عبد العزيز عماري

المربي الناجح له عدد من الخصائص التي لا غنى له عنها لأن أثر التربية في إصلاح المجتمع موضوع مهم ليس كبقية المواضيع، ومما يدل على جلالة قدره وعظم شأنه أن الله تعالى تولاه بنفسه، فربى النخبة المباركة التي تقوم بهذا الأمر العظيم، فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ورباهم وصنعهم على عينه -سبحانه- بتربيته الخاصة؛ ليخرجوا إلى الناس قادة، فيربونهم التربية

المربي:

المربي الناجح تربطه بأبنائه علاقة الحب والرفق.

الربانية:

وما زالت الرسل تبعث فترة بعد فترة بهذه المهمة، فقد ذكر القرآن الكريم صفات هؤلاء المربين فقال سبحانه: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (طه: 39) في حق موسى، عليه الصلاة والسلام. وقال: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113)، وهذا في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

خصائص المربي

سأذكر بإذن الله تعالى خصائص المربي، وألخصها هنا في ست وهي: العلم والإخلاص والربانية وعلو الهمة والرفق والحب.

الخصيصة الأولى: العلم، والمقصود به العلم الرباني، الذي علمه الله للإنسان؛ فالإنسان صناعة الله تعالى، والوحي كلامه، ولا يمكن أن تربي هذا الإنسان إلا إذا طبق الوحي الرباني الذي يخاطبه من كل جوانبه، فلا يترك جانبا إلا عالجه.

ومن جانب آخر، هناك العلم بأسرار الإنسان، الذي هو أعقد مخلوق على وجه الأرض؛ فتربيته أعقد تربية؛ ولهذا لم يكلها الله تعالى إلا للأنبياء والمرسلين، ولخلفائهم من بعدهم؛ لأنه ليس في مقدور أحد أن يضع للإنسان منهجا يصلح به الناس إلا خالقهم العالم بخفاياهم. فلا بد إذن من العلمين: علم الوحي، وعلم صناعة الإنسان. ومن هنا يتضح خطأ من نظروا إلى الإنسان من زوايا أخرى متنوعة، فوضعوا له مناهج متنوعة لا تنسجم مع تكوينه، ولا تتسق مع فطرته.

فلا بد للمربي من خصيصة العلم بشقيه، وليس المقصود بالمربي الشخص فقط، ولكن مناهج التربية، والمؤسسات التي تقوم بالتربية لا بد أن تنظر إلى الإنسان من زاوية وحي الله تعالى الذي هو العليم الخبير.

الخصيصة الثانية: الإخلاص. والمراد بالإخلاص تفاني الإنسان في خدمة هذا المربى لوجه الله الكريم لا لغرض دنيوي؛ فيسخر جهوده بالليل والنهار لتحقيق الهدف التربوي؛ فبالنهار تربية بتفان، وفي الليل وقوف بين يدي الله وبكاء وتضرع سائلا الله تعالى أن يفتح له قلوب عباده لتحقيق الهدف التربوي. تأمل معي عباد الرحمن الذين ذكرهم الله في سورة الفرقان، فنوّه بهم، وأسندهم إلى نفسه، وجعلهم مربين صالحين ومصلحين، قال تعالى في إحدى صفاتهم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74)، ومن قبل قال: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا } (الفرقان: 64)، فنهارهم تربية وتعليم، وليلهم بكاء على باب الله تعالى. إذن، كيف لا ينجح من كان هذا شأنه؟

فيا أيها الأب، الذي تشكو سوء معاملة ابنك، تضرع إلى الله تعالى ليلا والناس نيام أن يصلح الله ابنك، هذا سعيد بن المسيب يقول لولده: “إني لأزيد في الصلاة ليلا من أجل صلاحك”؛ فلن يكون للمربي إشراق تربوي مؤثر إلا مع هذه الحرقة القلبية والإخلاص والتفاني في مهمته ابتغاء وجه الله الكريم، وحينما يشعر المربى بهذه الحرقة من أجله لا بد أن يستجيب بإذن الله تعالى، ولهذا نقل عن بعض السلف أنه كان إذا رأى المنكر أتى باب بيت من البيوت، وبكى بكاء شديدا حتى يأتي إليه أهل البيت فيقولون ما بك؟ فيقول: أريد أن توقفوا هذا المنكر، فيضطروا إلى إيقافه رحمة به. كيف إذن لا يحقق المربي هدفه المنشود في مثل هذه الحالة؟ فالعلم من دون إخلاص جسد بلا روح.

الخصيصة الثالثة: الربانية. ومعنى هذه الخصيصة أن هذا الإخلاص حين يكون في القلب يظهر أثره على صاحبه، فإذا رأيت الرباني جذبك بحاله قبل مقاله، ولهذا قال ابن عطاء الله: “لا تصحب من لا يستنهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله”؛ فالربانية نور يسري على صاحبه، يشرق وجهه بالأنوار الإلهية، وتجعل لصاحبها أحوالا مع الله تعالى ليست لغيره من الناس الذين لا يتصفون بهذه الصفة، يقول مولانا عز وجل: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79). هذه الربانية حينما تتجلى على صاحبها يشعر الناس من حوله بلطف وحنان ورحمة، ويشعرون بعطر يفوح من كل جوانبه، ولهذا شبه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الجليس الصالح ببائع المسك، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما أن تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة”(1).

فالرباني لا تشم منه إلا الريح الطيبة؛ فعندما تحدث للناس مشاكل وصعوبات في الحياة فيجالسونه تنزل عليهم الرحمات والسكنات وتهب عليهم رياح الطمأنينة والثبات.

الخصيصة الرابعة: الهمة العالية. كلما كانت همتك -أيها المربي- عالية، تبعك على ذلك المربى؛ لأن بينك وبينه حبلا للتواصل يشبه حبل المشيمة بين الأم وجنينها، ولهذا نقل التاريخ الإسلامي أن أم محمد الفاتح كانت تأتي به إلى شط البحر وتقول: «يا بني، أنت الذي ستفتح القسطنطينية».

له همة لا منتهى لكبارها *** وهمته الصغرى أجل من الدهر

ولما كانت همة الرسول أعلى همة، تبعه أصحابه، فصاروا على أعلى همة. إن الهمة العالية تجعل أصحابها لا يرضون بالدون، بل يرقون إلى الثريا. فما أحوج أمتنا إلى إيقاظ الهمم، وشحذ العزائم، خصوصا في فئة الشباب.

الخصيصة الخامسة: الرفق. وهو جمال خلقي لكل الخصائص المذكورة؛ علم برفق، وإخلاص برفق، وهمة برفق.. فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه. الرفق إذا توافر في المربي طبع خصاله بجمال لا يوصف. ولقد تجسد الرفق في سيد المربين في أبهى حلة وأجمل صورة، فإذا رأى سلوكا من أصحابه ينقصه الرفق تدخل بسرعة لإنقاذ الموقف، فهذه عائشة -رضي الله عنها- ترد السلام على اليهود برد شديد حين سلموا على النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحيتهم المسمومة، فقالت عائشة: «وعليكم السام واللعنة». فقال المصطفى: «يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، قلت أولم تسمع ما قالوا؟! قال: قلت وعليكم»(2).

الخصيصة السادسة: الحب. وهي الخيط الذي تنتظم فيه هذه الخصائص لتعطي أكلها، وهي جسر التواصل بين المربي والمربى لتمرير هذه الخصال إليه، فإذا كانت عملية التربية تمر من دون حب، فهي جفاف، تجعل المربى بعيدا عنك؛ لأن أشعة حبك لم تصله فكيف يتعلق بك ذلك التعلق المطلوب؟ وكيف يصغي إلى إرشاداتك ونصائحك؟ هذا الحب الذي يتجلى في التفاني في العطاء من دون حدود في الرحمة والعطف والحنان.

لقد تجلى هذا الحب على أكمل وجه في شخص سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك حين دخل عليه أعرابي فوجده يقبل الحسن والحسين، فتعجب وقال: يا رسول الله، إن لي عشرة من الأبناء ما قبلت واحدا منهم. فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة”(3). وحين دخل أحد العمال على سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وجده يقبل أولاده، «قال له: أتفعل هذا بأبنائك؟ قال عمر: وأنت ماذا تفعل؟ قال: إذا دخلت سكت الناطق واختفى الظاهر. فقال له عمر: اذهب فأنت لا تصلح لولاية هذه الأمة»(4).

فيا أيها الأب المربي والأستاذ المربي، عليكما بهذه الخصلة التي تقرب البعيد، وتيسر الصعب، وتجعلهم يذوبون في صدرك وينقادون طائعين لشرع الله تعالى بهذا الحب الذي أرسلته إليهم، يقول الله تعالى عن جيل الصحابة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} (المائدة: 54). هذا الجيل الفريد تولى إنقاذ البشرية وتربيتها بسلاح الحب؛ فكانت النتيجة أن دخل في دين الله أقوام يتفانون في خدمة هذا الدين.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

ــــــــــــــــــــــ

1- رواه البخاري، كتاب البيوع، باب في العطار وبيع المسك، رقم الحديث 2101.

2 – رواه البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي ولم يصرح نحو قوله السام عليكم، رقم الحديث 6927.

3 – رواه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، رقم الحديث 5998.

4 – تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص138.

——–