يوسف القرضاوي

الحق أن فقه الأحكام الفرعية العملية المتعلقة بظاهر الحياة الدنيا ومعايش الناس، قد شغل من حياتنا وفكرنا وجهدنا حيزا كبيرا، خواصنا وعوامنا، ولهذا الفقه أنشئت المجامع المحلية والعالمية، وعقدت الندوات والمؤتمرات المتخصصة، وأنشئت الكليات والأقسام، وألفت الكتب ما بين مبسوط ووسيط ووجيز.

هذا بالنسبة للخواص، وبالنسبة للعوام، قد شغلوا أنفسهم وشغلهم علماؤهم بالجزئيات والتفصيلات، بل التعقيدات، حتى غدا باب الطهارة يدرس للجمهور خلال شهر رمضان كله، ثم لا ينتهون منه.

هذا.. وقد كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم من باديته، فلا يمكث إلا يوما أو أياما، ثم يعود إلى قومه، وقد فقه دينه، بالرؤية والمشاهدة: "صلوا كما رأيتموني أصلي".

ليس معنى هذا أن نهمل فقه الأحكام الظاهرة، بل هو مطلوب وواجب، ولكن التوازن مطلوب وواجب أيضا: التوازن بين الظاهر والباطن، أو بين أعمال الجوارح وأعمال القلوب.

لقد جعل الإمام الغزالي "الفقه" القائم على مراعاة الظاهر وحده، من "علوم الدنيا" لا من علوم الآخرة! حتى إنه عاب على أهل الفقه في زمنه تركهم بعض فروض الكفاية المهمة للأمة، وأكبوا على الفقه لما وراءه من مناصب القضاء والإفتاء وغيرها، على حين لا يوجد طبيب في البلدة إلا من أهل الذمة!

لذا كان لابد أن نعيد لـ "فقه القلوب" مكانه ومكانته، ونعطيه حقه من الاهتمام العلمي والعملي، وأن نوجه عناية الخاصة والعامة إلى "فقه السلوك"، سلوك طريق الله، وطريق الآخرة، فلا نجاة إلا به، ولا صلاح بغيره، بل لا حياة بدونه، ولا وصول إلى الله بسواه.

إنها التجارة الرابحة التي غفل عنها أكثر الخلق: التعامل فيها مع رب العالمين، ورأس المال لها هو العمر، والبضاعة هي الطاعة، والربح هو المغفرة والجنة في الآخرة، والحياة الطيبة في الدنيا: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (فاطر:29-30) ، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(النحل:97).

فمن ضيع هذه التجارة، فقد ضيع نفسه، وخسر كل رأس ماله، وفاته خير الآخرة والأولى.

وليس له منها نصيب ولا سهم     على نفسه فليبك من ضاع عمره!

وصدق الله إذا يقول: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}(الزمر:15).

وخسارة رأس المال هنا لا عوض لها، إذ لا عمر بعد العمر، ولا تأخير إذا جاء الأجل: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المنافقون:11).

أسأله تعالى أن يجعل هذه الدراسات قبسا من العلم النافع، وعونا على العمل الصالح، ونورا يضئ الطريق، ويجعلها لي لونا من المجاهدة فيه، ولا يحرمني من الهداية التي وعدها بقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحسِنِينَ} (العنكبوت:69).

"اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عمل لا يرفع، ومن دعوة لا يستجاب لها".

اللهم اجعلنا من عبادك الذين يتعلمون فيعلمون، ويعلمون فيعملون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيثبتون، ويثبتون فيقبلون.

{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ، رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}(آل عمران:8-9).

ـــــــــــــــــــــــــــ