أولا : واقع الدعاة:

* الدعاة أفراد

يقوم بالدعوة أفراد منهم الخطباء في المساجد والوعاظ فيها وفي خارجها، والمدرسون في المدارس والمعاهد التعليمية المعينون لتدريس مادة الدين، أي الدين الإسلامي وشريعته الإسلامية، وهؤلاء جميعاً موظفون في الدولة يقومون بما يقومون به باعتبارهم موظفين مكلفين بما هم مكلفون به مما يدخل في دائرة التعريف بالإسلام والدعوة إليه لأن ذلك يدخل في نطاق وظيفتهم، كما يوجد أصناف من الأفراد يقومون بتبليغ الإسلام والدعوة إليه بقدر ما يعلمون من الإسلام، وهم غير معنيين من قبل الدولة ولا موظفين فيها وإنما يقومون بذلك حسبة عند الله ويدعون من يتيسر لهم الاتصال بهم، ومن هؤلاء: العامل والتاجر، والطالب والمحترف بسائر الحرف، وغيرهم من أصناف الناس.

* الدعاة جماعات

وبجانب الدعاة الأفراد توجد جماعات شتى تدعو إلى الإسلام كل جماعة تدعو إلى الإسلام حسب طريقتها وما تؤكد عليه ، والغالب عليها عدم ارتباطها بالحكومات كما أن الغالب على القائمين عليها أفراد غير متفرغين لأعمال الدعوة وبالتالي فهم لا يقدمون لها إلا الفضلة من جهودهم وأوقاتهم. وهذه الجماعات على قلتها لها اثر وتأثير في محيطها، ويختلف هذا الأثر باختلاف مقدار جهود الجماعات وحالة وظروف المحيط الذي توجد فيه.

ثانيا : واقع المدعوين :

* المدعو في موضوع الدعوة إلى الإسلام هو كل إنسان على وجه الأرض لم تبلغه دعوة الإسلام أو بلغته على نحو غير صحيح، أو بلغته كما ينبغي أن يكون التبليغ ولكنه يعصى الله ولا يعمل بمقتضى بما علمه من الإسلام، وحق المدعو أن يِؤتى لا أن يأتي ، أي يأتيه الدعاة يدعونه إلى الإسلام لا أن يأتيهم هو، فالواجب على الدعاة أن يوفوا الدعاة حقهم من الذهاب إليهم في أماكنهم ومحل تجمعهم وحتى إذا اقتضى الأمر السفر إليهم ليبلغهم الإسلام وهم في أماكنهم وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان يقصد القبائل في محل إقامتهم عند مجيئهم إلى مكة وذهب إلى مدينة الطائف يدعوا أهلها.

* ولا شك أن الأولى بالتقديم بالدعوة إلى الإسلام الأقربون إلى الدعاة سواء كان هذا القرب قرب المكان أو قرب النسب قال تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ). وعلى هذا النهج ينبغي أن يقوم رب العائلة بتبليغ الإسلام إلى أهل بيته ويحملهم على العمل به، ثم يدعو الأقرب فالأقرب إليه من أقربائه في النسب أو في السكن والجوار والموطن ثم سائر الأناس في البلاد التي يمكن الوصول إليها من قبل الدعاة، ويمكن للدعاة أن يقوموا بالدعوة لأهلهم وأقاربهم القريبين والبعيدين في الإقليم الواحد حسب ما يتيسر له من فرص الدعوة ، كما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو عشيرته الأقربين ، ويدعو القبائل الوافدة إلى مكة ويسافر إلى الطائف يدعوا أهلها.

ثالثا : واقع موضوع الدعوة :

* ما يبدأ به الداعي المسلم من الإسلام: موضوع الدعوة هو الإسلام بجميع معانيه وأحكامه الشاملة لجميع شؤون الحياة، وأن الداعي المسلم إنما يدعو إلى هذا الإسلام الشامل ، ولكن هذا لا يعني إغفاله الأولويات في دعوته أي ما يجب أن يبدأ به أولاً من دعوته إلى الإسلام ، فإن أول ما ينبغي أن يدعو إليه الداعي المسلم غير المسلم هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا ما دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن معاذ رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي إلى اليمن - وقال لي: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله أفترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم … ).

* اختلاف الدعاة فيما يؤكدون عليه في دعوتهم

والدعاة سواء كانوا أفراداً أو جماعات يختلفون فيما يؤكدون عليه من موضوع دعوتهم - الإسلام - فمنهم من يؤكد على جانب العقيدة ، وضرورة تنقيتها من الشوائب والبدع، ومنهم من يؤكد على وجوب إتباع السنة الصحيحة حسب ما يفهمه من الأتباع الصحيح للسنة ، ومنهم من يؤكد على تزكية النفس وهو ما يعرف بـ "التصوف" ومنهم من يؤكد على الجانب السياسي وبيان حكم الإسلام في علاقة الحاكم بالمحكوم والراعي بالرعية، وبعضهم يؤكد على تعريف الناس بنظم الإسلام والتأكيد على ذلك ومنهم من يؤكد على الجهاد وبيان معناه ولا مانع - من حيث المبدأ- تخصص كل جماعة بجانب من الإسلام ، تؤكد عليه في دعوتها إلى الإسلام ولكن بشرط أن لا تغفل بالكلية جوانب الإسلام الأخرى ، وبشرط أخر هو وجوب تعاون هذه الجماعات فيما بينها كل فيما أختص به ويؤكد عليه.

رابعا : واقع وسائل وأساليب الدعوة :

* المصادر: مصادر هذه الوسائل والأساليب للدعوة إلى الإسلام هي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة واستنباطات الفقهاء ، ففي قصص القرآن دروس وعبر ومواعظ للدعاة ، قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) وقال تعالى (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ).

وفي السنة النبوية مادة غزيرة للدعوة والدعاة ، فما من حالة يكون فيها الداعي المسلم أو الدعاة أو ظروف وأحداث ومشاكل أو صعاب يواجهونها إلا وفى السنة النبوية وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مثلها أو شبيه لها أو قريب منها فيعرفون الحل الصحيح الذي يجب أن يأخذوه اهتداء بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وإقتداء به، وقد يكون من حكمة الله مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم مختلف الظروف والأحوال ليهتدي الدعاة بموقف النبي صلى الله عليه وسلم منها فيجدوا الحلول لمشاكلهم، وأما استنباطات الفقهاء فهي تعتبر من الأحكام الشرعية الواجب إتباعها، وإن تعلقت بالدعوة والدعاة لأنها من الدين.

* واقع وأساليب الدعوة في العصر الحاضر

لكل عمل وسائله وأساليبه الموصلة إلى هدفه والغاية منه. وللدعوة إلى الإسلام وسائلها وأساليبها الموصلة إلى هدفها والغاية منها، وهذه الوسائل والأساليب يجب أن تؤخذ من مصادرها الشرعية التي ذكرناها لأنها تعتبر من الدين أي من الإسلام، ويلزم الدعاة التقيد بها وعدم التفلت منها والاستعاضة عنها بغيرها لأنها من الإسلام الذي يدعون إليه، والملاحظ أن الدعاة، أفراداً كانوا أو جماعات، لا يأخذون بكل هذه الوسائل والأساليب ولا يتقيدون بجميعها، من ذلك أنهم يتركون المستجيبين للإسلام دون تعليم لهم ما يلزمهم من تعاليم الإسلام، مع أن الأسلوب الشرعي في الدعوة إلى الإسلام يقضي بتعليم المستجيب للإسلام ما يلزمه منه ، فقد جاء في السيرة النبوية انه عندما أسلم عمير بن وهب قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه فقهوا أخاكم في دينه. وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا "، وأنه صلى الله عليه وسلم أرسل مصعب بن عمير يعلم مسلمي المدينة القرآن ".

كما أن بعضهم يقدم بعض الوسائل التي من حقها التأخير ويؤخر الوسائل التي من حقها التقديم استعجالا منهم لبلوغ الغاية والهدف في زعمهم ومنهم من يأخذ بالعنف وسيلة للدعوة إلى الله في زعمه مخالفاً أمر الشرع بالأخذ بالرفق، وترك العنف والدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، كما أنهم كلهم أو معظمهم لا يربطون ما يدعون الناس إليه برباط العقيدة وأصولها كما هو نهج القرآن وأسلوبه فيما يدعو الناس إليه أمراً ونهياً.

ـــــــــــــــــــــــ