عاطف عبدالمعز

إنَّ أولياء الله تعالى وعباده الصالحين أحرص الناس على أداء العبادات التي أوجَبَها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على وجهها الصحيح كما يَنبغي؛ من السكينة والوقار، والتدبر والخشية والخشوع، والإخلاص والإنابة؛ لأنهم يعلمون قدر تلك العبادات وأثرها البالغ في إصلاح نفوسهم واستقامتهم، وتهذيب أخلاقِهم وسُلوكِهم، وسائر مُعامَلاتهم، كما يعلمون فضْلَها وأجْرَها العظيم عند الله عزَّ وجلَّ.

وقد ذكَر الله تعالى في القرآن مِن أوصافهم كقوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان: 63 - 66].

وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: 191 - 194].

لكنْ على النقيض مِن هؤلاء قومٌ لم يَعرفوا للعبادة فضْلَها ولا قَدْرها، ولم يُعظِّموها حق تعظيمِها، وقد يحسن أن نُسمِّي هذا الفريق الغافل أو المتغافل عن العبادة وحقيقتها ومكانتها بأصحاب "الحسنات الضائعة" أو "العبادة الضائعة"؛ لأنهم لم يُقيموا تلك العبادة - من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة، وتلاوة القرآن والذِّكْر والتسبيح وغيرها - حقَّ إقامتها، ولم يَقدروها حق قدرها.

والعبادة الضائعة هي تِلكُم العبادة التي لا تُثمِر لصاحبها الأجر والثواب على كماله وحقيقته، كما لا تثمر له الثمرة المرجوَّة من إقامتها من تحقيق الهداية والاستقامة والفلاح والسعادة في الدنيا والآخِرة، والعلَّة في ذلك أن تلك العبادة قد يكون شابَها شيءٌ مِن ترك الخشوع والتدبُّر والطُّمأنينة، أو الرياء والهوى، أو فعْل ما يُناقِضها من السيئات والمعاصي والمُحرَّمات، وقد جاءت النُّصوص الشرعية مبيِّنة لهذه الصور المتعدِّدة لتلك العبادة الضائعة في ثوابها وأَجرِها؛ فمِن ذلك:

أ - ما جاء في ترك الخشوع والسَّكينة والطمأنينة في الصلاة، مع سرقتِها ونَقرها:

كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أسوأُ الناسِ سرقةً الذي يَسرق مِن صلاته)، قالوا: يا رسول الله، وكيف يَسرق مِن صلاته؟ قال: (لا يتمُّ ركوعها ولا سُجودها)؛ رواه الإمام أحمد، وقوله: (لا تُجزئ صلاة الرجل حتى يُقيم ظهرَه في الركوع والسجود)؛ رواه أبو داود.

وكذلك ما جاء عن أبي عبدالله الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثَل الذي لا يتمُّ ركوعه ويَنقر في سجوده، مثل الجائع يأكُل التمرة والتمرتَين، لا يُغْنيان عنه شيئًا)؛ رواه الطبراني.

ومثل هذه الأحاديث حديث أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه - الصحيح -: أنَّ رجلاً دخل المسجد فصلَّى ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد، فجاءَ فسلَّم عليه، فقال: (وعليكَ، ارجع فصلِّ؛ فإنَّك لم تُصلِّ بعدُ)، فرجع فسلَّم عليه، فقال: (ارجعْ؛ فإنَّك لم تُصلِّ بعدُ)، فقال في الثالثة: فعَلِّمني يا رسولَ الله، فقال: (إذا قُمتَ إلى الصلاة، فأسْبِغ الوضوء، ثم استقبل القِبلة فكَبِّر، ثم اقرأ بما تيسَّر معك مِن القرآن، ثم اركعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائمًا، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارْفعْ حتى تستوي قائمًا - أو قال: قاعدًا - ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلِّها).

والمتأمِّل اليوم في حال كثير من المسلمين، يجد مثل هذه الأحاديث النبوية بيِّنة في أحوالهم في صلاتهم وخشوعهم، وأعجب منه أن يتبادَر للبعض سؤالٌ يقرع القلوب دائمًا، حتى يقول القائل: ما بال كثير من المسلمين اليوم يُصلُّون، لكن صلاتهم لم تغيِّر فيهم شيئًا، ولم تصلح لهم خُلقًا، ولم تهذب لهم سلوكًا، بل وبعضهم يُقارف بعض الآثام والمحرَّمات والمنكرات، مع كونه من المُصلِّين؟!

وقد يُقال جوابًا عن هذا السؤال: إن هؤلاء المصلِّين لم تغير صلاتُهم في أخلاقهم ومعاملاتهم شيئًا؛ لأنهم ما أقاموا الصلاة على حقيقتِها مِن إتمام خشوعها وقراءتها وركوعها وسجودها، إنما أقاموا صورتها الظاهرة فحسب؛ ولهذا لم تُغيِّر فيهم شيئًا، ولو أنهم صلَّوا تلك الصلاة الخاشعة الخاضعة كما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم لتغيَّرت قلوبهم وأنفسهم لما فيه صلاحُهم واستقامتُهم، ولعلَّ هذا هو المشار إليه في قوله تعالى عن أهل الإيمان الخاشعين: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2].

يقول العلامة ابن سعدي رحمه الله: "والخُشوع في الصلاة هو: حضور القلب بين يدي الله تعالى، مُستحضِرًا لقُربه، فيسكن لذلك قلبُه، وتطمئنُّ نفسه، وتسكن حركاته، ويقلُّ التفاتُه، متأدبًا بين يدي ربه، مستحضرًا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتَنتفي بذلك الوساوس والأفكار الردية، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يُكتَب للعبد؛ فالصلاة التي لا خشوعَ فيها ولا حضور قلب، وإن كانت مُجزئة مثابًا عليها، فإنَّ الثواب على حسب ما يعقل القلب منها".

ب - ومِن ذلك أيضًا: ما جاء في ترك الإخلاص مع الرياء في العبادة والعمل:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استُشهد، فأُتي به، فعرَّفه نِعمَه فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبتَ، ولكنك قاتلتَ ليُقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرَّفه نِعمَه فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنَّك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأتَ القرآن ليُقالَ: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتي به، فعرَّفه نعمَه فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ مِن سبيلٍ تحبُّ أن يُنفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنَّك فعلتَ ليُقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهِه، ثم أُلقي في النار)؛ رواه مسلم.

فمَن تأمَّل حال هؤلاء الثلاثة، علم أن الله تعالى لم يَظلمْهم شيئًا مِن أعمالهم، وأنهم ما أخلَصوا عبادتهم لوجه الله سبحانه؛ إنما طلَبوا بها السُّمعة والمكانة والرفعة بين الناس، وقد قيل؛ ولهذا يقول الإمام النووي رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم في الغازي والعالم والجواد، وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله وإدخالهم النار - دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5]، وفيه أنَّ العمومات الواردة في فضْل الجهاد إنما هي لمَن أراد اللهَ تعالى بذلك مُخلِصًا، وكذلك الثَّناء على العلماء وعلى المُنفقين في وجوه الخيرات كله مَحمول على مَن فعَل ذلك مُخلِصًا" ا هـ.

وكذلك روى ابنُ ماجه في سننه بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن تعلَّم العِلم ليُباهي به العلماء، ويُماريَ به السفهاء، ويَصرف به وجوهَ الناس، أدخَلَه الله جهنم).

ومثل هذا قوله عز وجل في وصف أهل الرياء وبيان حالهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ [البقرة: 264]، وقوله تعالى عن صفات المنافِقين: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142]، وقوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ ﴾ [الماعون: 4 - 6].

وجاء في الحديث عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن سمَّع سمَّع الله به، ومَن يُرائي يُرائي الله به)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه - مرفوعًا -: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، فمَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركتُه).

ج - ومن ذلك أيضًا: فعل السيِّئات والمحرَّمات:

والتي قد تكون سببًا في ضياع حسنات الأعمال يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرونَ مَن المُفلِس؟) قالوا: المُفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع، فقال: (إنَّ المفلس مِن أُمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذَف هذا، وأكَل مال هذا، وسفَك دم هذا، وضرَب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا مِن حسناته، فإن فنيَتْ حسناته قبل أن يَقضي ما عليه، أخذ مِن خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار).

وعن أسامة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتَندلِق أقتاب بطنِه، فيَدور بها كما يدور الحمار في الرَّحى، فيَجتمِع إليه أهل النار، فيَقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمرُ بالمعروف وتَنهى عن المُنكَر؟! فيَقول: بلى، كنتُ آمُرُ بالمَعروف ولا آتيه، وأنهى عن المُنكَر وآتيه).

ومنه ما جاء في أن الوقوع في المعاصي والمحرمات قد يُذهب ثواب الصيام وأجره وبركته، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن لم يدَعْ قول الزور والعمل به، فليسَ لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)؛ رواهُ البُخَارِيُّ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس الصيام من الطعام والشراب؛ وإنما الصيام من اللغو والرفث).

ولهذا أمر الصائم ألا يقع في مخالفة أو مَحذور أو عصيان؛ لئلا تفسد عليه عبادته، وتضيع الثمرة المرجوة من ورائها؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يَرفث ولا يصخَب، فإن سابَّه أحد أو قاتَلَه، فليقل: إني صائم)؛ لأنَّ المجازَفة بالرد بالمثل يُفضي إلى نقْص في ميزان الخُلق وضبْط النفس، أما التذكير بقوله: "إني صائم"، فهو نوع مِن النصيحة للآخَر، والتوجيه والإرشاد للتي هي أحسن، في دفع السيئة وردِّها بالحسَنة والنصيحة.

وخلاصة القول:

أنَّ ضياع حسنات العبد من الأعمال والعبادات قد يكون سببُه الوقوع في أي صورة من هذه الصور السابقة؛ ولهذا فإن على العاقل المجتهدِ الحذرَ من الوقوع في شراكها؛ لأنَّ فعل الحسنات والطاعات من أكبر المنجيات في عرصات يوم القيامة، والعبد يوم القيامة أحوج ما يكون إلى حسَنة تُثقِّل الميزان، وترفع الدرجات.

ــــــــــــــــــــــــ