قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ) [القصص: 76].

حكاية القرآن لقصة قارون:

إننا أمام نموذج من البشر نلاقيه كثيراً أو قليلاً في حياتنا، هذا من حيث العدد وقد نجد عنده نسبة المرض كاملة، كما كانت عند قارون، أو بنسب متفاوتة قد تصل إلى 90% أو75% أو النصف أو أقل، المهم أن النسب موجودة في عدد غير قليل، فما هو هذا المرض؟ نستعرض أولا القصة في عجالة.

أحداث القصة:

1- رجل من قوم موسى – عليه السلام – كان من العباد.

2- أعطاه الله مالاً، مجرد مفاتيح خزائنه لا يقوى على حملها عصابة من الرجال الأقوياء.

3- نصحه أهل الإيمان بأمور أربعة:

أ- البعد عن فرح من يصيبهم البطر فلا يعرفون النعمة، وحقها وحق المنعم.

ب- أن يتوخى فيما أعطاه الله الدار الباقية وذلك بمراقبة الله في الحصول عليه، وأداء حق الله فيه، وشكر الله عليه، وهذا كله لا يمنع من الاستمتاع به، في حدود ما شرع الله وأباح، بل الشرائع تأمر بذلك.

جـ- أحسن إلى خلق الله كما أحسن الله إليك.

د- إياك أن تستخدم نعمة الله في الإفساد في الأرض.

4- إجابة قارون على أهل الإيمان:

لقد كشف قارون عما في نفسه من بطر وبغي وكبر واستعلاء وغرور، فأسند كل ما هو فيه إلى نفسه وإلى استحقاقه لذلك بما تميز به: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) [القصص: 78] وليته تساءل مع نفسه من أعطاه هذا العلم؟ بل من أوجده من قبل ولم يك شيئا؟ هذا حال الإنسان حين يطمس نور الإيمان الذي في القلوب، هذا هو حال الإنسان حين يظن أن قدراته العلمية تفوق كل نصائح الناصحين، وينظر إلى من ينصحوه بسخرية واستهزاء.

عندما تنصح إنساناً بالبعد عن التعامل بالربا وتبين له حقيقة ما يكون من البنوك الربوية، وأن ما يسمى بفائدة البنوك ما هو إلا ربا مهلك ممحوق، بعضهم ينظر إليك بسخرية، فأنت لا تفهم عالم التجارة، وأنه سيأتي بكذا ومن ورائه كذا، وسيترتب على ذلك كذا وكذا، وكلما كبر في أول الطريق ازداد الغرور، وازداد الزهو، وازدادت نظرات الاستهزاء بالآخرين، حتى إذا جاءت لحظات محق الربا انقلب على عقبيه، وكم نحذر من هذا الأمر، إن العاقبة الوخيمة للربا كما تأتي على الأفراد، ربما تأتي على الأمم والشعوب.

الرغبة في الثراء السريع والسير وراء حكايات تحكي عن آخرين، هذا اشترى وباع وكسب، وكذا وكذا، نعم ربما هذا حدث كانت أرضا ورثها زراعية فصارت أرض للبناء، ولكن أنت من أين تفعل ذلك؟، نصابين يضعون شباكهم للطماعين، فيهلكون ثم يكون الندم، وإذا عاتبت كان الغضب وعدم الإفاقة.

ما أبينه درجات لا تصل لحال قارون، ولكن يخشى على أصاحبها:

– بعض الناس من أجل المال والمنصب يتنازلون عن كثير من الأخلاقيات أو يقعون في المحرمات.

– بعض الناس يؤدي بهم المال أن يرون أن من حقهم هتك الأخلاقيات والمحرمات، واستخدام السلطان للسخرية والاستهزاء، بل وإيذاء الآخرين، إننا أمام مرض الغرور بالنعمة

5- فماذا كان تعقيب القرآن؟

لقد بين الله أن الإنسان عليه أن يراجع التاريخ البشري فيما يخبر به الأنبياء والمرسلين، ويحمل لنا القرآن الكريم الكثير والكثير: (أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ) فإن هلاك الله إذا حل بقوم فإن ذلك لا يتوقف على سؤالهم ليعتذروا عنها، بل من حق عليهم الهلاك لكفرهم وإجرامهم أهلكهم الله بغتة بلا معاتبة، أو طلب عذر.

6- اختلاف المواقف عند مشاهدة قارون وزينته:

خرج قارون على قومه، في زينته ملابس ومراكب مما تبهر الأبصار ويتعلق بها أهل الحياة الدنيا ولذلك سرعان ما قالوا: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ) [القصص: 79].

إنني أكاد أشعر بعيون المشاهدين كادت أن تخرج من رؤوسهم وهم يشاهدون هذه الجواهر على رأسه، وهذا الحرير المقصب قد غطى جسده، وهذه المراكب الفارهة والخيل المزينة والرجال يجرون بين يديه ومن حوله، قد أبعد الناس عن طريقه، وتطلعت القلوب إلى ما حمل وحمل عليه من الزينة..

ولكن صنفا آخر محجوب عن المشاهدة.. كم من الجميلات تمنت إحداهن أن تكون له زوجة، وكم من الرجال والشباب تمنى أن يكون محظوظا عنده، بل هناك من تمنى مجالسته والحديث معه والتقاط الصور التذكارية كما يحدث في أيامنا!!

مساكين.. نظروا إلى زهرة الحياة الدنيا، نعم إنهم تمنوا ذلك من باب السعة والتوسعة لا من باب ما أصاب قارون في قلبه، ولكن أصحاب البصائر الذين يخشون العواقب قالوا: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ) [القصص: (80)]

إنكم لا تعلمون ماذا يصيبكم بذلك أخير هو أم شر؟ ولا تدرون لو ابتليتم أتشكرون أم تكفرون؟ ولكن كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم نسأل الله الفردوس الأعلى.

7- الخاتمة ورد فعل أهل الدنيا:

نعم لقد شوهدت خاتمة قارون في الدنيا، ولكن خاتمة كل قارون وأشباهه باقية عند الله لا يستطيع أحد تغييرها ولا تبديلها، وليس عدم مشاهدتها في الدنيا دليل انتفاءها في الآخرة، وإنما ضرب الله على مدار التاريخ البشري وقائع ملموسة من نجاة الصالحين، كإبراهيم عليه السلام من النار، وكانجاء قوم موسى من فرعون ليكونوا عبرة لغيرهم، كما بين بعض قصص الابتلاء الواقع على المؤمنين على مر التاريخ ليكون تثبيتا لهم، كما بين بعض عواقب الظالمين ليكون ذلك رادعاً لهم، كما نرى في قصة قارون.

وسرعان ما كانت الخاتمة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ) [القصص:81]

لم يقص علينا القرآن رد فعل المؤمنين لأنهم لم يتعلقوا بفتنته، ولم يتطلعوا إليها، أما الذين تمنوا مكانه بالأمس، أصبحوا نادمين على غرورهم بالمظهر دون إدراك المخبر، وعلموا أن إعطا الله السعد في الدنيا إنما هو ابتلاء، ومن الناس من يشكر ومنهم من يكفر، لقد حل عليهم الندم، وحمدوا الله أنهم ما كانوا معه (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ) [القصص:82].

ولعلنا نذكر قصة الرجلين اللذين كان لأحدهما جنتين من أعناب فتطاول بنعم الله، وعاند ولم يحمد، وظل يتكبر حتى أنكر البعث، ثم كانت العاقبة الندم.

وأهم ما يستفاد من قصة قارون:

العطاء والمنع سواء في المال أو الذرية، ليس دليلا عن رضا الله أو سخطه؛ لأن كل ما في الأرض إنما هو زينة وابتلاء، وفي هذه القصة مثلا لجانب المال والجاه وفي سورة الفجر: (فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) [الفجر: 15-16] ولكن إجابة القرآن على ذلك (كلا)، وهناك إفادات أخرى مبينة في باقي القصص.

إن قوماً أدركوا الحقائق من وراء منظار الظواهر، يحكي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طفل رأى الخير وهو رضيع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«بَيْنَمَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا إِذْ مَرَّ بِهَا رَاكِبٌ وَهْىَ تُرْضِعُهُ، فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتِ ابْنِي حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ هَذَا . فَقَالَ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ . ثُمَّ رَجَعَ فِي الثَّدْىِ ، وَمُرَّ بِامْرَأَةٍ تُجَرَّرُ وَيُلْعَبُ بِهَا فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا . فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا . فَقَالَ أَمَّا الرَّاكِبُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا تَزْنِي. وَتَقُولُ حَسْبِى الله. وَيَقُولُونَ تَسْرِقُ. وَتَقُولُ حَسْبِى الله».

ـــــــــــــــــــــــــــ