يُعد خُلق الرجولة ومقوماته من أهم أسباب نهضة الأمة ورقيها وتحقيقها لأهدافها ومواجهاتها للتحديات التي تعترض طريقها، فكم نحن في حاجة إلى هذا الخُلق الكريم، خُلق الرجولة، لنتأسى به، ونعمل به، ونُربِّي أنفسنا عليه، والرجولة التي أعنيها: هي الخلق وليست النوع، فهي تعني الشجاعة والإقدام والمروءة والأمانة والوفاء والإخلاص وسلامة الصدر والإخاء والعلم وعلو الهمة والعقل... إلخ، ولا أعني بها الذكورة؛ وذلك لأن هذا الخلق ليس مقصورًا على الرجال الذكور دون غيرهم، فهو يشمل معهم أيضًا النساء والصبيان.

إن العمل الإسلامي في أمسِّ الحاجة لهذا الخلق العظيم؛ لتحقيق أهدافه السامية التي لا تتحقق إلا بقوة الرجال الصادقين، وعزائم الرجال المخلصين... فالدعوات لا تقوم إلا على أكتاف وعزائم الرجال، ولا تقوم على الضعفاء والمترخصين.

من هنا تَبْرُز أهمية هذا الخلق النبيل، وأهمية إثرائه في نفوس جميع عناصر العمل الإسلامي؛ من قيادة وجنود ومناهج تحثُّ على هذا الخلق، ففي تاريخنا الجميل نماذج مشرقة وفريدة لرجال ونساء من الصحابة ضربوا أروع الأمثلة في رجولتهم.

يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، فهؤلاء الرجال هم الصنف الذي سيحمل أعباء العمل والدعوة إلى الله من غير كلل ولا ملل، وهذا الصنف هو الذي يجب أن نعمل جاهدين على إيجاده وإنشائه؛ لأنه الوقود الدافع للعمل ولأعبائه الجسيمة، ولأهدافه العظيمة.

ولنا في موقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حينما رفض الدنيا بأسرها عندما جاءته صاغرة على يدِ عَمِّه، إذ عرضوا عليه أن يجعلوه رئيسًا عليهم، وجمعوا له من مالهم حتى يصير أغناهم، ويزوجوه أجمل بناتهم، فرفض المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم هذا كله في رجولة منقطعة النظير؛ ليُعطي لنا درسًا عظيمًا في ذلك، إن الأمر هنا لا يقبل لينًا ولا تميعًا؛ فإما إفراد الله بالعبادة أو إشراك أحد من عباده معه، فكان الرد الحاسم القاطع من النبي صلى الله عليه وسلم بالرفض.

معنى الرجولة

الرجل: قد يُطلق ويراد به الذكر: وهو ذلك النوع المقابل للأنثى، وعند إطلاق هذا الوصف لا يراد به المدح وإنما يراد به بيان النوع، كما قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ (النساء: من الآية 7).

فالرجولة وصف اتفق العقلاء على مدحه والثناء عليه، ويكفيك إن كنت مادحًا أن تصف إنسانًا بالرجولة أو أن تنفيها عنه لتبلغ الغاية في الذمّ.

وقد تُطلق الرجولة ويراد بها وصفًا زائدًا يستحق صاحبه المدح وهو ما نريده هنا.. فالرجولة بهذا المفهوم تعني القوة والمروءة والكمال، وكلما كملت صفات المرء استحق هذا الوصف (رجلاً)، وقد وصف الله بذلك الوصف أشرف الخلق فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (يوسف: من الآية 109).

والذي يتتبع معنى الرجولة في القرآن الكريم والسنة النبوية يعلم أن أعظم من تتحقق فيهم سمات الرجولة الحقة هم الذين يستضيئون بنور الإيمان، ويحققون عبادة الرحمن، ويلتزمون التقوى في صغير حياتهم وكبيرها.

فهي صفة لهؤلاء الكبار الكرام الذين تحملوا أعباء الرسالة وقادوا الأمم إلى ربها، كما أنها صفة أهل الوفاء مع الله الذين باعوا نفوسهم لربهم ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، وصفة أهل المساجد الذين لم تشغلهم العوارض عن الذكر والآخرة ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37)﴾ (النور) إنهم الأبرار الأطهار ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)﴾ (التوبة).

وعليه، فليست الرجولة بالسن ولا بالجسم ولا بالمال ولا بالجاه، وإنما هي قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور، وتبعده عن سفاسفها، قوةٌ تجعله كبيرًا في صغره، غنيًّا في فقره، قويًّا في ضعفه، قوةٌ تجعله يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه: يعرف واجبه نحو نفسه، ونحو ربه، ونحو بيته، ودينه، وأمته. إن الرجولة بإيجاز هي قوة الخُلُق وخُلُق القوة.

الرجولة.. مقياس النهضة

تقاس نهضة الأمم وتقدُمها ورقيها بمقدار تحقق خلق الرجولة فيها؛ فالأمة المجاهدة أو الناهضة.. وتريد أن تعيد مجدها وتبني حياتها المستقبلية على أساس متين يضمن للجيل الناشئ السعادة والرفاهية، وتعيد حقها المسلوب وغدها المغصوب، بحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبنائها وشبابها على خُلُق الرجولة؛ حتى يتغلبوا على ما يقف في طريقهم من عقبات، وما يعترضهم من صعاب، فالرجال سرُّ حياة الأمم، ومصدر نهضتها وعزتها وقوتها.. وتاريخ الأمم إنما هو تاريخ ما ظهر بها من الرجال.

الأقوياء والمصلحون

إن أصحاب النفوس الكبيرة والهمة العالية والأخلاق النبيلة هم الرجال الأقوياء الذين تُبعث بهم الأمة من مواتها وتنهض وترتقي، وهم فئة نادرة عبَّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الحقيقة بقوله: "إنما الناس كالإبل لا تكاد تجد فيها راحلة" (رواه مسلم).

الرجال.. أمنية الفاروق

أدرك الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الرجال سرُّ نهضة الأمة ومصدر قوتها، فكانت أمنيته وجود الرجال الأقوياء الأمناء.

فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان جالسًا إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله.

فقال عمر: تمنوا.

فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجواهر أنفقه في سبيل الله عزَّ وجلَّ.

فقال عمر: تمنوا.

فقال أصحابه: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين.

فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، أستعين بهم على إعلاء كلمة الله ونصرة دينه.

وعندما أبطأ فتح مصر على عمرو بن العاص كتب إلى الفاروق عمر يطالبه بمدد من الجند، فأمده عمر بأربعة آلاف، وكتب إليه: "إني أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل, رجل بألف رجل: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، واعلم أن معك اثني عشر ألفًا ولا يُغلب اثنا عشر ألفًا من قلة".

وقد كان جيل الصحابة قممًا ورجالاً بكلِّ ما تحمله الكلمة من معانٍ وهبوا أنفسهم لله غايتهم الأسمى رضوان الله، فكان الواحد منهم بألف ممن سواهم بل الواحد منهم أمة بمفرده، فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول "عن الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو ألف رجل" وفي رواية أخرى: لا يهزم جيش فيه القعقاع.

الرجولة بين المظهر والمضمون

إن الرجولة وصف يمس الروح والنفس والخلق أكثر مما يمس البدن والظاهر، فرب إنسان أوتي بسطة في الجسم وصحة في البدن ويتعامل مع المواقف والأحداث بخور وجبن، ورب عبد معوق الجسد قعيد البدن وهو مع ذلك يعيش بهمة الرجال، فالرجولة مضمون قبل أن تكون مظهرًا.

أمثلة قرآنية:

ضرب القرآن الكريم لنا أمثلةً حيةً وعمليةً للرجولة في أجلى صورها، وذلك في قصة مؤمن آل فرعون ومؤمن آل ياسين، وأوضح أن الرجل الواحد قد ينقذ الموقف بمفرده بما حباه الله من الخصائص الإيمانية والمواقف الرجولية التي ربما عملها بمفرده، فنجد في قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ (القصص: من الآية20)، وفي سورة يس في قصة أصحاب القرية إذ جـاءها المرسـلون تجـد قـوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ (يس: من الآية20).

وفي سياق هاتين القصتين تجد أن النص يبرز كلمة (رجل) وهي تعني شخصًا مفردًا، ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ (القصص: من الآية20)، فهو رجل واحد ينقذ الموقف بخصائصه الذاتية والإيمانية، ولا يستوحش من غربته بين أهله، فيحيط موسى علمًا بالمؤامرة الدنيئة التي يحيكها الملأ الفرعوني للقضاء عليه وعلى دعوته، ويقترح عليه الحل.

وفي قصة مؤمن آل ياسين ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ (يس: من الآية20) يعلن أمام الملأ نصرة المرسلين، ويدعو إلى اتباعهم متحديًا بذلك رءوس الضلالة، وهذه هي قمة الرجولة تحققت فيه بكل معانيها.ــــــــــــــــــــــــــ