العمل أساس الحياة التي نعيشها ونحياها، فهو المصدر الرئيسي للرزق والقوت الذي يرتجيه كل إنسان على وجه الأرض والعمل معروف بالنسبة للإنسان منذ بدء الخليقة، حيث يعتبر بالنسبة له أحد العوامل الرئيسية لاستمرار الحياة وتوفير مستلزماتها والإنسان الذي لا يعمل غير فعال وغير منتج وتقل أهميته، حيث إن العمل يحدد مستوى الإنسان المعيشي والثقافي.

يقول الدكتور شعبان محمد إسماعيل- أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر: ديننا الحنيف يحث على أهمية العمل في كثير من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة فهو بشكل عام يوصي بالعمل وبضرورته لأنه يعتبره عزة وكرامة للإنسان ودرعاً واقياً عن الذل والهوان، ولذلك جاءت الآيات القرآنية بها أمر إلهي على وجوب العمل للإنسان ومن الآيات القرآنية التي بينت أهمية العمل قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، «سورة التوبة: الآية 105» يقول - الله تعالى- لنبيه محمد- صلى الله عليه وسلم- أن يقول لهؤلاء الذين اعترفوا له بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معه أن يعملوا لله بما يرضيه من طاعة وأداء فرائض، فإن الله تعالى سيرى عملهم وسيردون يوم القيامة إلى من يعلم سرائرهم وعلانيتهم فلا يخفى عليه شيء من باطن أمورهم وظواهرها فيخبرهم إذا كان هذا العمل خالصا أو رياء أو طاعة أو معصية فيجازيهم على ذلك كله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

أهمية العمل

تأتي أهمية العمل في الإسلام على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، ويجب أن يكون العمل الذي يعمله الإنسان عملاً شريفاً يراعي فيه شرع الله سبحانه وتعالى ونهج نبيه محمد- صلى الله عليه وسلم- وقواعد الإسلام وسلوك الأنبياء والصالحين تشير إلى وجوب العمل لاكتساب المال من وجه حلال للإنفاق منه على النفس والأهل والأولاد والارتقاء بهذا المال الذي يكسبه الإنسان من العمل فيقتات به ويكتسي ويربي أبناءه ويصل رحمه ويحفظ عرضه ويصون دينه ويستغني عن السؤال.

وأهمية العمل كبيرة وجليلة، سواء للفرد أو المجتمع أو الدول، فالمجتمعات والدول تقاس جديتها وتقدمها باهتمامها بالعمل والدول المتقدمة في العصر الحاضر لم تصل إلى هذا المستوى من التقدم في العلوم والفضاء والتقنية إلا بجدية أبنائها في العمل وأسلافنا المسلمون السابقون لم يبنوا حضاراتهم الإنسانية الكبيرة إلا بإخلاصهم في العمل، ولذلك حث الدين الإسلامي على العمل الجاد، فالإسلام اعتبره حقا لكل مسلم ولذلك حارب البطالة لآثارها السلبية على المجتمعات والأسر، بل جعل الإسلام العمل المفيد من أسباب الثواب وزيادة الحسنات، وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تتعلق بهذا المعنى ومنها قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، «سورة الملك: الآية 15»، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)، «سورة «الأعراف: رقم الآية 10».

مهن وحرف

والسنة النبوية المشرفة تضمنت العديد من النصوص التي تحث على العمل والكسب الحلال، كما جاء في حديث النبي- صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده» وقوله- صلى الله عليه وسلم: «من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له»، وأشار القرآن الكريم إلى بعض الأعمال والصناعات المفيدة، فقد نوه إلى مادة الحديد التي لها دور اليوم في مجال الصناعات في قوله تعالى: (... وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ...)، «سورة الحديد: الآية 25»، وأشار إلى أن صناعة الملابس في قوله تعالى: (... وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)، «سورة النحل: الآية 80»، وإلى الزراعة في قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ* أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)، «سورة الواقعة: الآيتين 63 - 64».

وكان أنبياء الله ورسله يعملون في مهن مختلفة فقد كان نبي الله آدم - عليه السلام - يعمل في الزراعة ونبي الله داود- عليه السلام- يعمل في الحدادة ونبي الله نوح- عليه السلام- يعمل في النجارة ونبي الله موسى- عليه السلام- يعمل راعياً للغنم وسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- في الرعي والتجارة، كما أن من الصحابة الكرام من امتهن التجارة كأبي بكر الصديق والحدادة كخباب بن الإرت والرعي مثل عبدالله بن مسعود وصناعة الأحذية مثل سعد بن أبي وقاص والخدمة مثل بلال بن رباح والحياكة كالزبير بن العوام.

حقوق العاملين وواجباتهم

أكد الإسلام أهمية العمل وضرورته للفرد والمجتمع فقد اهتم بحقوق العاملين وواجباتهم وحرص على أن يعطي العامل أجراً مناسباً ومجزياً وأن يصرف هذا الأجر فور استحقاقه، كما جاء في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: «اعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، وتم وضع الأسس اللازمة التي من شأنها المحافظة على صحة العامل ومنحه الرعاية الصحية بما في ذلك حفظ النفس والعقل وإتاحة الفرصة له للراحة لأن لكل إنسان طاقة محددة ينبغي عدم تجاوزها قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا...)، «سورة البقرة: الآية 286»، وقال - صلى الله عليه وسلم: «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت»، وأكد الإسلام ضرورة قيام العامل بأداء عمله بالدقة والإخلاص وحذر من خيانة الأمانة لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، «سورة الأنفال: الآية 27».

ـــــــــــــــــــــــــ