عبدالكريم زيدان

أولاً: فيما يتعلق بالدعاة

   أ. قلة الدعاة: من المعلوم أن نتائج أي عمل تتأثر بحال العاملين فيه من حيث عددهم قلة وكثرة ومن حيث نوعيتهم جودة ورداءة، والمنظور إليه في الدعاة الجودة، أي من حيث نوعيتهم دون إغفال عددهم من حيث القلة والكثرة ، يدل على ذلك قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). وجه الدلالة بالآيتين أن الله تعالى أخبر بأن العشرين من المؤمنين الصابرين يغلبوا مائتين من الكافرين وهذا قبل التخفيف، وبعد التخفيف أخبرنا تعالى أن المائة من المؤمنين يغلبوا مائتين من الكفار، وأن الألف يغلبوا ألفين من الكفار، ولم يخبرنا الله بأن العشرين من المؤمنين الصابرين يغلبوا ألفين، ولا المائة تغلبوا ألفاً، لان قوة الإيمان والصبر لهما تأثيرهما غير المذكور ولكن هذه القدرة للإيمان والصبر لها حد محدود لأن لكثره الكافرون أو لعددهم الكثير قوة وتأثير غير منكور، وبالتالي لا تستطيع القوة الإيمانية أن تغلب الكافرين مهما كان عددهم ، فلا بد من ملاحظة الكثرة لأن لها قوة ولو كانت كافرة فكيف إذا كانت مؤمنة ؟!.

* من حيث علم الدعاة بالإسلام

   ب- أن موضوع الدعوة هو الإسلام فمن البديهي أن يعرف الداعي الإسلام الذي يدعو إليه حتى تكون دعوته إلى الإسلام على بصيرة وعلم، ولا يشترط في الداعي أن يكون مجتهداً بمقاييس العلماء للمجتهد وللاجتهاد وإنما الشرط أن يعرف الداعي من الإسلام ما يحتاجه لدعوته ولا يسعه جهله كما أن من المؤكد أن الداعي المسلم كلما أزداد علماً أزداد قدرة على البلاغ المبين للإسلام ومواجهة الخصوم من أعداء الإسلام وأصحاب الشبهات وكشف باطلهم.

* والملاحظ على الدعاة بصورة عامة ضعف مستواهم بالعلم الشرعي، وضعف مستواهم في معرفة الآراء والمذاهب الباطلة وأوجه الباطل والخلل فيها، وسبب ذلك أنهم غير معدين الإعداد اللازم لمهمة الدعوة إلى الإسلام، وعدم تفرغهم لعمل الدعوة حتى يمكنهم تدارك نقصهم في العلم الشرعي.

* ج-. من حيث كيفية دعوة الناس إلى الإسلام، والدعاة مع حاجتهم إلى العلم الشرعي العلم بالإسلام وأحكامه، يحتاجون أيضاً إلى ما يمكن تسميته بـ (فن الدعوة)، أي إلى كيفية دعوة الناس إلى الإسلام ، فالمعرفة بهذا الفن شيء ضروري ومعقول ألا يرى أن هناك ما يعرف بأصول التدريس، أي أصول تدريس المواد المراد تعليمها إلى الطلاب، فكذلك نحتاج إلى معرفة ما ذكرناه من كيفية دعوة الناس إلى الإسلام، والحقيقة أن مستوى الدعاة في هذه المعرفة أو بهذا العلم (فن الدعوة) مستوى واطئ.

* د- من جهة حال الداعي بالنسبة للدعوة

يتوقف بلوغ الدعوة هدفها على كيفية حال أو أحوال الدعاة منها من جهة مدى حملهم لها وتأثرهم بها وانصياعهم بصبغتها وانشغالهم بها وفي نظرتهم إلى حكم قيامهم بها.

والحد الأدنى المقبول لحال الداعي من الدعوة إلى الإسلام أن يرى القيام بها واجباً شرعياً عليه، وليست نافلة شرعية، وأن أداء هذا الواجب الشرعي المقبول هو الذي تتحقق فيه أركانه وشروطه الشرعية ومنها اقترانه بالنية الصادقة والإخلاص الكامل لله رب العالمين. وكلما ارتقى الدعاة في مستوياتهم ومواقفهم من الدعوة إلى المستويات العليا كلما كان بلوغهم هدف الدعوى قريب الحصول والحقيقة أن الدعاة في العصر الحاضر ليسوا سواء في نظرتهم إلى الدعوة وموقفهم منها، فالكثير منهم لا يزالون قريبين من الحد الأدنى المطلوب ولم يبلغوه بعد، لكن من الأمانة والصدق بالقول أن أقول إن من الدعاة من بلغ مستوى عالياً جداً في نظرته إلى الدعوة وفي موقفه منها حتى صار تعلقه بالحياة مربوطاً بالدعوة، فهو يحب الحياة ويحرص عليها ما دام العمل الدعوي ميسوراً له فيها، ولا يرى لحياته معنى وبالتالي يجب مغادرتها والرحيل عنها إذ تعذر له أو يتعذر العمل الدعوى ولكن هذا النوع من الدعاة قليل جداً إن لم يكن نادراً جداً ، وصدق رسول الله إذ يقول: (الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة)"، وقد جاء في شرحه " المرضي الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف، الحسن المنظر، القوي على الأحمال والأسفار قليل جداً كالراحلة في جماعات الإبل، فالحديث الشريف خبر عن فقد الرجال الأخيار الأبرار مع كثرة نوعهم في الدنيا على وجه الأرض.

* هـ – الداعي والقدوة الحسنة

ومن معوقات الدعوة فقدان القدوة الحسنة في الدعاة، وقوام القدوة الحسنة: حسن الخلق، وموافقة قول المسلم لعمله، ومن الأخلاق الضرورية للداعية المسلم: الحلم والصبر، لأن الغالب تعرض الداعية للأذى فإن لم يقابل ذلك بالحلم والصبر كان ما يفسده أكثر مما يصلحه كما يقول شيخ الإسلام أبن تيميه، وأما العنصر الثاني للقدوة الحسنة فهو موافقة قول الداعية لعمله، ولهذا قال شعيب عيه السلام لقومه كما حكاه القرآن عنه: (مَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ). وأيضاً فإن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون قول الداعية الذي يدعوهم إلى الإسلام وإن كان ما يقوله حقا، إذا رأوا عمله يخالف قوله، بينما هم يقبلون قول الطيب فيما يأمرهم أو ينهاهم عنه بشأن مرضهم ولو خالف قوله فعله كما لو قال لمريضه أن سبب مرضك التدخين فأتركه حتى تشفى فإنه يقبل قوله ولو رآه يدخن والدخينة (أي السيجارة) في فمه.

* والحقيقة أن الدعاة من حيث الجملة لا يصبرون على ما يصيبهم من أذى بسبب الدعوة ولا يحلمون على من يؤذيهم من المدعوين ، كما أنهم من حيث العموم لا يهتمون بموافقة أو مخالفة أفعالهم لأقوالهم مما يفقدهم مقام القدوة الحسنة في أعين الناس والمدعوين ، وبالتالي يكون هؤلاء الدعاة منفرين عن الدعوة بسيرتهم أكثر مما يجذبون الناس إلى دعوتهم بأقوالهم.

* ثانياً: ومن المعوقات المتعلقة بالجماعات وبالقائمين عليها، ما يأتي:

أ- بالنسبة للجماعات فيما بينها

توجد جماعات للدعوة إلى الإسلام في الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية، وهذه الجماعات مختلفة فيما تؤكد عليه من الإسلام وفيما تراه الأولى والأحق، بالتقديم من العمل الدعوي للإسلام، وهذا الاختلاف إذا كان مستساغاً إذا بقى في دائرة الاختلاف المسموح به، فإن من غير المستساغ ولا المقبول شرعاً حصول القطيعة والجفاء بين الجماعات وقد يتحول هذا الوضع الحال إلى تبادل الاتهامات بين الجماعات بما يشين وهذا الوضع بين الجماعات ينفر الناس منهم ويعطيهم مبرراً للصدود عن أية دعوة للإسلام تأتيهم من أي جماعة بحجة أن الدعاة إلى الإسلام متنازعون فيما بينهم ولو كان ما يدعون إليه حقاً لما تنازعوا فيما بينهم بشأن ما يدعون إليه.

ب. بالنسبة للقائمين على الجماعات

من الملاحظ أن بعض رؤساء جماعات الدعاة لا تناط بهم رئاسة الجماعة بناء على كفاءتهم من ناحية العلم بالشرع الإسلامي، وبقدرتهم على إدارة شئون الجماعة وإنما ينالون منصب الرئاسة عن طريق الانتخاب والحصول على أكثرية الأصوات، وهذه الطريقة قد لا توصل الكفء حسب ميزان الشرع إلى رئاسة الجماعة وبالتالي قد يصل إلى رئاسة الجماعة من تنقصه المعرفة الشرعية بأحكام الإسلام وتنقصه المقدرة على إدارة شئون الجماعة وهذا يؤدي إلى صدور قرارات من الجماعة عن طريق رئيسها، وتكون مخالفته للشرع الإسلامي من ناحية الموضوع أو من ناحية الوسيلة والأسلوب للدعوة مما يجعل الجماعة في أعين الناس غير صالحة للدعوة إلى الإسلام، لاسيما وهناك من يتربص الدوائر بالجماعات التي تدعو إلى الإسلام ويريد الشغب عليها وإظهار نقائضها ومخالفاتها للشرع الإسلامي تنفيراً للناس من هذه الجماعات. ولا يزيل ما قلته عن كيفية انتخاب رئيس الجماعة وما أحذره من نتائج هذه الانتخابات أن يكون إلى جانب الرئيس هيأة أو مجلس إدارة يعاون الرئيس أو يشترك معه في إدارة الجماعة وإصدار القرارات اللازمة بشأن الدعوة، لأن تكوين هذا المجلس لا يكون على أساس الكفاءة العلمية بالشريعة الإسلامية، كما أن قرارات هذا المجلس تؤخذ بأكثرية الأصوات وليس بالدليل الشرعي الذي يسند القرار المتخذ، ومن المعلوم أن كثرة الأصوات لا تجعل القرار الباطل والمخالف للشرع الإسلامي قرار حقاً أو موافقاً للشرع الإسلامي.

* ثالثاً - ومن المعوقات بالنسبة لوسائل وأساليب الدعوة لبعض الجماعات:

أن تأخذ بعض جماعات الدعاة وسائل وأساليب غير شرعية للدعوة، كما لو اتخذت العنف وسيلة لها وأسلوباً للدعوة إلى الإسلام. وبالتالي يكون هذا الأسلوب للدعوة عائقاً كبيراً لسير الدعوة.

ـــــــــــــــــــ