في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)﴾ (الأعراف)، قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين كذَّبوا بأدلتنا وأعلامنا، فجحدوها ولم يتذكروا بها، سنمهله بغِرَّته، ونزين له سوء عمله، حتى يَحْسَب أنه فيما هو عليه من تكذيبه بآيات الله- إلى نفسه- محسن، وحتى يبلغ الغايةَ التي كُتِبَتْ له من المَهَل، ثم يأخذه بأعماله السيئة، فيجازيه بها من العقوبة ما قد أعدَّ له، وذلك استدراج الله إياه.

وأصل "الاستدراج" اغترارُ المستدرَج بلطف من استدرجه؛ حيث يرى المستدرَج أن المستدرِج إليه محسنٌ، حتى يورِّطه مكروهًا.

وقال في موضع آخر: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك بأن يمتعهم بمتاع الدنيا، حتى يظنوا أنهم مُتعوا به بخير لهم عند الله، فيتمادون في طغيانهم، ثم يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون.

وقوله: ﴿ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وأنسئ في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك برهة من الدهر على كفرهم وتمرُّدهم على الله لتتكامل حجج الله عليهم ﴿مَتِينٌ﴾ يقول: إن كيدي بأهل الكفر قويٌّ شديد (1).

يقول سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، ونُنسيهم الشكر.

وقال الحسن: كم من مستدرجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه.

وقال أبو رَوْق: أي كلما أحدثوا خطيئةً جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار.

وفي حديث: أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يا رب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني؟

قال: فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له: كم من عقوبةٍ لي عليك وأنت لا تشعر، إن جمود عينيك، وقساوة قلبك، استدراجٌ مني وعقوبة لو عقلت (2).

وقيل لذي النون: ما أقصى ما يُخدع به العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات.

وأنشدوا:

أحسنت ظنك بالأيام إذ حَسُنت     ولم تَخَفْ سوء ما يأتي به القَدَر

وسالمتك الليالي فاغتررت بها           وعند صفو الليالي يحدث الكدر (3).

ــــــــــــــــــــــــ

1- الطبري 23/561

2- تفسر القرطبي 18/164

3- تفسير القرطبي 7/209