بين رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم معايير وموازين لإيماننا وإسلامنا حتى يكون هذا الإيمان والإسلام محققين لما يريده الله سبحانه وتعالى من الإنسان المؤمن بأن يكون صالحاً ومصلحاً وأن يكون نافعاً غير ضار وأن يكون خيراً لا شريرا .

من أهم هذه الموازين الأساسية والتي بينها القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم والتي ذكرها الإمام البخاري ومسلم وبقية الأئمة رحمهم الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ، هذا هو المعيار الجامع الشامل ومن لا يتوافر فيه هذا الميزان فيكون هناك خللاً في إسلامه وفي إيمانه ، وأكد هذا الميزان حديث آخر أيضاً بسند ثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ) ، فنحن مطالبون بأن يكون هذا الإيمان الذي نؤمن بالله سبحانه وتعالى وبما أمره بأن يكون هذا الإيمان مفعلاً وفاعلاً ومحركاً ومؤثراً ، وأن يكون كما أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون نوراً ، والنور له ضياء ، وإذا لم يكن له ضياء لا يسمى نوراً ، لو وضعنا مصباحاً دون نور لا يسمى هذا المصباح نوراً ، ولا قيمة لهذا المصباح بدون نور .

وهكذا العقيدة والشعائر وكل ما أمر الله ، لا بد أن تشمل القلب فيستقيم قلب الإنسان داخله ثم يظهر آثاره على لسانه وجوارحه من خلال أمور مهمة جداً نتحدث عن جانب واحد منها اليوم ، وهو ما يتعلق بلسان الإنسان وآفاته وما الذي يريده الإسلام من الإنسان حول اللسان ، الإسلام يريد للإنسان المسلم أن يكون لسانه دائماً في علاقته بالله أن يكون رطباً بذكر الله سبحانه وتعالى وهذا ما جاء إليه صحابي كما ورد في حديث ثابت فطلب النصح من الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم نصحه بما ينفعه وبما يحققه وما يشفي عليله وما يعالج مرضه فقال ونظر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ) ، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك أن يمنع هذا الشخص ومن خلاله كل مسلم من أن ينشغل الإنسان بغير ذكر الله إلا لما له فائدة ، ثم وضع الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر صحيح ميزاناً آخراً ومعياراً آخراً ، وقاعدة أخرى وهي قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) ، إذا عندك ثلاث حالات : حالة ذكر الله سينشغل قلبك بهذه الحالة دائماً بقدر الإمكان ، ثم حالة كلام الخير للناس وما يحقق الخير للدنيا والآخرة ، لا مانع من ذلك للنصح والإرشاد والوعظ والكلام العادي وغير ذلك ، ثم بعد ذلك إذا ما وجدت فاصمت ولا تتجه إلى الحالة الثالثة وهي أن تقول شراً وغيبة وكذباً ونميمة يترتب عليه ضرراً على نفسك والآخرين ، (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) .

هذه هي الموازين إخوتي الأحبة التي يجب أن تطبق وإلا من دونها تكون عقيدتنا وعباداتنا وشعائرنا التي نؤديها تكون مجرد عادة نؤديها أو أننا مجرد صور نطبقها ومجرد أجساد دون أن يكون فيها أرواح ، متى تكون للأمور روحها حينما تكون فيها القوة الفاعلة ، حينما يكون فيها النور والتأثير ، وهذا التأثير يجب لكل شيء حقيقة وهذه قاعدة أساسية مستنبطة من الكتاب والسنة وليس حديثاً ، فهو حديث ضعيف ولكن معناه مأخوذ من الكتاب والسنة ، لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ، فما حقيقة إخوتك ، فما حقيقة صداقتك وإسلامك وصلاتك ، كلها حقائق يجب أن تظهر آثارها على سلوكياتنا وتصرفاتنا وأخلاقنا وإلا فيكون هناك ازدواجية شخصية جدا بين الإنسان المسلم حينما يؤدي العبادات أو حينما يكون في المسجد وشخصية أخرى ازدواجية حينما يكون خارج المسجد أو حينما يكون داخل أسرته ، وهذه الازدواجية غير مقبولة في الإسلام ولا مقبولة في نظر العقل ، لذلك نحن دائماً ننتقد الغربيين والشرقيين في أن المعايير مزدوجة ، يتعاملون معنا بشكل ويتعاملون مع أنفسهم بشكل آخر ، الإسلام هو دين المبدأ ، وهؤلاء حقيقة ربوا أنفسهم على الحفاظ على مصالح وطنهم ، هم مواطنون في نظرهم وتربيتهم تتجه نحو المواطنة الصالحة ، الإسلام تتجه تربيته إلى الإنسان الصالح ، إلى المؤمن الصالح ، فبالتالي يكون مواطناً وغير مواطن ، لا فرق بينهما في الالتزام بأوامر الله ، ولا يجوز أنني في وطني ألتزم بالقوانين ، وحينما أخرج لا ألتزم بها .

كذلك هذه الشريعة تربية عظيمة جداً ، فلذلك من أهم الأمور إخوتي الأحبة أننا نحاول بكل الوسائل أن نصل هذه الدرجة .

قلبنا مربوط بالله سبحانه وتعالى لا يغفل عن الله قيد شعرة ولا أقل من ثانية ، وقلبنا يكون مع الله ، لساننا بقدر الإمكان رطباً بذكر الله ثم بكلام الخير للدنيا والآخرة ، ويبتعد عن الشر وعن الكذب وعن الشرور والسيئات  ، لأن الله في كتابه العزيز يقول : (( وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) ، كل ما نقوله إخوتي الأحبة وما نتلفظ به يسجل هنا وهنا ( وأشار الشيخ إلى كتفيه) ، تسجيل كامل تماماً ربما كنا في السابق نستصعبه ، اليوم الوسائل الحديثة أظهرت من خلال وسائل التنصت وغير ذلك جعلت هذه القضية بسيطة جدا خاصة أما الخالق إذا كان المخلوق يستطيع أن يفعل ما يفعل وأن يجعل في حبة واحدة مثل حبة العدس أو أكبر من ذلك ، ملايين من الجيجاوات ، فما بالك برب العالمين ، هؤلاء وظيفتهم أن يسجلوا ، وهذا لا يعني أن الأفعال لا تسجل ، الأفعال تسجل بوسيلة أخرى ، فهؤلاء الملائكة كل واحد منهم لديه وظيفة خاصة به ، كل شيء يسجل على هذا الإنسان ما يقوله في الخير والشر ومن ذكر الله سبحانه وتعالى ، فإذا وصل الإنسان إلى هذا قلبه مستقيم ولسانه يكون رطباً بذكر الله ومن ذكر الله ، كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم أدق من كلمتي ، قال من ذكر ، يعني ليس بالضرورة أن تقول سبحان الله ، ولكن تقول الخير ، تنصح أو تدرب أو تعمل شيئاً في الدنيا والآخرة ، من ذكر الله ، من للتبعيض ، فنحن لساننا مشغول في بعض الأوقات بذكر الله ، فهو مشغول بالخير ، فهو لا يتجاوز الخير إلى الشر حتى ولا يتجاوز إلى الكلام العادي ، الكلام الذي قد يترتب عليه شيء ويسمى لغواً ، الذين يستحقون بفضل الله الفردوس الأعلى ، وليس الجنة العادية ، هؤلاء إذا أردتم أن تعرفوا الصفة الثانية لهم ، في سورة المؤمنون (( والذين هم عن اللغو معرضون )) ، أي شيء لا فائدة فيه فهو لغو ، ليس بالضرورة أن يكون الإنسان آثماً فيه أو محرماً ، لكن الإنسان الذي يريد أن يرث الجنة الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين ، ومع حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ليس الأمر سهلاً له صفة عالية وصفات أخرى ، ونحن نجد في سورة المعارج لمن يدخل الجنة وينجو من النار لهم مواصفات ، وفي سورة الذاريات مواصفات الجنات والعيون مواصفات أعلى ، وفي سورة المؤمنون المواصفات أعلى بكثير ، منها في الصلاة الخشوع وليس أداء الصلاة فقط ، وليس الحفاظ على الصلوات في الجماعة فقط ، خشوع ونسيان كل شيء عندما تصلي وعند الكلام ، (( والذين هم عن اللغو معرضون )) ، أي إما ذكر الله أو قول الخير للدنيا أو الآخرة ، فلذلك إخوتي الأحبة علينا أن نكون حريصين على تحقيق هذه الموازين التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم ، كلكم والله لا أشك في ذلك وكلنا يطمع أن ننال رضا الله سبحانه وتعالى وكلكم تريدون أن تكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، لا شك في ذلك وكل المسلمين يريدون أن يتشرفوا بشربة من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا شك في ذلك ، وكلنا نتمنى أن نحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، هذا لا شك ، ولكن هذه أمنيات ما هي الطرق والوسائل ، بينها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبينها القرآن الكريم كما قلنا درجات فما دمنا نريد ذلك فلماذا لا نعمل ولماذا لا نمنع هذا اللسان من الشرور ولماذا لا نطهر مجالسنا من الغيبة والنميمة ، سيدنا معاذ رضي الله عنه ، وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أعلم الصحابة بالحلال والحرام ، لأنه كان يصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأله وكان لا يزال شاباً ، وحتى أنه يركب مع النبي صلى الله عليه وسلم على دابة واحدة ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعده حتى يكون فقيه الأمة فلذلك مرة كان معه ونصحه نصائح عظيمة جداً ثم بالأخير ختم الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا أدلك بملاك ذلك كله ) يعني كل ما قلناه في قضية الجنة والنار والجهاد وأمور أخرى غيرها ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ رضي الله عنه في هذه الرحلة  ، ألا أدلك بملاك ذلك كله يعني ما يملك كل ذلك ، المعيار والميزان الذي يضبط كل ذلك ، قال بلى يا رسول الله ، فأخذ الرسول بلسانه المبارك وذلك من باب التعليم ، وهذا تعليم بالصور والمشاهدة حتى لا ينسى سيدنا معاذ رضي الله عنه فقال : ( كف عليك هذا ) مشيراً إلى لسانه ، يعني إذا كنت تريد أن تنجو فعليك بهذا ، وسيدنا معاذ وهو صحابي جليل فقيه استغرب من هذه الشدة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم والاهتمام الكبير ، فقال : يا رسول الله أإنا لمؤاخذون على ما تتلفظ به ألسنتنا ، في الرواية ألفاظ مختلفة ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ثكلتك أمك ) ، هذه كلمة يقولها العرب عندما الشخص لا يكون في المستوى المطلوب ، يعني تموت وأمك تكون ثكلى بك ، ولم يكن يقصد الدعاء عليه ، لكن كلمة دليل على الشدة ، ( وهل يكب الناس على وجوههم - وفي رواية على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم ) ، فتجد أحدهم جالساً في مجلسه ويتكلم عن هذا وذاك بسوء حتى يكذب وينقل الكلام دون التأكد من صحته وكله بدون فائدة بل يأثم عليها .

الله سبحانه وتعالى أعطاك السمع ليس لك السمع فقط ، أنت لست ببغاء عندك العقل والإيمان والإسلام ، هل هذا الكلام معقول مناسب أم غير مناسب ؟ ، وفي مرات كثيرة الإنسان يتكلم بكلمة لا يلقي بها بالاً ، يبعده الله ستين خريفاً وفي بعض الروايات سبعين سنة ، كلمة تؤدي إلى فتنة وإغضاب الآخر والإيذاء بالوصف المباشر للشخص ، فما الذي يستفيده من هذا الإيذاء ؟

لذلك إخوتي الأحبة فليكن هذا المعيار دائماً أمامنا :

وهو المعيار "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ،

والمعيار الثاني "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" ،

والمعيار الثالث وهو مهم جداً لا بد أن نعلم ، "لن يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه ولن يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" ،

والمعيار الرابع أن يكون لساننا رطباً من ذكر الله وأن نقول الخير لما فيه خير دنيانا وأخرانا ، لأن ألسنتنا ستشهد علينا بدون رحمة يوم القيامة ، (( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون )) ، أول شيء يشهد لك لسانك ثم الأيدي ثم الأرجل ثم الجلود ، كل ما عندك يشهدون عليك فلماذا لا تجعلهم يشهدون لك لا عليك ؟

وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم  أن يجعلنا وإياكم وكل المسلمين ممن تتوافق وتنطبق عليهم هذه الموازين الأربعة .

إخوتي الكرام كل ما يحدث حقيقة بين المسلمين من مشاكل ، بين الأفراد داخل الأسرة الواحدة ، بين الأشقاء وبين الأخوات وبين الأقارب وبين العشائر والأفخاذ والأمم والحكومات الإسلامية ، مصدرها الكبير اللسان ، وهناك أعداء أخر ولكن بالأخير اللسان ، الكلمات ، الزور ، البهتان ، وكل واحد آفات اللسان كبيرة كما يقول علماؤنا من أخطرها الكذب والبهتان والنميمة والغيبة وهي حوالي عشرين آفة ، هذه الآفات انتشرت بيننا ولا نستفيد منها وإنما مشغولون بعضنا ببعض ، وأمتنا تضعف يوماً بعد يوم بكل الوسائل حقيقة لأننا لا نأخذ بهذه الموازين والمعايير فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح حال أمتنا الإسلامية في كل المجالات ، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين .

اللهم أصلح أحوالنا ..

ــــــــــــــــــ