إسماعيل علي

من الخصائص العامة للشريعة الإسلامية: الجمعُ بين الثبات والمُرونة:

لقد أراد الله تعالى لدينه الحنيف أن يكون دينًا عامًّا لكل الخَلْق، وأن يكون خالدًا، تَحكُم شريعتُه الأفراد والمجتمعات الإنسانية، وأن يكون صالحًا ومُصلِحًا لكل زمان ومكان؛ ولهذا كان حرِيًّا بأن يحمل في مضامينه وخصائصه مؤهِّلاتِ خلوده، وصلاحيةَ شريعته لكل عصر ومصرٍ.

ومِن هذه الخصائص أن شريعة الإسلام تجمع بين الثبات والمرونة، وهذه الخاصية واحدة من مظاهر الإعجاز التشريعي الذي لا يمكن أن يتوافر إلا للشريعة الإسلامية؛ لأنها ربانية، مُوحًى بها من عند الله الذي خلَق الخَلْق وهو حكيم خبير، محيط عليم بفِطَرهم وطباعهم وما يلائمها.

ومن هنا، فقد حَوَتْ نظم هذه الشريعة وقوانينها أمورًا تتسم بالثبات، لا تقبل التغيير أبدًا، وأخرى بخلاف ذلك، تتسم بالمرونة، وتقبل التغير بما يتمشى مع تطور المجتمعات، وتغير الأحوال والبيئات.

إن هناك أمورًا علم الله تعالى أزَلًا أنها تناسب البشر منذ تَنَزُّلِ الوحي، وإلى أن تقوم الساعة، لا يختلف فيها أهل عصر عن آخر، ولا أصحاب مكان عما سواه؛ فشرع الله تعالى بشأنها أحكامًا، اقتضت حكمتُه سبحانه أن تكون ثابتة، وأن تظل كما هي نَصًّا ورُوحًا، شكلًا ومضمونًا، مظهرًا وجوهرًا، مهما تغير الزمان، وتطورت البشرية، وسواء أتقدَّمت أم تأخَّرت!

ومن أمثلة ما اقتضت حكمة الله عز وجل أن يبقى ثابتًا في كل زمان ومكان: أصول العقيدة، أو أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، حُلوه ومُره.

ومنها: العبادات المعروفة؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.

ومنها: مكارم الأخلاق؛ كالصبر، والصدق، والأمانة، والوفاء، والحياء، والتواضع، والقناعة، والعفة، والرحمة...وغيرها.

ومنها: الحدود، والقِصاص، والدِّيَات، والزواج، والطلاق، والميراث، وحرمة الربا، والزنا، والاحتكار...وغير ذلك من الثوابت.

وهذه الأمور الثابتة قد جاءت بها نصوص تفصيلية صريحة مُحْكَمة، نحو قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275].

وقوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

وقوله عز وجل: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 23].

ومن ذلك أيضًا: ما روَتْه عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يَحْرُم من الرَّضاعة ما يحرُم من الولادة)) [1].

وما رواه جابر رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو بمكة عام الفتح: ((إن اللهَ ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام))، فقيل: يا رسول الله، أرأيتَ شُحُوم الميتة؛ فإنه يطلى بها السفن، ويُدْهَن بها الجلود، ويَسْتَصْبِح بها الناس؟! فقال: ((لا، هو حرام))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ((قاتل اللهُ اليهودَ؛ إن الله لما حرم عليهم شحومها، جَمَلوه ثم باعوه، فأكلوا ثَمَنَه)) [2].

وما رواه جابر أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أسكَر كثيرُه فقليلُه حرام)) [3].

فهذه بعض الأمثلة على ما هو ثابت بيِّن مما شرعه الله تعالى.

ويقابل هذا الثابتَ - كما ذكرنا - دائرةٌ أخرى، هي دائرة أوسعُ وأعمُّ، من شأنها أن تستوعب النوازل، وتلاحق التطورات والمستجدات، وَفْق أصول الشريعة ومقاصدها، بما يوسِّع على الناس، ويرفَع الحرج والمشقة عنهم، وإن اختلفت أعصارهم وأقطارهم، وهي دائرة تتسم بالمرونة والسَّعة.

مِن عوامل السَّعة والمرونة في الشريعة الإسلامية:

فما الذي يعمل على توافر هذه المساحة المرِنة ويساعد على إبقائها مستمرة في الشريعة الإسلامية ونُظمها؟

1 - ربانيَّة الشريعة الإسلامية:

إن أولَ عامل في إيجاد هذه الخاصية المرنة في الشريعة الإسلامية هو كونها ربانية المصدر؛ فما كان الله الحكيم العليم ليشرع لخَلْقه شريعة تكون خاتمة الشرائع، وعالمية لكل البشر في كل زمان ومكان، ثم تكون هذه الشريعة جامدةً عاجزة عن مواكبة ومسايرة التطور الإنساني، الذي علم اللهُ سَلَفًا أنه كائن وواقع.

ولذا اقتضت حكمتُه سبحانَه وعدلُه ورحمتُه أن يُلزِم عباده بتشريعات ثابتة قطعية محددة، كما أشرنا إلى بعضها سابقًا، وهذه يُنَصُّ عليها بنصوص تفصيلية صريحة، سواء أكان في القرآن أم في السنة، وأن يُكلِّفهم بأمور ما، ثم يوسِّع عليهم في كيفية الإتيان بها، وطريقة تحقيقها، وهذه تأتي ضمن قواعد كلية ونصوص عامة، وقد لا يكون هذا التكليف ولا ذاك التشريع، بل يسكت الله تعالى عن أمور؛ رحمةً بعباده غير نسيان، وهذا ما يُسَمى بالعفو.

عن أبي ثعلبة الخُشَنِي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله فرض فرائض فلا تُضيِّعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم من غير نِسيان فلا تبحثوا عنها)) [4].

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ؛ فاقبَلوا مِن الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئًا))، ثم تلا هذه الآية: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [مريم: 64] [5].

قال الإمام ابن رجب: فحديث أبي ثعلبة قسَّم فيه أحكام الله أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها [6].

فأما الفرائض، فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج.

وأما المحارم، فهي التي حماها الله تعالى، ومنع من قُربانها وارتكابها وانتهاكها.

وأما حدود الله التي نهى عن اعتدائها، فالمراد بها جملة ما أَذِنَ في فعله، سواء كان على طريق الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، واعتداؤها هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1]، والمراد: من طلَّق على غير ما أمر الله به وأَذِنَ فيه.

وقد تُطلق الحدود ويراد بها نفس المحارم، وحينئذ فيقال: لا تقربوا حدود الله؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187].

وقد تُسمَى العقوبات المقدَّرة الرادعة عن المحارم المغلظةِ حدودًا، كما يقال: حد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر.

وأما المسكوت عنه، فهو ما لم يُذكَرْ حكمُه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون مَعفُوًّا عنه، لا حرج على فاعله.

وقوله في الأشياء التي سكت عنها: "رحمة من غير نسيان" يعني: أنه إنما سكت عن ذكرها رحمة بعباده ورفقًا، حيث لم يُحرِّمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها، ولم يوجِبْها عليهم حتى يعاقبهم على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن فعلوها فلا حرج عليهم، وإن تركوها فكذلك [7].

وجدير بالذكر أن دائرة العفو، أو المسكوت عنه، واسعة في مجال التشريع.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن من مصادر التشريع الإسلامي "الاستصحاب"، ومعناه في اصطلاح الأصوليين: الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل، حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو هو جَعْل الحكم الذي كان ثابتًا في الماضي باقيًا في الحال حتى يقوم دليل على تغيُّره [8].

ومِن القواعد الشرعية التي بناها العلماء على الاستصحاب أن "الأصل في الأشياء الإباحة"؛ فكل أمر لم يرد بشأنه حكم لا في الكتاب ولا في السنة، ولا في المصادر الأخرى، فإنه يُحكَم بإباحته بناءً على مبدأ استصحاب الحكم الأصلي للأشياء، وهو الإباحة، وهذا الأصل وأمثاله من شأنه أن "يجعل الفقهاء في سَعة، ويُخلِّصهم من مواقف الحيرة والتردد، ويفتح لهم طرقًا يصدرون بها الفتوى في يُسرٍ، وينفُذون منها إلى الفصل في القضايا في سرعة، زيادة على ما فيه من الدلالة على سماحة الإسلام، وأنه دين الفطرة، الذي لا يشعر المستظلون بلوائه بحرج فيما شرع لهم من أحكام"[9].

2 - مجيء كثير من أحكام الشريعة الإسلامية الخاصة بالجوانب المعاشية في صورة قواعد عامة ومبادئ كلية:

وإذا كانت أحكام الشريعة الإسلامية قد جاءت تفصيلية واضحة فيما يتصل بجوانب العقائد والعبادات والمواريث وغيرها من الأمور التي تتسم بالثبات، حيث لا مجال للعقل والاجتهاد فيها، ولا تتطور بتطور البيئات والأزمان - فإنها قد جاءت في صورة قواعد عامة ومبادئ أساسية كلية، وذلك فيما يتصل بكثير من الجوانب المعاشية؛ كالاقتصاد، والسياسة والعلاقات الدولية، وغيرها مما يكون عُرْضة للتطور بتطور الأزمان والمجتمعات، وفي هذا من السَّعة والمرونة ما يضمن تحقيق مقاصد الشريعة، بما يتناسب مع ظروف الناس وأحوالهم.

نجد على سبيل المثال أن الإسلام قد أمر بالشورى وحث عليها، كما جاء في القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والعملية، ولكنه في الوقت ذاته لم يلزم المسلمين بوسيلة محددة يتم من خلالها تحقيق مبدأ الشورى، بل ترك الباب مفتوحًا أمام المسلمين ليختاروا من الوسائل المباحة شرعًا ما يتلاءم مع واقعهم، حتى وإن لم تكن معروفة في عصر النبوة والخلفاء الراشدين؛ كوسيلة الاستفتاء التي نراها في عصرنا مَثَلًا، المهم هو أن يتحقق مطلبُ الشرع ومقصدُه بتطبيق وتنفيذ مبدأ الشورى بضوابطه الشرعية، وأن ينتفيَ الاستبداد بكل صوره وألوانه من حياة الناس في المجتمع الإسلامي.

نماذج من الآيات والأحاديث التي تمثل قواعد عامة ومبادئ كلية:

ثم إن المتأمِّل في القرآن الكريم والسنة النبوية المُطهَّرة يجد كثيرًا من الآيات والأحاديث التي هي بمثابة قواعد عامة ومبادئ كلية، تظل معالم رشاد، ومنارات هداية للناس، وتظل تستوعب كل جديد في بابها وموضوعها إلى أن تقوم الساعة.

مِن ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56].

وقوله سبحانه: ﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77].

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205].

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا ضررَ ولا ضِرار)) [10].

فهل هناك أي نوع من أنواع الإفساد والإضرار في الكون وُجِد أم لم يُوجَد لا تشمله هذه النصوص المذكورة وأشباهها؟!

لو أخذنا - مَثَلًا - جانب الحفاظ على البيئة وصيانتِها من المفاسد والأضرار، لوجدنا أن كل ما من شأنه أن يضر بالبيئة، مما كان معروفًا في عصر نزول الوحي، وما عُرِف بعد ذلك، وما لم تعرفه البشرية بعد، (مِن قضاء الحاجة في الماء، وفي الظل، وفي الطريق، حتى القيام بدفن النفايات الكيماوية الضارة) - كل هذا داخل تحت النهيِ عن الفساد، والأمرِ المطلقِ بعدم الإضرار!

ومِن ذلك قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1].

"فكل ما يصدق عليه أنه عقد يكون الوفاء به واجبًا، سواء كان معروفًا باسم خاص، أو غير معروف؛ ولهذا أقر الفقهاء كثيرًا من العقود التي لم يرد بها دليل خاص؛ عملًا بهذا العموم، ولم يتقيدوا في ذلك بعقود مُسَماة، كما تقيد بذلك بعض القوانين الوضعية، ولم تصل هذه القوانين إلى ما وصل إليه التشريع الإسلامي إلا في العصور الحديثة" [11].

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

وهذا أصل عام يدخل تحته كلُّ صور الإسراف وألوانه، كما يشمل جميع مجالاته، سواء أكان في النواحي الروحية أم كان في النواحي المعاشية والاقتصادية.

وكذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مُسْكِر ومُفَتِّر [12].

وقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].

وقوله سبحانه: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40].

وقوله سبحانه: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الإسراء: 15].

وهذا أصل عام، ومبدأٌ أساسي فيما يتعلق بمسؤولية الإنسان عن أعماله، وتحمُّل نتيجة سائر تصرفاته.

ولكَمْ تأمَّلْتُ ملِيًّا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه لأصحابه: ((إياكم والجلوسَ في الطرقات))، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا مِن مَجالسنا بُد، نتحدث فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا أبيتم إلا المجلِسَ فأعطوا الطريق حقه))، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟! قال: ((غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)) [13].

فهل ترك قولُه صلى الله عليه وسلم: ((وكف الأذى)) أمرًا مِن الأمور الحميدة التي تواضَعَ البشر عليها في الدنيا بأسرها، لتنظيم المرور وضمان سلامة مَن يسيرون في الطرقات أو يستخدمونها بأي وجه، دون أن يشملها؟!

فهذه الأمثلة ونحوها قواعدُ عامة، ومبادئ أساسية، تندرج تحتها وتتفرع عنها فروع وأحكام كثيرة متجددة، ويمكن أن يُلحق بها طرائق وأمور مُحدَثة في شؤون الناس المعاشية.

3 - خصوبة وتنوع المصادر التشريعية:

ومِن عوامل مرونة شريعة الإسلام ونظمه كذلك: خصوبة وتنوع المصادر التشريعية؛ حيث إن هذه المصادر ليست مُنحصرة في دائرة نصوص تفصيلية محدودة، كأنها مواد قانونية جامدة مقصورة على أمور بعينها، دون إتاحة المجال لعمل العقل وجهده، كلا..بل هناك مجال واسع للعقل في التعامل مع القضايا والمشكلات، ووضع الحلول لها مسترشدًا بنصوص الشرع، وملتزمًا برُوحه ومقاصده، ومن هنا كان القرآن والسنة المصدرين الأصيلين، ثم كانت هناك مصادر أخرى تبعية؛ كالقياس والاستصلاح (المصلحة المُرسَلة)، والاستحسان، والعُرف، والاستصحاب، وسد الذرائع، وغيرها... وهذه المصادر للاجتهاد فيها دور واضح، ومكانة بارزة، وليس معنى هذا أنها منقطعة الصلة بالقرآن والسنة، أو أنها تعمل بعيدًا عنهما، كلا.. بل إنها من مَعِينهما تستقي، وعلى أساسهما تعمل، وفي ضوء هديهما تسير.

إن هذا الأمر المتعلق بتنوع المصادر التشريعية للأحكام والنظم مِن شأنه أن يجعلها قادرة على مواجهة كافة ما يستجد من قضايا، وما تتمخض عنه حركة التطور التي تشهدها المجتمعات الإنسانية على مر العصور، في سلاسة ومرونة، عن طريق استنباط الأحكام الشرعية المناسبة لما ينزل بالناس ويطرأ على حياتهم، من خلال هذه المصادر والأدلة.

ومِن أجل هذا حكَمَتِ الشريعةُ الإسلامية أماكنَ شاسعة وأقطارًا واسعة، وأجناسًا شتى من البشر، أزمنة عديدة، وقرونًا مديدة، فما عَجَزت عن الوفاء بحاجات مَن استظلوا بظلها مِن المسلمين وغيرهم، بل قدمت العلاج لكل مشكلة، والدواء لكل عِلة، مِن غير تكلُف ولا إعنات، أو تحميل للناس ما لا يطيقون.

ولا تزال هذه الشريعة - وسوف تظل - تملِك القدرة على علاج البشرية الحائرة من أوجاعها، إذا ما أوى الناس إليها، وخاصة المسلمين اليوم؛ فإن عليهم أن يعودوا إلى شرع ربهم عودة صادقة، ليقدِّموا للعالم نموذجًا يُحتَذَى، ومَثَلًا صادقًا في التمسك بشرع ربهم، وجعْلِ نُظُم الإسلام هي الحاكمةَ والمهيمنةَ في حياتهم كلها، ليحيَوْا الحياة الراشدة، وينالوا عز الأولى والآخرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه البخاري في ك فرض الخمس ب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فتح الباري 6/ 423 رقم 3105، وفي ك النكاح ب: ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ [النساء: 23]، ويحرُمُ من الرضاع ما يحرم من النسب، فتح الباري 9/ 43 رقم 5099، ومسلم في ك الرضاع رقم 1444 ـ وهذا لفظه ـ ومالك في الموطأ ك الرضاع ب رضاعة الصغير 2/ 601 رقم 1.

[2] رواه البخاري في ك البيوع ب بيع الميتة والأصنام، فتح الباري 4/ 495 رقم 2236.

[3] رواه أبو داود في ك الأشربة ب ما جاء في السُّكْر 2/ 189 رقم 3681، والترمذي في ك الأشربة ب ما أسكر كثيره فقليله حرام 3/ 343 رقم 1872، وابن ماجه في ك الأشربة ب ما أسكر كثيره فقليله حرام 2/ 1125 رقم 3393 و3394، وأحمد 2/ 219 رقم 5616.

[4] رواه الحاكم في المستدرك 4/ 115، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 171) وعزاه إلى الطبراني في الكبير، وقال: ورجاله رجال الصحيح، ورواه الدارقطني في سننه، وقد تكلم في سند هذا الحديث، لكن يشهد له أحاديث أُخَرُ، مثل حديث أبي الدرداء التالي.

[5] رواه البزار في مسنده 10/ 26 رقم 4087، والدارقطني في السنن ك الزكاة ب الحث على إخراج الصدقة 3/ 59 رقم 2066، والحاكم في المستدرك ك التفسير ب تفسير سورة مريم 2/ 406 رقم 3419 وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ك جماع أبواب ما لا يحل أكله ب ما لم يذكر تحريمه 10/ 21 رقم 19724.

[6] جامع العلوم والحكم، الحافظ زين الدين عبدالرحمن بن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي، الشهير بابن رجب، ص 522، تحقيق طارق عوض الله محمد، دار ابن الجوزي - السعودية، ط الثالثة 1422هـ.

[7] جامع العلوم والحكم، ص 523 ـ 537 باختصار.

[8] علم أصول الفقه، عبدالوهاب خلاف، ص 91، مكتبة الدعوة.

[9] أصول الفقه الإسلامي، د. زكي الدين شعبان، ص 181، دار الكتاب الجامعي - القاهرة.

[10] رواه ابن ماجه في ك الأحكام ب من بنى في حقه ما يضر بجاره 2/ 784 رقم 2340 و2341، من رواية عبادة بن الصامت وابن عباس، ومالك في الموطأ ك الأقضية ب القضاء في المرفق 2/ 745 رقم 31، من رواية عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، وأحمد 6/ 446 ـ 447 رقم 22272، من حديث عبادة بن الصامت، والحاكم في المستدرك 2/ 57 ـ 58 من رواية أبي سعيد الخدري، وفيه زيادة، وهي: ((مَن ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه))، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

[11] أصول الفقه الإسلامي، د. زكي الدين شعبان، ص 45.

[12] رواه أبو داود في ك الأشربة ب ما جاء في السكر 2/ 190رقم 3686، وأحمد في المسند 7/ 437 رقم 26094، والمُفتِّر: هو المخدِّر للجسد، وإن لم ينتهِ إلى حد الإسكار؛ جامع العلوم والحكم. ص 786.

[13] رواه البخاري في ك المظالم ب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصعدات، فتح الباري 5/ 134 رقم 2465، وفي ك الاستئذان ب قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ﴾ [النور: 27] ، فتح الباري 11/ 10 رقم 6229، ومسلم في ك اللباس والزينة ب النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق حقه، مسلم بشرح النووي 14/ 101 ـ 102 رقم 2121، وأخرجه أبو داود والترمذي والدارمي وأحمد.