جمال عبدالعزيز

قراءة بلاغية في حديث السفينة

الحديثُ النبويُّ الشريف يتَّسِمُ بالبلاغة، ويتَّصِفُ باللسانة، ويمتَلِئُ بالفَصاحة في كلِّ حرَكاته وسَكناته، وتراكيبه، وجمله وأساليبه، ولا غَرْوَ في ذلك؛ فهو حَتْفُ الكلمة الشَّرُودِ، وقَيْدُ الفَصاحة، ونبْع البَيان، ونتجاوَزُ القول إلى الفِعل والتطبيق، ففي حديث النُّعمان بن بشيرٍ - رضي الله عنهما - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَثَلُ القائِمِ على حُدُودِ الله والواقِعِ فيها كمَثَلِ قومٍ استهَمُوا على سفينةٍ، فأصابَ بعضُهم أعْلاها وبعضُهم أسفَلَها، فكان الذين في أسفَلِها إذا استَقَوْا من الماء، مَرُّوا على مَن فوقَهُم، فقالوا: لو أنَّنا خرَقْنا في نصيبِنا خرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا! فإنْ ترَكُوهم وما أرادوا هلَكُوا جميعًا، وإنْ أخَذُوا على أيدِيهم نجَوْا ونجَوْا جميعًا)).

الحديثُ كلُّه جملةٌ اسميَّة، عناصِرُها الإسناديَّة مبتدأٌ مُركَّب تركيبًا إضافيًّا ((مَثَلُ القائِم))، وخبر شبه جملة ((كمَثَلِ قومٍ))، ثم تخلَّل هذا التركيب أشباهُ جُمَلٍ، وجمل وصفيَّة، وظُروف، وأساليب شَرْطٍ، ونحوه من رَوابِط الجُمَلِ التي أحدَثَتْ لَوْنًا من ألوان التماسُك النصيِّ الذي يَدخُل في إطارِ السَّبْكِ الدلالي المؤدِّي إلى الحبْك، وتَمتِين أَواصِر التراكيب؛ حتى أمسَى الحديثُ بتَراكِيبه بِمَثابَةِ الجملة الواحدة، وهو ما يُسمَّى بـ"نحو النص"، وسنَرَى من خِلال التناوُل الدلالي لألْفاظِ الحديث، وجُمَلِه صحَّةَ ذلك وسَلامتَه.

كما أنَّ الحديث كلَّه عبارةٌ عن أسلوب تشبيهٍ تمثيليٍّ أو تركيبيٍّ انتزع فيه وجْه الشَّبه من مُتعدِّد؛ حيث شبَّه الرسولُ الكريمُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حالةَ المسلم المُحافِظ على حُدود الله؛ ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخَر الواقع في مَعاصِيه، الخائض في ذُنوبه، ولا يَأمُر بمعروفٍ، أو ينهى عن منكرٍ - بحالِ قومٍ اقتسَمُوا سفينةً (سكَنُوها بطريقة القُرعة)، فأصابَ بعضُهم أعلاها، وأصابَ بعضُهم أسفَلَها، فكان الأسفَلُون من سُكَّانها إذا أرادُوا ماءً مَرُّوا على مَن فوقَهُم، وملَؤُوا آنيتَهم، وأحدَثُوا جلبةً وترَكُوا وراءَهم مِياهًا، مَلأَتْ أرضَ السفينة ماءً، ورشاشًا ضايَق ساكِنِي العُلُوِّ، فتَأَذَّى الناسُ منهم ومن حرَكَتِهم وقتَ الراحة؛ فأحسَّ سُكَّان السُّفل بأذاهم لإخْوانهم، ورَغِبُوا صادِقين في تَفادِيه وإزالته، ولكنَّهم فكَّروا تفكيرًا عَيِيًّا سَقِيمًا؛ فكَّروا لو أنهم خرَقُوا السفينة من الأسفل؛ ليَتمَكَّنوا من الحُصول على الماء دُون أنْ يُلحِقوا ضَرَرًا بإخْوانهم في العُلُوِّ، ولكنَّه لم يَخْطُرْ ببَالِهم أنَّ هذا الخَرْقَ مهما ضاقَ وصغُر، جديرٌ بإغراق السَّفِينة ومن فيها، وما فيها، ثم راحوا ينفذون مشروعهم، ويخرجونه إلى الوجود، فشرعوا ينقرون خرقًا بِفُؤوسِهم وآلاتهم، فسمعهم الأعلَوْن، فنزَلُوا إليهم، فسألوهم: ما لكم؟ فقالوا: تأذَّيْتُم بنا في مُرُورِنا عليكم، ولا بُدَّ لنا من الاستِقاء بالماء، وهنا ظهَرَتْ مسؤوليَّة المجتمع، والضَّرْب بيدٍ من حديدٍ على اللاعبين بمصير المجتمع، ومصائر الأُمم، فإنْ ترَكُوهم يَخرقون هلَك الجميع (مَن بالأسفل قبل الذين هم بالأعلى)، وإنْ منَعُوهم وأخَذُوا على أيديهم وبصَّرُوهم ونبَّهُوهم، نجَوْا ونجَوْا جميعًا.

فأسلوب التشبيه هنا يُمَثِّلُ حالَ مَن يفهَمُ رسالته، ويُحسن أداء مُهمَّته في الحياة، ومَن لا يدور بخلده دِينٌ، ولا قِيَمٌ، وهمُّه نفسُه ومصلحتُه ذاته، بمسلك هؤلاء المستَهِمين على السفينة عُلُوًّا وسُفْلاً، وهكذا مَن يقيمُ الحدود تحصل له النجاةُ ولغيره، وتحقيق السَّعادة والهناء، أمَّا مَن يُهمِل في حُدودَ الله، ولا يرعَوِي لقِيَمٍ، أو يَأْبَه لتَعالِيم - فله الهلاك، ويهلك كذلك مَن معَه ممَّن لا يَأخُذُون على يدَيْه، فالساكِتُ على المعصية كالمُرتَكِبِ لها، والساكت على الحقِّ شيطانٌ أخْرسُ، وفي الآية ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25]، وفي الآية الأخرى التي تحكي عن سَبَبِ عِقاب بني إسرائيل، وأخْذهم بالعَذاب أنهم: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [المائدة: 79].

والمشبَّه هنا هو (القائم على حُدود الله والواقع فيها)، والمشبَّه به: (كمَثَلِ قومٍ استهَمُوا على سفينةٍ)، وأداة التشبيه (الكاف)، ووجْه الشبه هو؛ إمَّا النجاة في كلٍّ: (نجاة الآمِرين بالمعروف والطائعين عن عِقاب الله)، ونجاة سكَّان السفينة، وإمَّا الهلاك في كُلٍّ: (هلاك المسلم الذي لم يَأمُر بالمعروف، ويُقصِّر في ذلك، والمذنب بسبب ذَنبِه، ومَن في السفينة جميعًا)، والغرَض من سَوْقِ هذا التشبيه هنا هو استِنهَاضِ العَزائِم، واستِحثَاث الهِمَمِ على إنكار المنكر، والعمل على مَنْعِه قبل وُقوعِه، والسعي وَراء دفْعه بكلِّ قُوَّةٍ ممكنةٍ؛ وذلك لسَعادة الناس وصالحهم فُرادى وجماعات، وفيها كنايةٌ عن المسؤوليَّة الجماعيَّة في الإسلام، وأنَّ المجتمع مسؤولٌ عن ضَياع القِيَمِ، وإهمال الأخلاق بعدَم الضَّرْبِ على يد الفاسقين الخارجين عن حُدود الله، وقواعد الإسلام والسلوكيَّات الراشدة.

و(أل) في (القائم) موصولةٌ: (الذي يقومُ على حُدود الله وهو ناوٍ فعل ذنبٍ)، وفيها كنايةٌ عن صفةٍ، هي يَقَظَةُ الضمير، وسُمُوُّ الإحساس، وحيويَّة القلب، وسلامة الاتِّصال، وفَهْم الهدَف، وإدراك الرسالة والوظيفة، والحرف (على) يُفِيدُ العلوَّ، فهو كأنَّه في مَكانٍ عالٍ يَقِفُ ليَحرس حُدود الله، ويَرقُبُ تنفيذها بكلِّ دِقَّةٍ، وفيها كنايةٌ عن السَّهَرِ على خِدمة الدِّين، وخِدمة تعاليم الإسلام، وصِدْق الانتماء، وقوله: ((القائِم على حُدُودِ الله)) فيه كنايةٌ عن موصوفٍ هو المسلم الناضج الفِكر، الراشد العقل، الفاهم لرسالته، كما أنَّ فيها كنايةً عن صفةٍ هي الصِّدق في الالتزام، والبصَر الدائم للدعوة وسُبُل نَشرِها، وجمع (حدود) يدلُّ على كَثْرَتِها، وتعدُّدها، وتبايُنها، تلك التي تتدخَّل في كلِّ شُؤون الحياة؛ حربًا وسلمًا، ومعاملاتٍ وأخلاقًا وعباداتٍ، وأخذًا وعطاءً، وسفرًا وإقامةً، وعداءً في الله وارتباطًا فيه، وحبًّا وبُغضًا، ونحو ذلك من حُدودٍ، والإضافة هنا (حدود الله) للتقديس والتشريف، فهم ساهِرون على تنفيذ حُدود الله، والإضافة للملكيَّة (على معنى اللام)، فهي حُدودٌ لله، ومن الله، وما كان نازِلاً من اللهِ واللهُ صاحِبُه ومُشَرِّعه ينبغي أنْ يَأخُذَه الناس بقوَّةٍ؛ قال - تعالى -: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ [مريم: 12]، ويحفظ بعِنايةٍ، ويُؤتَى بصِدقٍ.

وقوله: ((والواقع فيها)) فيه كنايةٌ عن موصوفٍ هو المهمِل للدِّين، المتجرِّئ على حُدودِه، الساقط من الناس، المترخِّص في الحياة، الذي يعيشُ لشَهوته، ويَحيا لمصلحته دُون نظرٍ لمجموع الأُمَّة، وسَلامة الأوطان، وحيوات الخَلْقِ، ونفْع البشَر، واستعمال ((فيها)) يدلُّ على الظرفيَّة، وكأنَّه غرق لشحمة أُذُنَيْهِ في المنكَرات، غَشِيها فظرفَتْه، وتَداخَل فيها تَداخُلاً بعيدًا، فقد أغْواه الشيطان حتى أبعَدَه عن الرحمن، فلا هو يتوبُ من قريبٍ، ولا يخشى من الله الرقيب، فهو في مَهوًى سَحِيقٍ، وسلوكه غير دقيقٍ؛ لخطأٍ واضح في الطريق.

(كمثل قومٍ) يمكن للكاف أنْ تكون حرفَ جرٍّ أصليًّا، وأنْ تكون زائدةً؛ أي: مثل القائم.. مثل قومٍ، فالخبر يمكن أنْ يكون شبهَ جملةٍ، وأنْ يكون مفردًا، وعلى هذا فيكون التشبيه؛ إمَّا مرسلاً، وإمَّا مؤكدًا، وقوله (قوم) خاصٌّ بالرجال؛ ففيه كنايةٌ عن صفةٍ هي: أنَّ العمل والسعي والسفر ورُكوب البحر مَنُوطٌ بالرجال، وأنَّ المرأة الأصل فيها البَقاء في مملكتها في بيتها؛ قال - تعالى -: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ [الأحزاب: 33]، أمَّا الضَّنى والتَّعَبُ والشَّقاء والسعي على الرِّزق، فخاصٌّ بالرجال؛ قال - تعالى -: ﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾ [طه: 117]، واللفظ يحتمل دُخول النساء، ولكنَّ الأصل في القوم إطْلاقهم على الرِّجال دون النِّساء.

وقوله: ((استهَمُوا على سفينةٍ)) الألف والسين والتاء للطلب؛ أي: طلَبُوا ذلك من طريق السِّهام أو الاقتراع، وفيه كنايةٌ عن صفةٍ هي التسليم والرِّضا، وأخْذ رأي كلِّ فردٍ، أو تعني: أنهم ضرَبُوا بسَهْمٍ في سُكَّناها، وتحمَّلوا مَغارِمَها، وما تحتاجُه للإبحار، واستعمال "على" هنا بمعنى الظرفيَّة (في)، وتنكير ((سفينة)) يُوحِي بكِبَرها وضَخامتها، كما يُوحِي الحرف ((على)) أنهم عند الاقتراع كانوا أعلاها أو على سَطْحِها؛ لأنَّ ((على)) تحمل العُلوَّ والتسنُّمَ.

((فأصاب بعضهم أعلاها)): الفاء للترتيب والتعقيب؛ أي: بمجرَّد الاستِهام قَبِلُوا نتيجته، ولم يتأفَّف أحدٌ، و((أصاب)) بمعنى: نال، مأخوذٌ من الصوب والإصابة، وهو بُلوغ الهدف؛ أي: مُكِّنَ من قُرعته، وبعضهم (بغير تحديد)، وفي ذلك تعليمٌ لنا؛ لئلا نتوقَّفَ عند ما لا يُتَوَقَّفُ عنده من بناء القصَّة، فمعرفة أسمائهم لا تُجدِي في الحبْك القصصي، ولا تُضِيف جديدًا في المعنى والغرَض، و((أعلاها)) أفعل تفضيل يدلُّ على المكان، وأُضِيفَ إلى الضمير الرابط للجملة بسابِقتها، ففيه إحالةٌ ظاهرةٌ وهو إحدى سُبل السَّبك المؤدِّي إلى الحبك والترابُط الدلالي، ثم هذا التضادُّ ((وبعضهم أسفلها)) الذي يُكمل الصورة بهذا التقابُل الدلالي الذي ارتسَمتْ معه صورةُ سكَّان السفينة، ولم يعد ((وأصاب))، ففيه إيجازٌ بالحذف؛ لعلم القارئ وحُضور ذِهنه، وعدم الوَهم والغُموض.

((فكان الذين في أسفَلِها)): الفاء عاطفةٌ لتَمتِين وتَآزُر الجمل، وربْط المفاهيم، واستِعمال (كان) الدال على الماضي لحكاية الحال، وهو من الأساليب القصصيَّة العربيَّة، (الذين) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ (أي: الأشخاص أو السُّكَّان الذين)، فحذف الموصوفَ وأَبقى الصفةَ؛ ففيه إيجاز بالحذف، وقوله: ((في أسفلها)) كنايةٌ عن صفةٍ، هي انغِمارُهم في السفينة وانظِرافهم في سَفحِها، وتحقَّق الرابط الدلالي بأمورٍ: بالفاء العاطفة، والموصول، والضمير الغائب، وجاءت الجملة الشرطيَّة لتشغل خبر (كان)، وصدرت بـ(إذا) التي تفيدُ التحقيقَ، واستِمرار حُصول الفِعل، وهو استِقاءُ الماء وطلَب الشرب ونحوه، والفعل بهذه البنية الصرفيَّة يفيدُ الطلب، ووزنه (افتعوا)، فحُذِفَتْ لامه لالتقاء الساكنين؛ لأنَّه من السَّقْيِ، وهو يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ هو ((الماء))، و((من)) تفيد التبعيض؛ أي: استقوا بعضَ الماء، وهو يُوحِي بوجود الماء أعلى السفينة، وأنَّه محدودٌ، وله مكانٌ معلومٌ؛ بدليل أنهم صَعِدوا إليه، أو أنَّه ماء البحر، يَأخُذونه بالدِّلاء والآلات والحِبال، ونحوها، ولكنَّ عهديَّة (أل) في (الماء) تفيدُ أنَّه ماء يصلُح للشَّراب والاستعمال الآدمي.

فـ(من) إمَّا أنها حرف جرٍّ، وإمَّا أنها اسمٌ بمعنى (بعض) فيكون هو المفعول، والماء ستكونُ عندئذٍ مُضافًا إليه، أو شبهَ جملة صفة لموصوف محذوف، تقديره (شيئًا من الماء)، وهو أمرٌ متكرِّر طوال الرحلة، وعلى طول اليوم.

((مَرُّوا على مَن فوقهم)) الراء في (مر) تفيد التكرار، وهي دقَّة نبويَّة متناهية، وفيها كنايةٌ عن كثْرة المرور وتَكرارها من كلِّ أسرةٍ موجودةٍ في السفينة، وواو الجماعة هي الضمير الرابط في الجملتين: (استقَوْا / مرُّوا) المتَّصل بالموصول (الذين)، وكلُّها أدواتٌ تتعانَقُ وتتماسَك، ويستَدفِئُ بها التركيب ترابطًا، واتِّصالاً، والْتِحامًا.

والحرف ((على)) يُبَيِّن عُلوَّ صوت حركاتهم، وقَرْع نِعالهم، فهو كنايةٌ عن صفةٍ هي الجلبة والحركة، وفيه بيانٌ لمدى الضِّيق الذي يُحدِثونه في كلِّ آنٍ لِمَن رُزِقُوا سُكنَى العلوِّ من السَّفينة.

و((مَن)) اسم موصول للعاقل بمعنى (الذين)، و((فوقهم)) ظرف مكان صلة الموصول، ولم يقل الحديث: (مروا بمن فوقهم)، وإنما قال: ((على)) ليُظهر حجمَ القلق، وكِبَر الضجيج، وسماعه من كلِّ مَن يَسكُن أعلى السفينة، فهي جلبةٌ ظاهرة، وحركة صاخبة يحسها كلُّ ساكنٍ أعلى السفينة، فهم لا يسكتون، وإخوانهم يتألَّمون ويتأفَّفون؛ حتى أظهر أهلُ سكنى العُلوِّ ضِيقَهم وتأفُّفَهم، والواضح أنَّ السفر كان بعيدًا، وأنهم عاشُوا أيَّامًا وليالي كثيرة في السفينة، بدليل أنَّ تلك الظاهرة قد لُمِحَتْ، وأنها أمْسَتْ بحيث لم يستَطِعِ الآخَرون تحمُّلَها، وراحَ الضِّيق يَفُوحُ على الألسنة؛ بدليل قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فقالوا: لو أنَّنا خرَقْنا في نصيبنا خَرْقًا))، فالفاء تفيدُ الترتيب والتعقيب، والفعل ((قالوا)) مسندٌ إلى ضمير جماعة القائلين، وهم كُثر، والواضح أنهم اجتمَعُوا معًا عقب الحديث المستمرِّ الذي يحمل الغضب والتأفُّف، والفعل (قال) يَحمِلُ الصوت العالي، والنبر القوي، فالقاف حرف تفخيم واستِعلاء، والألف جوفيَّة، واللام تخرُج من جَوانِب الفم، وتأتي الجملة الشرطيَّة التي هي مَقُول قولهم مُصدَّرة بأداة الشرط (لو) التي تُفيد امتناع تحقُّق الجواب لامتناع تحقُّق الشرط (امتناع لامتناعٍ)، فهي مجرَّد حُلمٍ طرَحُوه، ولم يطرَحُوه بـ(إذا)، فـ(لو) لا تتحقَّق، وحذف جواب الشرط، والتقدير: لكان أَوْلَى وأجْدى، أو هو مذكور، والواو زائدةٌ: ((لو أنَّنا خرقنا.. لم نؤذِ مَن فوقنا))، و(أن) تنفتح همزتها وجوبًا بعد (لو)، وهو أسلوبُ توكيدٍ يَحمِلُ الرَّأي الجماعي: ((أننا))، وخبر (أنَّ) جملة فعليَّة فعلها ماضٍ مُؤكَّد، فـ((خرقًا)) مفعول مطلق مؤكِّد للفعل، فالجملة أُكِّدت بِمُؤكِّدين: (إن - المفعول المطلق)، وعبَّر بالماضي للدلالة على أنَّ أُمنيتهم تحقَّقتْ، واستراحَت نفوسُهم، أو ورَدتْ للتحسُّر.

ونُلاحِظُ استِعمال الضمير (نا) ثلاث مرَّات: (إننا/ خرقنا/ نصيبنا)، فالحديث بصيغة الجمع، وكأنهم يعتزُّون برأيهم، وأنَّه جاء جرَّاء مَشُورةٍ وتَداوُلٍ للرأي، ثم حُذِفَ الجوابُ، وعُطِفَ على الشرط بشرطٍ آخَرَ: ((ولم نُؤذِ مَن فوقنا)) الذي يُوحِي بسَلام قَصْدِهم، وعدَم خبث صُدورهم، والفعل ((نُؤذِ)) مبدوء بالنون التي تفيدُ أنَّ هذا مُرادُهم أجمعين، وتكرَّر استِعمال الموصول (من)، وهو اسم موصول، ولكنَّه مُبهَمٌ وُضِع مَوضِعَ الظاهر لعِلْم المخاطب به، وعدم الغُموض أو اللبس في استِعماله، وفي الحقيقة أنَّهم بهذه الكلمات أظهروا حُسْنَ طويَّتهم، وسُمُوَّ غرَضِهم، وعِفَّة لسانهم، غير أنَّ هذا الرأي كان يجبُ أنْ يُؤخَذ في ظِلِّ جميع ركَّاب السفينة: أعلاهم وأسفلهم، ولا يقتصر على جماعةٍ دُون أخرى؛ لأنهم يعيشون في مركبٍ واحدٍ، ولغيرهم رأيٌ، وله رؤيةٌ وتصوُّر، فمن الخطأ أنْ يَفرِضَ المرءُ رأيَه على غيره مهما كانت نيَّته؛ قال حافظ إبراهيم:

رَأْيُ الْجَمَاعَةِ لا تَشْقَى البِلادُ بِهِ ♦♦♦ رَغْمَ الْخِلافِ وَرَأْيُ الفَرْدِ يُشْقِيهَا

ونحنُ تعلَّمنا من دِيننا أنَّ يد الله مع الجماعة، وأنَّ الأُمَّة لا تجتمع على ضَلالة، وأنَّ مَن شذَّ شذَّ في النار، وأنَّ المشورة مَكفُولةٌ للجميع، لا يستأثر بها أحدٌ دون أحدٍ.

ثم يأتي ختام القصة النبوية الذي يضَعُ حَدًّا لهذا التأزُّم القَصصي، ووُصول الأمر إلى نهايته، والذي يتطلَّب حلاًّ وخروجًا: ((فإنْ ترَكُوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا))، وفي روايةٍ: ((هلكوا، وهلكوا جميعًا))، واستعمال (إن) هنا للشكِّ الذي يدلُّ على وعي الأمَّة بدورها، وقيامها برسالتها، وأنَّ هذا الصَّنيع والتَّرْك لا يكون، و((تركوهم)) فيه ضميران للغائب، يعودُ الأوَّل على مَن في الأعلى، ويَرجِع الثاني على مَن في الأسفل: (الذين فكَّروا في خرقِ خرْقٍ في نصيبهم)، وقد الْتُزِم الأصلُ في الترتيب؛ لكون كلٍّ من الضَّميرين: الفاعل والمفعول، ضميرًا متَّصلاً، ولمعرفة عَوْدِ الضمير من المتكلم أو المستمع، فليس ثَمَّة غُموض أو توهُّم.

والواو في: ((وما أرادوا))؛ إمَّا أنها عاطفةٌ و(ما) معطوفة على الضمير (هم)، وإمَّا أنها للمعيَّة، فيكون (ما) منصوبًا على أنَّه مفعول معه؛ أي: مع مُرادهم، و(ما)؛ إمَّا أنها موصولةٌ، وإمَّا أنها مصدريَّةٌ، وحذف المفعول الثاني لأنَّ (ترك) يتضمَّن معنى جعَل، على نحو قوله - تعالى -: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ [الكهف: 99]، وهذا على أحد التأويلَيْن، والتأويل الآخَر أنَّ المحذوف حالٌ؛ أي: ترَكُوهم غير مُعاقبين أو غير مَأخُوذٍ على أيديهم، ففيه إيجازٌ بالحذف في الحالتين، وفي ((أرادوا)) إيجازٌ بالحذف كذلك؛ أي: وما أرادوه من الخَرْق والكسْر وإحداث الفَجوة للسُّقيا، وحذف المفعول هنا لتتخيَّلَ النفس إزاءَ المراد كلَّ متخيَّل، وقوله: ((هلَكُوا جميعًا)) جواب شرط ((إن))، وهو جملة فعليَّة بالحال المؤكِّدة لصاحبها (واو الجماعة)، ومَجِيء الجواب بالماضي مُخيف، لكنَّه نتيجةٌ حتميَّة، فعبَّر الحديث عن المآل والعاقبة المحتومة، والفعل (هلَك) يحمل الموت، والموت الصَّعب، ومَشَقة الموت ومُعاناته، ولَم يقل: (قضوا وقضوا جميعًا)، كأنهم - كما يقول المعجم -: الهَلَكُ: (بَقايا الشيء الهالك لجِيفته)، فكأنهم لا يموتون موتًا عاديًّا، لكن يَهلكون، فهو موتٌ مُجهد قاسٍٍ، يُعانِي صاحبه الغرق وانعِدام التنفُّس، وترى علوَّ الصوت هنا، والاستِصراخ هناك، وضَياع النَّصر، وذَهاب المُنقِذ، ويكون الجميع مشغولاً بإنجاء نفسِه في عرْض البحر؛ حيث لا مُنقِذَ ولا مُنجِيَ إلا الله في هذا الظَّرف الصَّعب الذي ينسى فيه الإنسانُ نفسه، فضلاً عن أنْ يَذكُر مَن حولَه طفلاً، أو صبيًّا، أو شيخًا، أو امرأة.

((وإنْ أخَذُوا على أيديهم)) أسلوب شرط، يُحدِثُ تقابُلاً دلاليًّا، تتَّضح معه الصورة كاملةً، وهو كنايةٌ عن صفةٍ هي الضرب بشدَّةٍ على أيدي المخرِّب، واستِعمال ((على)) تفيدُ قوَّة الحقِّ، واعتلاءه فوق الباطل، وجمع (أيديهم) يدلُّ على ضرورة الإحاطة بكلِّ مخرِّب مهما كان عدده، ومهما وصَلت قوَّته وبلغت قدراته، كما أنَّ فيه اختصارًا في القول، واجتزاءً بالعناصر الأساسيَّة؛ لأنَّه لا وقتَ لطول الحديث وإنشاء الكلام، ففيه كنايةٌ عن صفةٍ هي سُرعة تدارُك الخطَر، والسهر على المصلحة، وإنجاز المطلوب في الوقت المناسب، وعدم الأخْذ والرد، وعمل لجانٍ، وكثرة اجتماعات وتداوُل الرأي، وإنما جاءَت العبارة مُوجَزةً سريعةً؛ لأنَّ الموقف لا يحتملُ، والظرف لا يتَّسع، والمجال لا يسمح برَنِين عِبارات، ولا مَعسُول قولٍ، ولا طويل جُمَلٍ، وإنما الموقف يُحتِّمُ استعمالَ أفعال القوَّة، وعبارات الحسم، ومن ثَمَّ جاء: ((وإنْ أخَذُوا على أيديهم، نجَوْا ونجَوْا جميعًا)) تَكرارٌ جميل إنِ اعتبرنا (الواو) تذهَبُ إلى كليهما في كلِّ جملة، وإمَّا عدم تكرار إنْ اعتبروا الواو الأولى لِمَنْ في الأسفل، وواو الجماعة الثانية لِمَنْ في الأعلى، ويترشَّحُ ذلك بالحال (جميعًا) المؤكِّد لصاحبها، وهو واو الجماعة.

ولعلَّ البدء والختم يتَّفقان في إعْطاء رسالةٍ إيجابيَّة للقارئ، فالقائم على حُدود الله ناجٍ، وهو بمنجاةٍ من الهلاك، وكذلك الختام: ((نجوا جميعًا))، ففيه تَوافُقٌ بين المطلع والختام، وهو من سِمات الأسلوب النبويِّ، والحديثُ يشيرُ إلى الواجب الاجتماعي، والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة في عدَم تَرْكِ ذَوِي الرُّؤَى الضعيفة - وإنْ كانوا أصحابَ النَّوايا الصحيحة - دُون توعيةٍ أو تنبيه أو تبصيرٍ؛ لأنَّهم لو ترَكُوهم فلن يَسلَمُوا هم أنفسهم؛ لأنَّ البَلاء يَعُمُّ الجميع، وغرق السفينة - وهي الحياة والمجتمع بِمَن فيه وما فيه - سيَنالُ كلَّ فردٍ من أفراده، ولن يختارَ أحدًا ويَترُكَ الآخَر، بل سيَأكُل الأخضر واليابس، ولا يُبقِي ولا يَذَرُ، بل سيأكُل جميع البشر على مرمى البصر.

فاللهَ نسألُ أنْ يُبصِّرنا بمسؤوليَّاتنا، وأنْ يجعَلَنا خدمًا لدِينه، أمَّارين بالمعروف، نَهَّائين عن المنكر، نَعرِفُ رسالتنا، ونُؤدِّي واجبنا، ونُحسِن أداء مهمَّتنا؛ حتى ننالَ رضا ربِّنا، ومَحبَّة نبيِّنا، والنَّجاة بأبْداننا والسَّلامة بأهلينا، وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على سيِّدنا محمدٍ وعلى آله وصَحْبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــ