الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، وإمام المرسلين، ورحمة الله للعالمين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد..

فقد خلق الله الإنسان وشرفه وعظم قدره وهيأه لأمر عظيم ألا هو عبادة الله عز وجل وحده، واستخلفه في الأرض ليعمرها على منهاج الله وشريعته وابتلى الله سبحانه وتعالى الإنسان بأن جعله مخيرًا، خيره بين الإيمان والكفر ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية 29)، وبين شكر النعمة وجحدها ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾ (الإنسان)، فيختار الإنسان طريقه في هذه الحياة الدنيا، وهو في هذا الطريق كادح ومستمر في الكدح ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (6)﴾ (الإنشقاق)، حتى ينتهي هذا الطريق بموت الإنسان وملقاة ربه جل وعلى، حينئذ تتضح الأمور وينجلي الضباب وتظهر الحقيقة ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾ (ق).

وعى المؤمنون هذا جيدًا، فاختاروا طريقهم في هذه الحياة الدنيا، الطريق القويم والصراط المستقيم ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (الشورى: من الآية 53)، وعرفوا عظيم الجزاء الذي أعده لهم الله عز وجل إن هم وفٌوا بعهدهم معه سبحانه وتعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾ (آل عمران)، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة" رواه الترمذي.

وانتبه الجيل الأول من المؤمنين إلى أن الدنيا عرض زائل وأنها فقط ممر للآخرة فعبروا عن ذلك بأقوالهم وأعمالهم فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد، ولولا الآخرة لكان شيئًا آخر غير ما ترون).

ثم إن هذا الإيمان وهذا اليقين فيما عند الله جعل سيدنا أنس بن النضر ينادي سعد بن معاذ يوم أحد قائلاً: (يا سعد إني لأجد ريح الجنة دون أحد)، فقد وجد الصحابي الجليل ريح الجنة ونسماتها قبل أن يفارق الدنيا، وأبلى بلاء حسنًا حتى استقبل بجسده بضعًا وثمانين ضربةً سيف وطعنة رمح ورمية سهم ولم تعرفه إلا أخته ببنانه ليخلد الله عز وجل ذكره في القرآن وينزل فيه قوله ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ....﴾ (الأحزاب)، ولعل صدقه طوى له الزمان والمكان بأمر من الله فاستنشق نسمات من ريح الجنة.

فيا ترى هل اشتقنا إلى الجنة كما اشتاق السلف الصالح رضوان الله عليهم؟

أسماء الجنة ومعانيها

الجنة هي الدار الآخرة التي أعدها الله عز وجل للمتقين وفيها من أنواع النعيم والبهجة والسرور وقرة الأعين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد وصفها الله عز وجل بأنها دار السلام في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ (يونس: من الآية 25)، وهي دار الخلد، فأهلها لا يرحلون عنها أبدًا، قال تعالي: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54)﴾ (ص)، وهي دار المقامة، قال تعالي: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)﴾ (فاطر)، وهي جنة المأوى كما سماها ربنا سبحانه وتعـالي في قولـه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15)﴾ (النجم)، وهي جنات عدن (يقال عدن بالمكان أي أقام به وأدام)، قـال تعالـى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)﴾ (فاطر)، وهي الدار التي فيها الحياة لا يشوبها تنغيص ولا نفاد ولا فناء للأحياء كما في الحياة الدنيا فهي دار الحيـوان، كمـا قال عـز وجـل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (العنكبوت: من الآية 64)، وهي الفردوس قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107)﴾ (الكهف)، وهي مقعد الصدق كما وصفها سبحانه وتعالي: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾ (القمر).

بناء الجنة وقصورها

- وعن بناء الجنة قال صلى الله عليه وسلم: "خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء ولبنة من ياقوتة حمراء ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران. ثم قال لها أنطقي. قالت: قد أفلح المؤمنون. فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل"، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: من الآية 9).

- سأل أحدهم عبد الله بن عباس فقال: يا ابن عباس ما أرض الجنة؟ قال "مرمرة بيضاء من فضة كأنها مرآة، قال فما نورها؟ قال ما رأيت الساعة التي يكون فيها قبل طلوع الشمس فذلك نورها إلا أنه ليس فيها شمس ولا زمهرير".

- وفي سنن ابن ماجة عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها- لم يخطر علي قلب البشر شدة جمالها- هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية"، قالوا: نحن يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: "قولوا إن شاء الله"، قال القوم: إن شاء الله.

- أما ريحها فقد وصفه النبي صلي الله عليه وسلم بقوله: "يقول الله عز وجل للجنة: طيبي لأهلك فتزداد طيبًا، فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك". وروي الطبراني عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام- والله لا يجدها عاق ولا قاطع رحم".

أما قصورها فقد قيل إن في الجنة قصورًا من ذهب وقصورًا من فضة وقصورًا من لؤلؤ وقصورًا من ياقوت وقصورًا من زبرجد، وإن أدني أهل الجنة منزلة من له دار من لؤلؤة واحدة منها غرفها وأبوابها. عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها"، قال أبو مالك الأشعري لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائمًا والناس نيام".

أنهار الجنة وأشجارها

- أما أنهار الجنة فهي تجري في غير أخدود تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار وهي تنفجر من أعلاها ثم تنحدر نازلةً إلى أقصى درجاتها كما روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله عز وجل للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة". والكوثر نهر في الجنة قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت يدي إلى ما يجري فيه من الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت لمن هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاك الله".

- وعن أبي مسعود الخدري: "إن رجلاً قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن رآك وآمن بك. فقال: "طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني". فقال رجل يا رسول الله وما طوبى؟ قال "شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها".

- روى أبو معاوية عن جرير بن عبد الله قال: نزلنا الصفاح فإذا رجل نائم تحت شجرة قد كادت الشمس أن تبلغه، فلما استيقظ إذا هو سلمان فأتيته أسلم عليه. فقال: يا جرير تواضع لله فإن من تواضع لله رفعه يوم القيامة. يا جرير هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قلت لا أدري. قال ظلم الناس بينهم. ثم أخذ عويدًا لا أكاد أراه بين إصبعيه قال يا جرير إذا طلبت مثل هذا في الجنة لم تجده فقلت يا عبد الله فأين النخل والشجر؟ قال أصولها الذهب واللؤلؤ وأعلاها الثمر.

- ذكر عبد الرازق قال أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لما رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان قلت يا جبريل ما هذه قال، أما الباطنان في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات" (رواه مسلم).

- غراس الجنة

روى الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسرى بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر" رواه مسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــ