هبة حلمي

لنقارن مواقف أبي بكر وانقياده التام مع ردود أفعالنا عند تلقِّي تعاليم الإسلام سؤال طالما راودني كلما قرأتُ عن أبي بكر الصديق ومناقبه وفضله، لماذا سبق غيرَه من الصحابة؟ ماذا فعل أبو بكر ليصل إلى هذا المنزلة؟!

حتى يذكره القرآن في أكثر من موضع؛ ففي سورة الليل يمدحه الله تعالى بالتقوى فيقول المولى عز وجل في حقِّه: ﴿ {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى } ﴾ [الليل: 17 -21].

وفي سورة التوبة خلَّد صحبته لنبي الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة؛ فيقول: ﴿ {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا } ﴾ [التوبة: 40].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي: " «((من رأَى منكُم رؤْيا؟))، فقال رجلٌ: أنا، رأيتُ كأنَّ ميزانًا نزلَ من السَّماءِ، فَوُزِنْتَ أنتَ وأبو بكرٍ فَرَجَحْتَ أنتَ بأبيِ بكرٍ، ووُزِنَ عُمَرُ وأبو بكرٍ فَرَجَحَ أبو بكرٍ، ووُزِنَ عُمَرُ وعُثْمانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الميزانُ، فَرأَيْنا الكراهيةَ في وجهِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» ".

ماذا فعل ليقول عنه عمر بن الخطاب: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر؟!"، لماذا كان يحبُّه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحب؟

ولماذا كان أول من يدخل الجنة من أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم؟!

وما أكثر الأحاديث في فضله على سائر الصحابة؛ بل أمة محمد كلها!

وما وجدت جوابًا شافيًا، فكلما بحثت كانت الإجابات كلها تدور حول القلب؛ قال بكر المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام، ولا صلاة؛ ولكن بشيء وقَرَ في صدره؛ وإن كان ذلك لا يعني أنه كان يعتمد على عمل القلب فقط؛ ولكن زادَ على عمل الجوارحِ شيءٌ وقَرَ في القلب؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ((من أصبح منكم صائمًا؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((من تصدَّق بصدقة؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((من شهد جنازة؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((من أطعم اليوم مسكينًا؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((من جمعهن في يوم واحد وجبت له - أو غفر له -))»؛[رواه مسلم] .

وحرَّك هذا السؤال في وجداني مرة أخرى كلامٌ قرأته كان فيه: "أبو بكر لم يُعذَّب كبِلال؛ ولكنه أفضل منه، ولم ينل الشهادة كعُمر؛ ولكنه أفضل منه، ولم يذق الفقر كأبي ذرٍّ؛ ولكنه أفضل منه، ولم يصرع الفرسان كخالد؛ ولكنه أفضل منه، ولم يُحرم بصره كابن أم مكتوم؛ ولكنه أفضل منه، أبو بكر درس بليغ مفاده: يستطيعُ الإنسان بقلبه أن يسبق الجميع!".

وبدأت أقرأ وأبحث عن أسباب تقوية الإيمان، وعلاج أمراض القلوب؛ ولكن لم أجد بغيتي حتى وجدت الإجابة في عبارات قرأتها، أدخلت كلماتها النور إلى عقلي؛ إنه حب الله ورسوله الذي سيطر على وجدانه، فلم يعد يفكر إلا في تنفيذ أوامر الله ورسوله من غير مناقشة ولا تفكير، وظلت كلماته الخالدة حين قال له كفَّار مكة: إن صاحبك يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس ثم عاد، ونحن نقطع أكباد الإبل شهرًا ذهابًا وشهرًا إيابًا! فأجاب إجابة بلا تفكير ولا تعجُّب وقال: إن كان قال، فقد صدق، إني أصدِّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدِّقه في خبر السماء، واستحقَّ بذلك الموقف لقب الصديق.

هذا الانصياع والتسليم والتصديق التام لكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم دون مناقشة أو استفسار كان سببَ سبْقِه.

لم يكن يفعل كما يفعل البعض من عرض الأمر على العقل أولًا ليناقش الفكرة أو الأمر، لم يتردَّد ولو مرة في تنفيذ أمر أمره به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يشعُر بثقل وهو يقوم به، وهذا ليس بالأمر الهيِّن على النفس؛ أن تكون حياتك كلها تبعًا ورضًا لكل ما جاء به الشرع وتلغي حظَّ نفسك منها.

وهذا الإيمان الراسخ هو الذي جعل عنده يقينًا فيما عند الله؛ يقول عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الذي رواه أبو داود: " «أَمَرَنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومًا أن نتصدَّق، فوافَق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسْبِق أبا بكر إن سبقتُه يومًا، فجِئْت بنصف مالي، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما أبقيتَ لأهلك؟))، فقلتُ: مثلَه، قال: وأتَى أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما أبقيتَ لأهلك؟))، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلتُ: لا أُسابقك إلى شيءٍ أبدًا» ".

لنأخذ أبا بكر وعمر نموذجًا حيًّا، فنجد أن أبا بكر يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيفهم القرآن، بينما عمر يأخذ القرآن بما يفهم من مشيئة الله، ثم يناقش محمدًا صلى الله عليه وسلم حتى يصل للفهم الصحيح.

شعر المسلمون أن شروط صلح الحديبية مجحفةٌ، ثم أثار حفيظتهم ردُّ النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل، وكتم الصحابة رضوان الله عليهم ما اعتلج في صدورهم من الغيظ، وتكلَّم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأفصح عما في نفسه، لما هو معروف عنه من الصلابة في الحق، وحب المراجعة فيما لم يستبن له فيه وجه الحق والصواب، فقام يحتج ويراجع النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: «ألست نبي الله حقًّا؟ قال: ((بلى))، قلت: ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال: ((بلى))، قلت: فلم نُعْطِ الدنية في ديننا؟ قال: ((إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري))، قلت: أو ليس كنت تحدثنا: أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: ((بلى، فأخبرتُك أنَّا نأتيه العام؟))، قال: قلت: لا، قال: ((فإنك آتيه ومطوف به))» .

فذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه، وسأله كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابه كما أجابه، روى ذلك الإمام مسلم رحمه الله، قال: "فانطلق عمر، فلم يصبر مُتغيِّظًا، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا بن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا". فكان أبو بكر نموذج الاقتداء، وكان عمر نموذج الاجتهاد.

ولما اختلف المختلفون في بعثة أسامة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتداد بعض العرب عن الإسلام، كان أمام أبي بكر خياران؛ إما أن يحتفظ بالجيش لحراسة المدينة من أجل حروب الردَّة، وإما أن يبعث به لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت، فقال بعض الصحابة: إن الحال قد تبدَّل، وأن المقام يؤذن بالمراجعة فيما أراد، فرفض أبو بكر رضي الله عنه أن يفك عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يراجع فيها أو أن يبدلها.

هذا ما سبق به أبو بكر، فهل نستطيع أن نبلغ هذه الدرجة من حبِّ الله ورسوله، فننقاد لأوامر الشرع كما فعل أبو بكر الصديق؟

لنقارن مواقف أبي بكر وانقياده التام مع ردود أفعالنا عند تلقِّي تعاليم الإسلام؛ كم من فتاة تسمع آيات الحجاب فتتجاهلها! وكم سمِعنا من ضجر وتأفُّف لبعض من ارتدينه كراهة له!

نسمع آيات الله تُتلى علينا فيها الحكم الصريح فنجادل!

ونجد من يقول: أنا غير مقتنع!

نُفتَى بالحكم الشرعي فلا يقع على هوانا فنتَّهِم المفتي بالتشدُّد! إذا أردنا أن نصل إلى منزلة أبي بكر، فعلينا مع العمل الصالح أن نعمل على إصلاح قلوبنا، وإذا لم نستطع فلا أقل من أن نحرص على حبِّه، لعل الله أن يرزقنا صحبته في الجنة، فالمرء مع من أحبَّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــ