أحمد بن علي

الدعوة إلى الله تعالى تعني: دعوة الغير إلى الخير والمعروف والاستقامة على دين الله المستقيم، فيدخل في ذلك دعوة الكفار إلى الدخول في الإسلام أصلاً، ودعوة المسلمين من العصاة والغافلين وغيرهم إلى طاعة الله وتذكيرهم بوعد الله ووعيده وجنته وناره.

وتعني الدعوة إلى الله أيضاً: بيان أحكام الشريعة ونشر محاسنها وتوضيح حكمها وغاياتها وحث الناس على التزامها والعمل بها ترغيباً وترهيباً.

وأساس ما تقدم هو دعوة الناس إلى توحيد الله وعباداته وحده لا شريك له وأن تكون أهواؤهم موافقة لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (سورة آل عمران: 104) وقال جل وعلا: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}(سورة النحل: 36)، وقال سبحانه: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} (سورة الشورى: 15).

وفضل الدعوة إلى الله كبير وثوابها جزيل لا يمكن حصره ولا الإحاطة به ولكن من فضائلها:

- أنها مهمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة ,السلام، فالداعي إلى الله من أتباعهم هو خليفة لهم في تبليغ رسالاتهم والسير على منهاجهم، وهذه مرتبة عليا تستحق بذل الغالي والنفيس للوصول إليها قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة يوسف: 108).

- ومن فضائل الدعوة إلى الله أن الداعي إلى الله - مع صلاح قوله وعمله - هو أفضل الناس وأزكاهم عند الله تعالى، قال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (سورة فصلت: 33)، قال الحسن البصري عند هذه الآية: (هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله).

وقال قتادة: (هذا عبد صَدق قولُه وعملُه، ومولجه ومخرجه، وسره وعلانيته، ومشهده ومغيبة).

- ومن فضائل الدعوة أيضاً أن للداعي إلى الله من الأجر العظيم والثواب الجزيل ما لا يعلمه إلا الله، لأنه هدى الناس إلى الحق ودلهم على ربهم ومعبودهم سبحانه وأبعدهم عن أسباب مساخطه وعقابه والله عز وجل يحب ذلك ويثيب عليه، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) وهذا يشمل بعمومه هداية الكافر وهداية العاصي من المسلمين.

وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) وثبت في صحيح مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) ولا شك أن هذا فضل عظيم يدفع النسان إلى بذل المزيد من الجهد والنشاط في الدعوة ليحصل على هذه الأجور العظيمة وكلما أكثر من الدعوة وهداية الناس فالله أكبر وأكثر في الثواب والإحسان.

- ومن فضائل الدعوة إلى الله تعالى أنها تبليغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وسنته إلى الناس ومن قام بذلك فقد استجاب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية)، خرجه البخاري في صحيحه، والمبلغ لكلام النبي صلى الله عليه وسلم وهديه دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بنضارة الوجه في قوله: (نضر الله امرءاً سمع شيئاً فبلغه كما سمع فرُبَّ مبلغٍ أوعى من سامع) حديث صحيح مشهور خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وغيرهم.

والنضارة هي: النعمة والبهجة والحسن، وهو دعاء للداعي إلى الله المبلغ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير في الدنيا والآخرة، فمن قام بالدعوة إلى الله على وفق هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فله نصيب من هذا الخير والفضل.

هذا غيض من فيض مما تشتمل عليه الدعوة إلى الله من فضل وفضائل.

وأما ثمراتها فكثيرة جداً منها ما هو عائد إلى الأفراد ومنها ما هو عائد إلى المجتمعات فمنها:

- تحقيق الحكمة والغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، وهي عبادته وحده لا شريك له ومعرفته بأسمائه وصفاته قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(سورة الذاريات: 56)، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وفي الدعوة توضيح وشرح لهذه العبادة وحث للناس على التزامها وترك ما يخلفها جزءاً أو كلاً، وبيان للأجور العظيمة المرتبة على القيام بهذه العبادة، وهذا هو المقصود الأعظم من الدعوة إلى الله.

- ومن ثمرات الدعوة أيضاً: بلوغ الدعوة الإسلامية إلى الناس وظهور أحكام الشريعة ومعرفة الخير من الشر، وفي ذلك قيام للحجة على العباد قال سبحانه: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}(سورة النساء: 165).

- ومن ثمراتها أيضاً: تكثير الأمة المحمدية الذي هو تحقيق لما تمناه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن يكون أكثر الأنبياء أتباعاً كما في الحديث المخرج في الصحيحين: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أني أكثرهم تابعاً يوم القيامة).

- ومنها حل المشكلات المتعلقة بالمجتمعات فكرياً واجتماعياً وخلقياً وسلوكياً وغيرها التي بقاؤها هو من أسباب الدمار والهلاك، لأن الإنسان إذا سار بعقله وهواه وعزل نفسه عن الوحي السماوي فإنه لابد هالك، والدعوة هي: بيان لطريق النجاة للبشر جميعاً، ودين الله هو الهادي إلى كل خير، وهو الدواء الناجع لكل أمراض البشر الفكرية والسلوكية وغيرها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}(سورة يونس: 57 - 58) وقال سبحانه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}(طه: 124 - 127).

- ومن ثمرات الدعوة الوصول إلى بناء مجتمع تتمثل فيه جميع صفات المثالية والقدوة قدر الإمكان، كما حصل للرعيل الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ذلك العصر الذي هو القدوة لكل عصر من عصور هذه الأمة إلى قيام الساعة، فالناس فيه متآخون ومتآلفون متعاونون على البر والتقوى قائمون بشرائع الإسلام متخلقون بأخلاقه متناصحون متعاطفون كما صورهم الحديث المخرج في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتاعطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

- ومن ثمرات الدعوة أيضاً دلالة الناس على الخير والفلاح وهدايتهم إلى طريق السعادة الذي نهايته الجنة، وتحذيرهم من الشر والبوار والخسران الذي نهايته النار قال الله سبحانه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا}(سورة مريم: 97) وقال جل وعلا: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (سورة البقرة: 38 - 39)، وقال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا «1» قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً «2» مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً «3»» وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً}(سورة الكهف 1-4).

- وفي الدعوة جلب للمصالح وتكثيرها ودفع للمفاسد وتقليلها في المجتمعات بقدر الإمكان.

- وفي الدعوة حياة للقلوب، ففيها تنشيط للخاملين وتذكير للغافلين وزيادة إيمان المؤمنين، وفيها كبت لأهل الأهواء والمبطلين وإغاظة للكافرين.

- وفي القيام بالدعوة إلى الله تعالى واستمرارها على جميع الوجوه وفي كل الأحوال ثبات للحق، ونصرة للدين، وبقاء للطائفة المنصورة الموعودة بالظهور والغلبة على كل من خالف الدين الحق من أهل البدع والملل وأصحاب الشهوات والشبهات في كل زمان ومكان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المخرج في الصحيحين: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).

والكلام في فضل الدعوة وذكر ثمراتها طويل لا يمكن حصره وفيما ذكرناه من الإشارة كفاية وبالله التوفيق.

ــــــــــــــ