل، ولم يقفوا عندها ليصفوها لمن بعدهم، كمن به المرض، وهو يصف الدواء لغيره، ولا يستعمله، والله المستعان.

- حديث ابن عباس رضي الله عنهما:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم ليظهره على الدين كله، فديننا فوق الملل، ورجالنا فوق نسائهم، ولا يكون رجالهم فوق نسائنا).

تعقيب على الحديث:

يتحدث هذا الحديث عن إظهار الله عز وجل للإسلام على الدين كله، وأنه يعلو الملل والأديان، ويكون حاكماً عليها، ومن حكمه عليها أن الله تعالى أباح لنا نكاح نساء أهل الكتاب، وحرم عليهم نكاح نسائنا، إن الأمة حين تستحضر هذا الحديث وأمثاله في أنفسها تجد أنها تعلو على كل ما يصيبها من أذى، وما يحاك لها من مكائد، لأنها أمة موعودة بالنصر والظهور على الأمم الأخرى بهذا الدين، فهو سبيل رفعتها، وعنوان قوتها وسر وحدتها، وسر دخولها التاريخ الإنساني من أوسع أبوابه.

ولذا؛ فما أحوجها إلى الوقوف عند هذا الحديث وأمثاله، لترى ماذا فعل بها هذا الدين، ولترى أي مقام قد أنزلها هذا الدين، ولترى بشائر النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر والتمكين بعون الله تعالى، ولتعلم أنها ما وصلت إلى المنحدر الذي وقعت فيه إلا بسبب قصورها وضعفها وبعدها عن دين الله تعالى، فإن أرادت أن تعود كما كانت فلتعد إلى دينها ولتتمسك به لتعود فتية جذعة كما كانت يهابها أعداؤها، ويسلموا لها قيادتهم، ويتبعوها فيما تفعل وما تسلك من سبيل، وإلا فلتبقى فيما هي فيه من ضعف وذل وهوان وفرقة حتى لا يحسب لها في الأرض اي حساب.

ـــــــــــــــــــــــ