يُعدُّ عهد الصِّدِّيق بداية العهد الرَّاشدي الذي تتجلَّى أهميته بصلته بالعهد النبويِّ، وقربه منه، حيث استطاع الخليفة الإسلامي الأول - أبو بكر الصِّدِّيق - في هذا العهد أن يحكم الدولة الإسلامية ويدير أمورها بمساندة أصحابه الذين لهم قدرة كبيرة في الشؤون الدينية، والعسكرية، والاقتصادية والإدارية.

وقد كان العهد الراشديُّ بشكل عام، والجانب القضائي بشكل خاص امتداداً للقضاء في العهد النبويِّ، مع المحافظة الكاملة والتامَّة على جميع ما ثبت في أيام النبي (ص) وتطبيقه بحذافيره، وتنفيذه بنصه، ومعناه، وتظهر أهمية العهد الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين:

   المحافظة على نصوص العهد النبويِّ في القضاء، والتقيُّد بما جاء فيه، والسَّير في ركابه، والاستمرار في الالتزام به.

   وضع التَّنظيمات القضائيّة الجديدة لترسيخ دعائم الدولة الإسلامية الواسعة، ومواجهة المستجدَّات المتنوِّعة.

لقد كان الصِّدِّيق أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء، ولم تُفصل ولاية القضاء عن الولاية العامَّة في عهده، ولم يكن للقضاء ولايةٌ خاصَّة مستقلةٌ، كما كان الأمر في عهد رسول الله (ص)؛ إذ كان الناس على مقربةٍ من النبوَّة، يأخذون أنفسهم بهدي الإسلام، وتقوم حياتهم على شريعته، وقلَّما توجد بينهم خصومةٌ تذكر، ففي المدينة عهد أبو بكر إلى عمر بالقضاء، ليستعين به في بعض الأقضية، ولكن هذا لم يعط لعمر صفة الاستقلال بالقضاء، وأقرَّ أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ معظم القضاة، والولاة الذين عيَّنهم رسول الله (ص)، واستمرُّوا على ممارسة القضاء، والولاية، أو أحدهما في عهده.

فكان أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ إذا ورد عليه حكمٌ؛ نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به؛ قضى، فإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنَّة رسول الله (ص)، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك؛ سأل الناس: هل علمتم: أنَّ رسول الله (ص) قضى فيه بقضاءٍ، فربَّما قام إليه القوم، فيقولون: قضى فيه بكذا، أو بكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله (ص)، ويقول عندئذٍ: الحمد الله الذي جعل فينا مَنْ يحفظ عن نبيِّنا، وإن أعياه ذلك؛ دعا رؤوس المسلمين، وعلماءهم، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به، ويظهر: أنَّ الصديق يرى الشورى ملزمةً إذا اجتمع رأي أهل الشورى على أمر، إذ لا يجوز للإمام مخالفتُهم.

وهذا ما حكي عنه في القضاء، فإنَّه كان إذا اجتمع رأي المستشارين على الأمر؛ قضى به، وهذا ما أمر به عمرو بن العاص عندما أرسل إليه خالد بن الوليد مدداً، حيث قال له: شاورهم، ولا تخالفهم.

وكان الصديق رضي الله عنه يتثبَّت في قبول الأخبار، فعن قبيصة بن ذؤيب: أنَّ الجدَّة جاءت إلى أبي بكرٍ تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله تعالى شيئاً، وما علمت: أنَّ رسول الله (ص) ذكر لك شيئاً، ثمَّ سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله (ص) يعطيها السُّدس، فقال أبو بكرٍ: هل معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ.

وكان يرى أنَّ القاضي لا يحكم بعلمه الشخصي، إلا إذا كان معه شاهدٌ آخر يعزِّز هذا العلم، فقد روي عن أبي بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: لو رأيت رجلاً على حدٍّ، لم أعاقبه حتى تقوم البيِّنة عليه، أو يكون معي شاهدٌ آخر.

- وهذه بعض الأحكام القضائية التي صدرت في عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه:

   قضية قصاص:

قال عليُّ بن ماجدة السَّهميُّ: قاتلت رجلاً، فقطعت بعض أذنه، فقدم أبو بكرٍ حاجَّاً، فرُفع شأنُنا إليه، فقال لعمر: انظر هل بلغ أن يقتصَّ منه، قال: نعم، عليَّ بالحجَّام، فلمّا ذكر الحجام، قال أبو بكرٍ: سمعت رسول الله (ص) يقول: « إنِّي وهبت لخالتي غُلاماً، أرجو أن يبارك لها فيه، وإنِّي نهيتُها أن تجعله حجَّاماً، أو قصَّاباً، أو صانعاً».

   نفقة الوالد على الولد:

عن قيس بن حازمٍ قال: حضرت أبا بكرٍ الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ فقال له رجل: يا خليفة رسول الله! هذا يريد أن يأخذ مالي كلَّه، ويجتاحه، فقال أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ: إنَّما لك من ماله ما يكفيك، فقال: يا خليفة رسول الله (ص)! أليس قال رسول الله (ص): «أنت ومالك لأبيك؟» فقال أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ: ارض بما رضي الله به. ورواه غيره عن المنذر بن زياد، وقال فيه: إنَّما يعني بذلك النَّفقة.

   الدِّفاع المشروع:

عن أبي مليكة عن جدِّه: أنَّ رجلاً عضَّ يد رجلٍ فأنْدَرَ ثنيته (قلع سنه) فأهدرها أبو بكرٍ.

   الحكم بالجلد:

روى الإمام مالكٌ عن نافعٍ: أن صفيَّة بنت أبي عبيد أخبرته: أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق أُتِيَ برجلٍ قد وقع على جاريةٍ بكرٍ، فأحبلها، ثمَّ اعترف على نفسه بالزِّنى، ولم يكن أحصن، فأمر به أبو بكرٍ، فجلد الحدَّ، ثم نُفي إلى فدك، وفي رواية: بأنَّه لم يجلد الجارية، ولم ينفها، لأنَّها استكرهت، ثمَّ زوَّجها إيّاه أبو بكرٍ، وأدخله عليها.

   الحضانة للأم ما لم تتزوَّج:

طلَّق عمر بن الخطاب امرأته الأنصاريَّة ـ أم ابنه عاصم ـ فلقيها تحمله بِمُحَسِّر، ولقيه قد فُطم، ومشى، فأخذ بيديه لينتزعه منها، ونازعها إيّاه حتى أوجع الغلام، وبكى، وقال: أنا أحقُّ بابني منك . فاختصها إلى أبي بكرٍ، فقضى لها به، وقال: ريحها، وحِجرُها، وفرشها خيرٌ له منك حتى يشبَّ، ويختار لنفسه. وفي روايةٍ: هي أعطف، وألطف، وأرحم، وأحنُّ، وأرأف، وهي أحقُّ بولدها ما لم تتزوَّج.

هذا وقد تميَّز القضاء في عهد الصِّدِّيق بعدَّة أمورٍ منها:

   كان القضاء في عهد الصِّدِّيق امتداداً لصورة القضاء في العهد النبويِّ، بالالتزام به، والتأسيس بمنهجه، وانتشار التربية الدِّينيَّة، والارتباط بالإيمان والعقيدة، والاعتماد على الوازع الدِّيني، والبساطة في سير الدَّعوى، واختصار الإجراءات القضائية، وقلة الدَّعاوى والخصومات.

   أصبحت الأحكام القضائيَّة في عصر الصِّدِّيق موئل الباحثين، ومحطَّ الأنظار للفقهاء، وصارت الأحكام القضائيَّة مصدراً للأحكام الشرعيَّة، والاجتهادات القضائيَّة، والآراء الفقهيَّة في مختلف العصور.

   مارس الصِّدِّيق، وبعض ولاته النَّظر في المنازعات، وتولَّى القضاء بجانب الولاية.

   ساهمت فترة الصِّدِّيق في ظهور مصادر جديدة للقضاء في العهد الراشدي، وصارت مصادر الأحكام القضائيّة هي: القرآن الكريم، والسُّنَّة الشريفة، والإجماع، والقياس، والسَّوابق القضائيَّة، والرأي الاجتهاديُّ مع المشورة.

   كانت آداب القضاء مرعيَّةً في حماية الضَّعيف، ونصرة المظلوم، والمساواة بين الخصوم، وإقامة الحقِّ، والشَّرع على جميع الناس، ولو كان الحكم على الخليفة، أو الأمير، أو الوالي، وكان القاضي في الغالب يتولَّى تنفيذ الأحكام؛ إن لم ينفذها الأطراف طوعاً، واختياراً، وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فوراً.

ومن هنا، نُدرك أن القضاء في عهد الصديق كان إحدى دعامات دولة الحضارة الإسلامية، التي رسَّخت مبدأ العدل الإلهي بين البشر في تعاملاتهم، وكانت أساساً لبقية الحضارات التي استلهمت المبادئ السامية للحكم الإسلامي في التشريع القضائي، فلا خوف من هذه الحضارة إذ إنها لا تفرق بين المتخاصمين على أساس الجنس أو اللون أو الدين، ولا شك أن هذا الأمر ليقطع لدينا أي شكٍّ، ويدحض لدينا كل شُبهة قيلت أو تُقال في حق هذه الحضارة العريقة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

د. علي محمّد محمَّد الصَّلاَّبي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبو بكر الصديق، شخصيته وعصره، دار ابن كثير، دمشق، ص. ص (146 : 149).

شمس الدين الذهبي، تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1998م، (1/2).

د. صبحي محمصاني، تراث الخلفاء الرَّاشدين في الفقه الإِسلامي، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1984م، ص186.

عبد الرزاق الصنعاني، المصنَّف، المجلس العلمي- الهند، المكتب الإسلامي- بيروت، ط2، 1403، رقم (12796)، رقم (12601)، رقم (12600).

مالك بن أنس، الموطَّأ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1406 ه/ 1985م، رقم (848).

د. محمَّد الزُّحيلي، تاريخ القضاء في الإِسلام، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، ط1، 1415ه/ 1995م، ص 83 - 84 - 134- 137 - 157-158.

د. محمد رواس قلعجي، موسوعة فقه أبي بكرٍ الصِّدِّيق، دار النَّفائس، ط2، 1415ه/ 1994م، ص 155- 156.

وقائع ندوة النُّظم الإِسلاميَّة، أبو ظبي، 1405ه/ 1984م، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض،1987م، 1/366 - 390.