إن من أهم ما تتميز به شريعة الإسلام، أنها جمعت بين الثبات والمرونة، فهي تجمع بينهما في تناسق مبدع، يضع كلا منهما في موضعه الصحيح.. ثبات فيما يجب أن يخلد ويبقى، ومرونة فيما يتغير ويتطور.

وهذا التميز الذي تميزت به شريعة الإسلام، لا يوجد في شريعة سماوية ولا وضعية.

وذلك: “لتتلاءم مع الزمان كله والمكان بمختلف أبعاده وتراميه، ومع الناس جميعا من كل لون وقبيل“[1].

والثبات يكون على الأصول والكليات، والقيم الدينية والأخلاقية، والمرونة تكون في الفروع والجزئيات، والشئون الدنيوية والعلمية.

“وهذا الثبات نجده يتمثل في العقائد الأساسية الخمس، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهي التي ذكرها القرآن في غير موضع كقوله: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )[2]، ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا)[3].

وفي الأركان العملية الخمسة من الشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام وهي التي صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بني عليها.

وفي المحرمات اليقينية من السحر وقتل النفس والزنا وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات الغافلات والتولي يوم الزحف والغضب والسرقة والغيبة والنميمة وغيرها مما يثبت بقطعي القرآن والسنة..

وفي أمهات الفضائل من الصدق والأمانة والعفة والصبر والوفاء بالعهد والحياء، وغيرها من مكارم الأخلاق التي اعتبرها القرآن والسنة من شعب الإيمان.

وفي شرائع الإسلام القطيعة في شئون الزواج والطلاق والميراث والحدود، والقصاص، ونحوها من نظم الإسلام التي ثبتت بنصوص قطعية الدلالة فهذه الأمور ثابتة“[4].

ليس من حق أي إنسان كان من كان، أن يغيّر فيها أو يبدل أو يعدل؛ لأنها كليات الدين وقواعده وأسسه.

ونجد في مقابل ذلك القسم الآخر، الذي يتمثل فيه المرونة، وهو ما يتعلق بجزئيات الأحكام وفروعها العملية، وخصوصا في مجال السياسة الشرعية. وإذا كان بالمثال يتضح المقال، فلا بأس أن نذكر هنا بعض الأمثلة التي توضح ما قلناه.

أولاً: الثبات والمرونة في هدى القرآن:

– يتمثل الثبات في مثل قوله تعالى في وصف مجتمع المؤمنين( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم ) [5] وفي قوله تعالى لرسوله (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) [6] ( ، فلا يجوز لحاكم، ولا لمجتمع أن يلغي الشورى من حياته السياسية والاجتماعية، ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون– بالتسلط والجبروت.

– “وتتمثل المرونة، في عدم تحديد شكل معين للشورى، يلتزم به الناس في كل زمان وكل مكان فيتضرر المجتمع بهذا التقييد الأبدي، إذا تغيرت الظروف بتغير البيئات أو الأعصار أو الأحوال. فيستطيع المؤمنون في كل عصر أن ينفذوا ما أمر الله به من الشورى بالصورة التي تناسب حالهم وأوضاعهم، وتلائم موقعهم من التطور، دون أي قيد يلزمهم بشكل جامد[7].

ثانيًا: الثبات والمرونة في الهدى النبوي:

وإذا تأملنا في السنة المطهرة- قولا وفعلا وتقريرا- وجدناها حافلة بشتى الأمثلة والدلائل التي يتمثل فيها الثبات والمرونة جنبا إلى جنب.

” يتمثل الثبات والمرونة معا في موقفه صلى الله عليه وسلم من وفد ثقيف وقد عرضوا عليه أن يدخلوا الإسلام- ولكنهم سألوه أن يدع لهم “الطاغية”- وهي “اللات” التي كانوا يعبدونها في الجاهلية- ثلاث سنين فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم. فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم فأبى عليهم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها.

وقد كانوا سألوه مع ترك “الطاغية” أن يعفيهم من الصلاة، وألا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه “[8].

وهنا يظهر الثبات حين تكون المساومة على العقيدة والمبادئ فلا تنازل ولا ترخص، أما في الكيفيات والجزئيات ففيها متسع للترخص كما في كسر الأوثان بأيديهم أو بأيدي غيرهم.

ومن أمثلة ذلك.. ذكر ابن الجوزى لحكم صلاة القاعد وفضل صلاة القائم، جمع فيه بين الثبات والمرونة، من خلال عرضه لهذا الحكم، فيقول: “هذا تفسير حديث متفق على صحته من الأحكام، اتفق على صحته علماء الإسلام، وهو ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم “[9]

القائم في الصلاة له مزية على القاعد فيها من سبعة أوجه:

الأول: المشقة؛ لأن القائم يلحقه من التعب ما لا يلحق القاعد.

الثاني: الأدب؛ لأن القائم في الخدمة أحسن أدبا من القاعد.

الثالث: النشاط؛ لأن القائم أنشط في الخدمة وأبعد من الكسل والنعاس.

الرابع: التمكن؛ لأن القائم أقدر على فصاحة الكلام في المناجاة وتحسين هيئات العبادة.

الخامس: كثرة التنوع في فنون الخدمة؛ لأنه إذا صلى قائما فقد عبد ربه بالقيام والركوع والسجود والقعود، وإذا صلى قاعدا فات نوع من الأربعة.

السادس: أن من صلى قائما أخذ نصيبا من ترويح القلب، بسبب تنقله من حال إلى حال أكثر نصيبا من القاعد، وترويح القلب يعين على جودة الذكر.

السابع: أن من صلى قائما فقد أطاع الله تعالى بقوله “ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ“[10] ، وطاعة الأمر موجبة الأجر، ولو لم تكن حكمة مفهومة فكيف؟ وقد ظهرت الحكمة في القيام في الصلاة من وجوه كثيرة.

وأما الفريضة: فلا تصح صلاتها قاعدا مع القدرة على القيام ومن صلى قاعدا في الفريضة مع قدرته على القيام فهو عاص، واختلف العلماء في كفره، وأما النافلة فجائز فيها الجلوس مع القدرة على القيام، لكن القيام أفضل لما تقدم من الوجوه وأجره نصف أجر القائم، وإن كان عاجزا عن القيام لم ينقص أجره لأنه عاجز عن القيام[11]

ومن صور الثبات والمرونة، ما ذكره ابن الجوزي عن حال بعض المتعبدين، بقوله: “لقد رأيت كثيرا من المتعبدين وهو في مقام العجائز يسبح تسبيحات لا يجوز النطق بها، ويفعل في صلاته ما لم ترد به السنة، ولقد دخلت يوما على بعض من كان يتعبد، وقد أقام إماما وهو خلفه في جماعة يصلي بهم صلاة الضحى ويجهر، فقلت لهم: إن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: “صلاة النهار عجماء “[12]، فغضب ذلك الزاهد وقال: كم ينكر هذا علينا! وقد دخل فلان وأنكر، وفلان وأنكر، نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام، فقلت: واعجنا ومن قال لكم لا تناموا، أليس في الصحيحين من حديث عمر: أن النبي- صلى الله عله وسلم- قال له : “قم ونم “[13]، وقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ينام، ولعله ما مضت عليه ليلة إلا ونام فيها[14]

إن من الثبات في هذا المثال طلب ابن الجوزي من أصحاب هذا الفعل الالتزام بهدي وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة لأنه القائل: “صلوا كما رأيتموني أصلى “[15]، ومن المرونة عدم إنكاره صلاتهم الضحى في جماعة، وبيان يسر الإسلام في عدم تكليف النفس ما لا تطيق، فالصلاة عند النشاط، والنوم عند غلبته .

فما أحوج الأمة إلى علماء ودعاة.. يفهمون الدين بثباته ومرونته، وبالأخص في القضايا الفقهية؛ لأنها تحتاج إلى التجديد والتطوير، فالفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال؛ لأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] د/ علي عبد الحليم: التربية الاجتماعية الإسلامية، ص 234.

[2] سورة البقرة 2/177.

[3] سورة النساء 4/136.

[4] د/ يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، “ص 204- 205″، والمنهاج القرآني في التشريع، “ص 487 وما بعدها” “بتصرف“.

[5] سورة الشورى 42/ 38.

[6] سورة آل عمران، 3/159.

[7] د/ يوسف القرضاوى :الخصائص العامة للإسلام، ص206.

[8] د/ يوسف القرضاوى :الخصائص العامة للإسلام ، ص 212، 213.

[9] موطأ مالك ح : (283) .

[10] سورة البقرة 2/ 238.

[11] ابن الجوزي: التذكرة في الوعظ، ص112، 113.

[12] صحيح ابن خزيمة (2/337)، ومصنف ابن أبى شيبة (1/320) ، ومصنف عبد الرزاق (2/493) . وذكره الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (3/237)، وقال عنه في كلامه عن ابن الجوزي : بل رأيته ذكر في غيره ما لا أصل له من الحديث ، و بدون إسناد ، مثل حديث ” صلاة النهار عجماء ” . ذكره في ” صيد الخاطر ” كما نبهت عليه في التخريج المختصر له الملحق بآخره .

[13] البخاري ح : ( 5669) ، ومسلم ح : ( 1968) .

[14] ابن الجوزى : صيد الخاطر فصل 162 ص 162.

[15] البخاري ح : ( 595) .