ولقد كان من حكمة الله تعالى أن اختار الوسطية شعاراً مميزاً لهذه الأمة التي هي آخر الأمم , ولهذه الرسالة التي ختم بها الرسالات الإلهية , وبعث بها خاتم أنبيائه , رسولاً للناس جميعاً ,ورحمة للعالمين .

الوسطية أليق بالرسالة الخاتمة

فقد يجوز في رسالة مرحلية محددة الزمان والإطار : أن تعالج التطرف في قضية ما بتطرف مضاد, فإذا كان هناك مبالغة في الدعوة إلى الواقعية قوَّمت بمبالغة مقابلة في الدعوة إلى المثالية . وإذا كان هناك غلو في النزعة المادية , رُدَّ عليها بغلو معاكس في النزعة إلى الروحية , كما رأينا ذلك في الديانة المسيحية وموقفها من النزعة المادية الواقعية عند اليهود والرومان , فإذا أدَّت الدعوة المرحلية دورها الموقوت , وحَدَّتْ من الغلو , ولو بغلو مثله , كان لابد من العودة إلى الحد الوسط , وإلى الصراط السوي , فتعتدل كفتا الميزان وهذا ما جاءت به رسالة الإسلام بوصفها رسالة عالمية خالدة .

على أن للوسطية معنيَ أخرى تميز منهج الإسلام وأمة الإسلام وتجعلها أهلاً للسيادة والخلود .

أ ـ الوسطية تعني العدل

فمن معاني الوسطية التي وصفت بها هذه الأمة في الآية الكريمة ورتُبت عليها شهادتاه على البشرية كلها : العدل , الذي هو ضرورة لقَبول شهادة الشاهد فما لم يكن عدلاً , فإن شهادته مرفوضة مردودة , أما الشاهد العدل والحكم العدل فهو المرضي بين الناس كافة .

   وتفسير الوسط في الآية بالعدل ثابت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد روى الإمام أحمد والبخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسر الوسط هنا بالعدل(1), والعدل والتوسط والتوازن عبارت متقاربة المعنى , فالعدل في الحقيقة توسط بين الطرفين المتنازعين أو الأطراف المتنازعة دون ميل أو تحيز إلى أحدهما أو أحدها . وهو بعبارة أخرى : موازنة بين هذه الأطراف بحيث يعطَي لكل منها حقه دون بخس ولا جَوْر عليه . ولا محاباة له , ومن ثم قال زهير في المدح :

همو وسط يرضي الأنام بحكمهم . . . إذا نزلت إحدى الليالي العظام

يصفهم بالعدل والقسط وعدم التحيز .

وقال المفسرون في قوله تعالى :" قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ" (القلم28) , أي أعدلهم(2). يؤكد هذا الإمام الرازي في تفسيره بقوله :إن أعدل بقاع الشيء وسطه , لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء , وعلى اعتدال(3).

   ويقول المفسر أبو السعود : الوسط في الأصل اسم لما تستوي نسبة الجوانب إليه كمركز الدائرة , ثم استعير للخصال البشرية المحمودة , لكون تلك الخصال أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرق الإفراط والتفريط(4).

فالوسط يعني إذن العدل والاعتدال . وبعبارة أخرى : يعني التعادل والتوازن بلا جنوح إلى الغلو ولا التقصير .

ب ـ الوسطية تعني الاستقامة

   والوسطية تعني كذلك استقامة المنهج , والبعد عن الميل والانحراف . فالمنهج المستقيم , وبتعبير القرآن :"الصراط المستقيم" هو ـ كما عبَّر أحد المفسرين ـ الطريق السوي الواقع وسط الطرق الجائرة عن القصد إلى الجوانب , فإذا فرضنا خطوطا كثيرة واصلة بين نقطتين متقابلتين , فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية . ومن ضرورة كونه وسطا بين الطرق الجائرة : أن تكون الأمة المهدية إليه وسطا بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة (5).

ومن هنا علَّم الإسلام المسلم أن يسأل الله الهداية للصراط المستقيم كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة , وهي عدد ركعات الصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة . وذلك حين يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته فيقول داعيا ربه :" اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (5)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (6) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ "(الفاتحة5ـ7) .

والإسلام وحده ينفرد بهذه المزية "الوسطية" دون غيره من الملل . جاء في التفسير المأثور التمثيل للمغضوب عليهم باليهود وللضالين بالنصارى(6) , والمعنى فيذلك : أن كلا من اليهود والنصارى يمثلون الإفراط والتفريط في كثير من القضايا , فاليهود قتلوا الأنبياء , والنصارى ألَّهوهم … اليهود أسرفوا في التحريم , والنصارى أسرفوا في التحليل , حتى قالوا : كل شيء طيب للطيبين … اليهود غلوا في الجانب المادي , والنصارى قصروا فيه … اليهود تطرفوا في اعتبار الرسوم في الشعائر والتعبدات , والنصارى تطرفوا في إلغائها .

   والإسلام يُعلَّم المسلم لأن يحذر من تطرف كلا الفريقين , وأن يلتزم المنهج الوسط , أو الصراط المستقيم , الذي سار عليه كل من رضي الله عنهم , وأنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .

ج ـ الوسطية دليل الخيرية

   والوسطية كذلك دليل الخيرية, ومظهر الفضل والتميّز , في الماديات والمعنويات . ففي الأمور المادية نرى أفضل حبات العقد واسطته , ونرى رئيس القوم في الوسط والتباع من حوله … وفي الأمور المعنوية نجد التوسط دائما خيرا من التطرف .

ولهذا قال العرب في حكَمهم :"خير الأمور الوسط" , وقال أرسطو: "الفضيلة وسط بين رذيلتين" . ومن هنا قال ابن كثير في قوله تعالى :"أمة وسطا"(البقرة143) . الوسط ههنا الخيار والأجود . كما يقال : قريش أوسط العرب نسبا ودارا , أي خيرها , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه , أي أشرفهم نسبا. ومنه الصلاة الوسطى , التي هي أفضل الصلوات(7).

د ـ الوسطية تمثل الأمان

   كما أن الوسطية تمثل منطقة الأمان والبعد عن الخطر , فالأطراف عادة تتعرض للخطر والفساد أكثر من غيرها , بخلاف الوسط فهو محمي ومحروس بما حوله وفي هذا قال الشاعر :

كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت . . . بها الحوادث حتى أصبحت طرفا

وكذلك شأن النظام الوسط , والمنهج الوسط , والأمة الوسط .

هـ ـ الوسطية دليل القوة

   والوسطية أيضا دليل القوة . فالوسط هو مركز القوة . . ألا ترى الشباب الذي يمثل مرحلة القوة بين ضعفين : ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة ؟! والشمس فيوسط النهار أقوى منها في أول النهار وآخره ؟!

و ـ الوسطية مركز الوحدة

   الوسطية تمثل مركز الوحدة ونقطة التلاقي . . . فعلى حين تتعدد الأطراف تعددا قد لا يتناهى , ويبقى الوسط واحد , يمكن لكل الأطراف أن تلتقي عنده ؛ فهو المنتصف , وهو المركز . وهذا واضح في الجانب المادي والجانب الفكري , والمعنوي على سواء .

   ومركز الدائرة في وسطها يمكن لكل الخطوط الآتية من المحيط أن تلتقي عنده والفكرة الوسط يمكن أن تلتقي بها الأفكار المتطرفة في نقطة ما ؛ هي نقطة التوازن والاعتدال . كما أن التعدد والاختلاف الفكري يكون حتميا كلما وجد التطرف , وتكون حدته وشدته بقدر حدة التطرف , أما التوسط والاعتدال فهو طريق الوحدة الفكرية ومركزها ومنبعها . ولهذا تثير المذاهب والأفكار المتطرفة من الفرقة والخلاف بين أبناء الأمة الواحدة ما لا تثيره المذاهب المعتدلة في العادة .

ـــــــــــــــــــــــــ