إن الجفاء صفة ذميمة ومظهر من مظاهر سوء الخلق، يورث التفرق والوحشة بين الناس ويقطع ما أمر الله به أن يوصل، فكم من بيت تخرب وأسرة تهدمت بسببه، وكم من جفوة ونفرة بين الأحبة حدثت بسبب غلظة الطبع والخرق في المعاملة وترك الرفق في الأمور، والجفاء قد يكون طبعًا وقد يكون تطبعًا وكلاهما سيئ، والمؤمن الحق يتدارك نفسه بالبعد عن أسبابه وصوره، وفي الحديث: «من بدا جفا» [السلسلة الصحيحة: 1272]، أي من سكن البادية غلظ طبعه، والإنسان ابن بيئته - كما يقولون - فالجفاء يزيد في أهل المغرب عن أهل المشرق، وفي أهل البادية ورعاة الإبل عن غيرهم، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «الإيمان ها هنا- و أشار إلى اليمن- والجفاء وغلظ القلوب في القدّادين (المكثرون من الإبل) عند أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعه و مضر» [صحيح الجامع: 5919].

وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار» [السلسلة الصحيحة: 495]. لكل شيء من اسمه نصيب: لقد لوحظ التناسب الواضح بين الأسماء والمسميات وبين الإنسان والكون من حوله، وبينه وبين طبيعة مهنته، فطبيب الأطفال قد يفترق عن طبيب الجراحة، وطبع الجند والعسكر قد يختلف عن غيرهم، وليس لأحد أن يبرر جفاءه متعللا بطبيعة النشأة و البيئة أو الصنعة، فقديما قالوا: ما عُصِيَ الله إلا بالتأويل. القرآن يذم الجفاء: وقد وردت النصوص تذم الجفاء وتنفر منه، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]. وقال سبحانه: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:43]. وقال: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الزمر:22]. وقال جل وعلا: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16]. والسنة تنهى عن الجفاء: وكما ورد ذم الجفاء في القرآن الكريم فقد ورد النهي عنه في السنة المطهرة، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط» [صحيح الجامع: 2199]. وقد ورد في أخبار الساعة: «وإذا كانت العُراة الحُفاة الجُفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها» [صحيح مسلم: 9]، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: «قال أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» [صحيح البخاري:4523]، والألد الخصم هو الذي يفجر في خصومته، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تهجّروا (أي لا تتكلموا بالكلام القبيح) و لا تدابروا، ولا تجسسوا، ولا بيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا» [صحيح مسلم: 2563]. وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاثِ ليالٍ، يلتقيان فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخيرُهُما الذي يبدأ بالسلام» [صحيح البخاري: 6077] وهذا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لا شك مظهر من مظاهر الجفاء. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فمات دخل النار» [الصحيح المسند: 1324].عن أبي خراش السلمي رضي الله عنه ـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» [سنن أبي داود: 4915]. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن مَأْلَفَةٌ (يعني يألف الناس ويألفونه)، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» [السلسلة الصحيحة: 425]. وبالجملة فالجفاء والغلظة يبغضها الله عز وجل والملائكة والناس أجمعون، وعلى المؤمن أن يتخلى عن العنف والقسوة والعبوس والطيش وسوء المعاملة وعقوق الوالدين وسوء الظن، وأن يتحلى بمعاني الرفق والرحمة والبر والعطف والحلم، فالتخلية قبل التحلية، وأن يجاهد نفسه في التباعد عن أسباب العنف وصوره، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10] وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] وعلى العبد أن يجأر إلى الله بالدعاء عساه يرزقه حسن التأسي بنبيه صلى الله عليه وسلم فقد كان ألين الناس ضحاكًا بسامًا يصل الرحم ويحمل الكل ويكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق، ومن كان كذلك لا يخزيه الله أبدًا كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. هيا بنا نتخلق بأخلاق المؤمنين، فالمؤمن هين لين سهل ذلول منقاد للحق يألف ويؤلف ولا خير في الجافي الغليظ الذي لا يألف ولا يؤلف. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــ