إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه مَن يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا أما بعد..

تحدث القرآن الكريم عن فضيلة الإيجابية في مواضع كثيرة بألفاظ مثل المسارعة والمسابقة والمنافسة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء: 90)، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 114)، وقوله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾ (آل عمران)، وقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الحديد: من الآية 22)، وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: من الآية 26).

وقد بينت السنة النبوية أهمية هذه القيمة الإسلامية العظيمة، فيقول- صلى الله عليه وسلم-: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" (صحيح، أحمد، عن أنس).

الرسول الإيجابي

والنبي صلى الله عليه وسلم لنا فيه القدوة والأُسوة، فالمُتابع لسيرته العطرة من قِبل البعثة حتى وفاته صلى الله عليه وسلم يجد أن حياته صلى الله عليه وسلم مليئةٌ بالمواقف التي تشير إلى إيجابيته وتفاعله مع الأحداث المحيطة به، ومثال ذلك حينما كان صلى الله عليه وسلم مارًّا عند الكعبة، ووجد القوم يختلفون فيما بينهم على مَن يَضَع الحجر في موضعه في الكعبة، فلم يتركهم ويقول: وما شأني؟! بل أشار عليهم بالرأي السديد، وشارك معهم في حلِّ هذا الخلاف، وبعد البعثة- ورغم عداء "أبو جهل" للنبي صلى الله عليه وسلم- جاءه أعرابي يشتكي إليه من أن "أبو جهل" قد أخذ ماله ولا يريد ردَّه إليه تقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم ودون تردد أو خوف، وطلب من "أبو جهل" بكل عزم أن يعطي الرجل حقه، وبالفعل أعطى "أبو جهل" الرجل ماله، وحين سُئل عن سبب اضطرابه من مطالبة النبي له بمال الرجل قال: "لقد خُيِّلَ لي أن أسدًا أراد أن يلتهمني حينما دخل عليَّ محمدٌ".

الإيجابية وصناعة الرجال

وليس أمر الإيجابية والشعور بالمسئولية وقفًا على أسماء معينة من مشاهير الصحابة، فقد كان كل صحابي يدرك أن الإسلام هو مسئوليته، وأن دولة الإسلام دولته، وأنه شريك في إقامة دولة الإسلام وحمايتها، وإلا فمن كان يعرف من هو عمير بن الحمام قبل مبادرته الإيمانية إلى قتال المشركين حتى عد انتظاره ليأكل الثمرات وقتًا طويلاً، ومن كان يعرف الحباب بن المنذر قبل أن يتقدم بمبادرته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جندي مغمور من غمار الناس، لكن رؤيته ونفاذ بصيرته، كانت سببًا في نصر المسلمين والتخفيف عنهم، وهذا سلمان الفارسي يبادر برأيه الذي كان سببًا في إعزاز الإسلام، ونصر المسلمين في الخندق.

قصص من القرآن حول الإيجابية:

أما النملة فوردت قصتها في سورة النمل، وقد سميت السورة باسمها، يقول جل وعلا: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾ (النمل).

فقد نظَّم الجيش بقيادة سيدنا سليمان للسير إلى معركة، ويوزعون: نفهم منها أنهم كانوا في غاية الانضباط، والقصة على قصرها إلا أنها تضرب مثلاً لنملة إيجابية، نملة شجاعة، كان من الممكن أن تهرب وحدها وتدخل جحرها، لكنها أول نملة رأت الجيش قبل غيرها من النمل، فخشيت على أمتها، لم تعشْ لنفسها، رغم أنه كان من الممكن أن تموت تحت الأقدام وهي تنادي على النمل، لكنها تُضحي من أجل الآخرين، ولهذا تبسَّم سيدنا سليمان.

القصة الثانية وردت في سورة النمل أيضًا بعد قصة النملة مباشرةً، والمعنى واضح جدًّا فهذه السورة تتحدث عن الإيجابية.

وهذه القصة قصة الهدهد: يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ (20) لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)﴾ (النمل(، وجاء الهدهد الإيجابي، وكان من الممكن أن يكون كأي موظفٍ يلتزم بالوقوف في الطابور وكفى، يثبت حضوره، ويثبت انصرافه، مثل الملايين من الموظفين كل منهم يأكل ويشرب، ويحصل على أجره آخر الشهر، ولو كنت أنت هكذا فالهدهد ليس كذلك، وما حدث أن الهدهد سمع أن قومًا يعبدون الشمس في اليمن، بمملكة سبأ، فجُنَّ جنونه وهو في فلسطين، أي على بعد مسافة كبيرة من اليمن، وسيفوته طابور الجيش، لكن هناك أولويات، وهو ليس موظفًا، بل صاحب رسالة، طار إلى اليمن يتفقدهم، حتى إنه ذهب إلى عرش الملكة وعاد بالأخبار، ليصبح سببًا في هداية أمة.

القصة الثالثة وردت في سورةٍ نُحبها كثيرًا، قال عنها النبي- صلى الله عليه وسلم-: "قلب القرآن"، وهي سورة يـس، والقصة في قلب السورة، حيث تدور أحداثها في قرية كانت مركزًا لما حولها من القرى، مثل موقع مكة المركزي المؤثر في الجزيرة العربية.

يقول الله جل شأنه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)﴾ (يس).

ويأتي رجلٌ ليس بنبي، بل رجل عادي، تخيل معي، لو أن المدينة التي تعيش فيها بها ثلاثة أنبياء، هل هناك حاجة إليك؟ بالطبع هناك حاجة إليك.

كان من الممكن جدًّا أن لا يبالي هذا الرجل، ويقول: وما دخلي أنا؟ ولاحظوا أنه جاء من أقصى المدينة، أي ليس من أثرياء البلد، ولا من أصحاب النفوذ، فمن المحتمل أن يُقتل ولن يعبئوا به، فلماذا يقدم على دعوة هؤلاء القوم؟

الكل مسئول عن المجتمع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا! فَإنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا، وَهَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجُوا جَمِيعًا" (البخاري، النعمان بن بشير). فهذا الحديث الكريم رسالة واضحة إلى هؤلاء الذين اتخذوا من كلمة "وأنا مالي" شعارًا لهم، حيث ناموا عن الحق، وتركوا الباطل يكبر حتى أوشك على إهلاك الجميع.

الإيجابي ينقذ القوم

- صاحب النقب:

حاصر المسلمون حصنًا في إحدى غزواتهم إلا أن هذا الحصن لم يُفتح.. فقام قائد جيش المسلمين (مسلمة بن عبد الملك) مناديًا.. مَن منكم سيدخل النقب (وهي فتحة إلقاء الفضلات والقاذورات إلى الخارج!!)، فإن كُتبت له الشهادة فاز بالجنة، وإن كُتبت له النجاة ذهب لباب الحصن فيفتحه ويكبر فيدخل جند الإسلام منتصرين بإذن الله.

فخرج رجل ملثم، وقال: أنا مَن سيدخل النقب.

تقدَّم الرجل من الحصن، ودخل النقب وسمع المسلمون صوت التكبير، ورأوا الباب يُفتح فدخلوا وفتحوا الحصن، يقف قائد المسلمين وينادي صاحب النقب ليخرج له، إلا أنه لم يخرج أحد!! فيقف في اليوم التالي وينادي، ولكن أحدًا لم يخرج! فيقف في اليوم التالي ويقسم على صاحب النقب بأن يأتيه في أي وقتٍ يشاء من ليل أو نهار، وبينما القائد جالسًا في خيمته، إذْ يدخل عليه رجل ملثم، فيقول مسلمة: هل أنت صاحب النقب؟ فيرد الرجل: أنا رسول منه، وهو يشترط ثلاثة شروط حتى تراه.

فقال مسلمة: ما هي؟ فقال الرجل: ألا تطلب له مكافأة على فعله، وألا تميزه عن غيره من الجند، وألا ترفع اسمه للخليفة.. فقال مسلمة: له ما طلب.. فأماط الرجل اللثام وقال أنا صاحب النقب. فمن يكون منا صاحب النقب؟

هل تعلم.. أن أنواع الإيجابية؟

هناك ثلاثة أنواع من الإيجابية تستطيع أن تقوم بأي منها أو تقوم بها كلها:

1- أن تقوم بفعل صحيح، قال تعالى: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105).

2- أن تمنع فعلاً خطأً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن رأى منكم منكرًا فليغيره...".

3- أن تقدم فكرةً جديدةً ابتكارية، تؤدي إلى فعل الصحيح أو منع الخطأ بصورةٍ أفضل (الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه في ابتكار حفر الخندق).

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ