للعبادات في الإسلام مجالان رئيسيان أحدهما الحياة الدنيا بكل جوانبها عملاً وإنتاجًا وأخذًا وعطاءً وتعليم صنعة وعون مظلوم وكف الأذى الشخصي عن الناس.

وثانيهما.. الكيان البشري كله من قرنه إلى قدمه حواسه وعضلاته وجوارحه.

وهما مجتمعان في إطار واحد، فعمل الإنسان بكل كيانه في الحياة بكل جوانبها ومناحيها وفي إطار ما عرفناه من أن العبادة خضوع لله والتزام بشرعه وتجريد الحب لوجهه الكريم.

هذه هي العبادة الصحيحة الخالصة.

والإمام ابن القيم- رضي الله عنه- يقول: "رحى العبادة تدور على قواعد من كمَّلها كمَّل مراتب العبودية".

يتضح ذلك في حين نعلم أن العبادات مقسمة بحسب مطلوب الشرع الحكيم على حواس الإنسان وعضلاته وجوارحه كل فيما يخصه، وهي عشر:

القلب واللسان والسمع، والبصر والشم والذوق، واليد والرجل والفرج، وركوب الدواب على اختلافها.

وكل حاسة من هذه الحواس تكون عبادتها بين واجب ومستحب ومندوب إليه، إن تقبل عليه تنل من الله ثوابًا، ومكروه ومحرم إن تعرض عنه.

ونضرب مثالاً لذلك بحاسة النظر.

يكون النظر واجبًا في المصحف للقراءة تدبرًا وتعبدًا، وفي تعلم ما لزم العلم به، ويكون مستحبًا في الاطلاع على كتب العلم التي تزيد الإيمان والمعرفة.

ويكون مندوبًا في ما أفاد ونفع نفعًا عاجلاً أو آجلاً.

والنظر في ذلك يحصّل به صاحبه المثوبة في الآخرة.

ويكون النظر مكروهًا في ما لا مصلحة فيه؛ لأنه مشغلة عن الواجب- على أقل تقدير.

ويكون حرامًا ساعة يتجه إلى العورات.

والكف عن ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى يحصّل به صاحبه الثواب في الآخرة.

قال الله تعالى: (قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) (يونس: من الآية 101).

(فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) (24) (عبس).

(فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ) (5) (الطارق).

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (النور: من الآية 30).

(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) (النور: من الآية 31).

وإن شئت فابحث مثل ذلك مع السمع أو الذوق أو الشم أو حتى اللمس ففيه لمس واجب ومستحب ومندوب إليه ومكروه وحرام والاستجابة لأمر الله في: افعل ولا تفعل على ما يقول الشيخ شعراوي يؤدي إلى تحصيل الثواب.

والعمدة بين هذه الحواس والأعضاء هو القلب كما قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم.. وما قال إلا من تعليم ربه إياه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) (النجم).

قال: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".

القلب ملك الحواس والأعضاء كلها، لأن أداء هذه الأجزاء في الجسد يحتاج إلى إخلاص نية ومحبة وتوكل على الله ثم صبر على معاناة العبادة في إطار ذلك كله.. ومحله القلب لا غيره.

والقلب له الحظ الأوفى من تحقيق العبودية لله تعالى فمع الإخلاص والحب والتوكل والصبر تكون به الإنابة إلى الله والخوف منه والرجاء إليه سبحانه وتعالى وهو محط النية لا غيره.

والقلب تتميز به العبادات بعضها عن بعض في الدرجات والمراتب، ففرق بين من يعبد الله من خلال أداء الخدمات العامة للناس فوق أدائه الصلاة والصيام وأحزابهما، وبين من يعبد الله وهو قابع في ناحية من المسجد مثلاً يذكر الله تعالى.

قال صاحب كتاب "جامع العلوم والحكم" في الحديث إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه حين يتقي الشبهات ويتجنب المحرمات يكون بحسب صلاح قلبه.

فإن كان القلب سليمًا ليس فيه إلا محبة الله تعالى ومحبة ما يحبه، مع خشيته وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح في أدائها للعبادات: ولو كان القلب غير صالح لكانت الجوارح غير ذلك.

ولهذا قيل: القلب ملك الجوارح، وهي له طائعة لا تخالفه، يمينًا ولا شمالاً، فإذا صلح الملك صلحت معه تصرفات الجنود.

ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (89) (الشعراء).

وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا"، وفي مسند الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه".

ومن هنا وجبت العناية بالقلب ليكون صحيحًا معافى.

قال العارفون: القلوب ثلاثة:

سليم.. وهو القلب الحي المخبت الأواب اللين الواعي الذي يألم لرؤية المعصية ويفر منها خائفًا ولا يقترفها أبدًا.

وميت.. وهو اليابس الراكد المنصرف دائمًا للشهوات الذي لا تؤلمه جراحة المعصية، يرتكبها على العادة، ولا يدرك ذنبًا ولا يخاف عقوبة.

ومريض.. وهو الذي يتأرجح بين السلامة تارة والعطب أخرى، كالريشة في مهب الريح، إن وجد في موطن طاعة أدَّى، وإن وجد في موطن عصيان شارك واقترف.

وهذا يلزمه علاج ناجع قبل أن تستبد به العلة فتدحرجه إلى مثل حال الميت والعياذ بالله.

يقول العارفون لصاحب القلب المريض:

كن في الدنيا مع حقيقة الغرباء، الذين يتأهبون دائمًا للرحيل وعش بوجدانك في أجواء الآخرة كأنك تنظر فيها بعينيك أهل الجنة في الجنة يتزاورون فتشتاق، وأهل النار في النار يتضورون فتخاف.

واعلم أنها وصية العارف الأول صلى الله عليه وسلم أوصى بها ابن عمر رضوان الله عليهما: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".

ضع الدنيا في محلها الأصيل ولا يفوتنك مضمون هذه الآية الكريمة: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) (العنكبوت).

وأيما كان شأن الدنيا وما فيها فهي محطومة لا بد أن تزول (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) (الحديد: من الآية 20).

تلك هي الدنيا وتلك هي نهايتها فبأي شيء فيها يتعلق قلب الإنسان؟!!

وعش في خدمة الله على ما قاله يحيى بن معاذ رضي الله عنه ومعنى ذلك: أن تعيش في خدمة نفسك بملازمة طاعته والقيام على عبادته، وسيخدمك كل شيء حولك وتبصر الطريق إليه.

قال يحيى: "من سر بخدمة الله سرت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرت عينه بالله قرت عيون كل الخلق بالنظر إليه".

وعرِّض نفسك للنفحات الربانية، فعنها قال صلى الله عليه وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها".

واذكر الحديث الشريف الذي يعرفنا بأنسب الأوقات قبولاً للدعاء والاستغفار، ينزل ربنا كل يوم إلى السماء الدنيا فيقول: "هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له..".

ادع لقلبك في وقت السحر بالشفاء من العلة والفكاك من أسر المعصية إلى عز الطاعة، فإن فعلت وداومت فسترتحل حتمًا بقلبك من بؤرة المرض سليمًا معافى وتصير من الأبرار ويصل بك الترحال إلى حال نتعشقها جميعًا.

ففي الحديث القدسي عن رب العزة قال: "لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشد شوقًا".

أسأل الله أن يحول قلوبنا من حالها إلى أحسن حال ترضيه عنا إنه بنا رءوف رحيم.

ــــــــــــــــــــــ