أشرف دوابه

تمثل المشكلة الاقتصادية أساس ومبنى علم الاقتصاد الوضعي، وقد عكس ذلك الاقتصادي البريطاني الشهير “ليونيل روبنز” (Lionel Robbins) -الذي ينتمي للمدرسة التقليدية- في تعريفه لعلم الاقتصاد بأنه: “دراسة السلوك الإنساني كحلقة اتصال بين الأهداف والحاجات المتعددة، وبين الوسائل النادرة ذات الاستعمالات المختلفة”.

فالمشكلة الاقتصادية في أي مجتمع من المجتمعات تتمثل في عدم القدرة على إشباع جميع الاحتياجات البشرية، ويرجع هذا أساساً إلى الندرة النسبية للموارد الاقتصادية، فلو توافرت الموارد الاقتصادية دائماً وبالقدر المطلوب لإشباع الاحتياجات البشرية إشباعاً تاماً لزالت المشكلة الاقتصادية تماماً.

تمثل الموارد الاقتصادية عناصر الإنتاج التي يمكن أن تسهم في العملية الإنتاجية، وتضم الموارد الطبيعية والموارد البشرية والموارد المصنعة أو رأس المال، بينما تمثل الحاجة شعوراً بالحرمان يلح على صاحبه، وهي المحرك الرئيس للطلب على السلع، ويقصد بالسلع هنا السلع الاقتصادية التي لها ثمن فهي السلع النافعة والموجودة بشكل نادر، ولا يمكن الحصول عليها مجاناً، بل يحتاج الحصول عليها إلى تكاليف، وهذا بعكس السلع الحرة التي تمثل الأشياء النافعة الموجودة في الطبيعة بشكل غير محدود، حيث إن استخدامها لا تترتب عليه أي تكاليف (مثل الماء والهواء وأشعة الشمس)، فهذا النوع من السلع يكون خارج نطاق علم الاقتصاد.

ويجعل الفكر الاقتصادي الغربي من ندرة الموارد وتعدّد وتجدد الحاجات أساس المشكلة الاقتصادية، ومن ثم يحاول استخدام النظريات والقواعد الاقتصادية المختلفة لإشباع أكبر قدر ممكن من الحاجات والرغبات الإنسانية عبر استخدام الموارد الاقتصادية المتوافرة التي يصف وجودها بالندرة النسبية.

وهذه الرؤية الغربية للمشكلة الاقتصادية صاغها مفكرو الغرب وفق رؤيتهم الاقتصادية الرأسمالية المنبثقة عن وجهة نظرهم وقاعدتهم الأساسية في التفكير، وقد تبعهم في ذلك واقتدى بهم فيه جلّ من كتب في الاقتصاد من المسلمين، دون النظر العقلي والشرعي لتلك المشكلة.

وتتعدد النظرة للمشكلة الاقتصادية ما بين مؤيد لوجودها، ومعارض، وفي الوقت نفسه يختلف المؤيدون في تفسيرها.

وتطرح المشكلة الاقتصادية ثلاثة أسئلة أمام كل مجتمع، والإجابة عنها تكون في مجموعها الأركان الرئيسة لحل المشكلة الاقتصادية وتقاس كفاءة أي نظام اقتصادي وفاعليته بمدى صحة إجابته عن هذه الأسئلة، وهي: ماذا ننتج من السلع والخدمات كماً وكيفاً؟ وكيف ننتج تلك السلع والخدمات؟ ولمن ننتج تلك السلع والخدمات؛ أي ما معايير توزيعها في المجتمع؟

وتختلف النظرة للمشكلة الاقتصادية من وجود موارد محدودة نسبياً في مواجهة حاجات متعددة ومتزايدة وفقاً للمذهب الاقتصادي السائد، فالنظام الرأسمالي ينظر للندرة النسبية في الموارد أو بما سماه «شح الطبيعة» على أنه جوهر المشكلة الاقتصادية، وصور الإنسان على أنه في صراع مع الطبيعة من أجل البقاء.

وفي هذا الاتجاه، ظهرت في القرن الثامن عشر نظرية الاقتصادي الإنجليزي الشهير «مالتوس» في السكان، التي ادعى فيها أن العالم لا بد أن يشهد كل ربع قرن ما يشبه المجاعة، وذلك نتيجة ميل سكانه للزيادة وفق متوالية هندسية، بينما يميل الغذاء إلى الزيادة بحسب متوالية عددية، ومن ثم فإن وجود فجوة بين السكان والموارد الغذائية أمر لا مفر منه، وازدياد هذه الفجوة اتساعاً بمرور الزمن أمر لا فكاك عنه.

وقد توصل «مالتوس» لحل ينافي الفطرة الإنسانية للمشكلة الاقتصادية من خلال مطالبته بالعزوف عن الزواج أو تأجيله بهدف الحد من الزيادة السكانية، وإلا فإن الطبيعة ستحصد الرؤوس الزائدة من خلال الأمراض والأوبئة نتيجة سوء التغذية، أو بالحروب نتيجة للتصارع على الموارد الغذائية.

أما النظام الاشتراكي فاعتبر جوهر المشكلة الاقتصادية في التناقض بين شكل الإنتاج الجماعي وعلاقات التوزيع الفردية، فـ»ماركس» يرى أن النظام الرأسمالي يتعرض للمشكلات الاقتصادية نتيجة للشكل الجماعي للإنتاج، حيث إن الجميع يعملون وينتجون بينما علاقات التوزيع فردية، حيث إن الذي يتولى التوزيع جهاز الثمن، أو بعبارة أخرى أصحاب الملكيات الخاصة من ملاك الثروات وأرباب الأعمال، وبالتالي فإن العمال لا يأخذون نصيبهم الحقيقي من الإنتاج، بل يحصلون فقط على حد الكفاف، ويأخذ الرأسماليون فائض القيمة.

واتخذت الاشتراكية أيضاً حلاً للمشكلة الاقتصادية ينافي الفطرة الإنسانية، من خلال تحويل نظام التوزيع إلى نظام جماعي، وذلك بإلغاء الملكية الخاصة من خلال التأميم وإحلال الملكية العامة محل الملكية الخاصة، ومن ثم إحلال الدولة إحلالاً تاماً وكاملاً محل جهاز الثمن.

والمنهج الاقتصادي الإسلامي يرفض هذا وذاك، فالموارد سخّرها الله تعالى بقدر البشر كماً وكيفاً، وجعل الملكية الخاصة ملكية نظيفة وحقاً مشروعاً ينمو في حضن القيم الإيمانية، والمشكلة الاقتصادية مرجعها إلى سلوك البشر وبُعدهم عن تنفيذ أوامر الله، وتجنب ما نهى عنه سواء بدعوته لعباده بالسعي في الأرض واكتشاف ما بها من موارد أو تهذيب الحاجات بالقيم الإسلامية وتحقيق العدالة في التوزيع.

إن الله عز وجل خلق من الموارد ما يكفي بني آدم، وحثهم على استغلال الموارد أفضل استغلال، فهي في المقام الأول أمانة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في الماء ولو كان الإنسان على نهر جار، فقد روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَف؟»، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جارٍ» (رواه ابن ماجه).

والمشكلة الاقتصادية بما تعكسه من ندرة الموارد بالنسبة للاحتياجات البشرية هي واقع لا يمكن إنكاره، ولكنها لم تحدث بشح الطبيعة، بل ترجع لسلوك بني آدم، نتيجة لما اتسم به هذا السلوك من الجور والأثرة والأنانية والجشع وبطران النعمة.

فالإنسان هو الذي يقوم بالحروب التي تحصد آلاف البشر وتدمر الموارد تدميراً، والإنسان هو الذي يلوث البيئة من حوله ويفسد المناخ والموارد، والإنسان هو الذي يستعمر البلاد ويقطع أوصالها إرباً ويستغل مواردها استغلالاً سيئاً، والإنسان هو الذي يأكل المال بالباطل من خلال الربا والمقامرة والغش والتدليس والخديعة والغرر والنجش والاحتكار ويبني مملكته من المال الحرام على أجساد ودماء المحتاجين والعوام، والإنسان هو الذي يوقع نفسه في شراك الأزمات الاقتصادية ببنائه هرماً مقلوباً من الديون على حساب ما يمتلكه من أصول، والإنسان هو الذي يبطر بنعمة الله حتى وصل ببعض الدول إلى منع الإنتاج أو تدمير الفائض حفاظاً على السعر، في حين أكثر من مليار في العالم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، والإنسان هو الذي يبخل بحق الله في المال من زكاة وصدقات فيحول بين حق الله في المال ومستحقيه، ويحول كذلك دون إعادة توزيع الدخول.

والإنسان هو الذي يركن للكسل والخمول ولا يمشي في مناكب الأرض ليستخرج خيرها ونيل رزقها، ثم يأتي بعد ذلك من يدعي شح الطبيعة! صدق الله وكذب هؤلاء، حقاً: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤﴾ (إبراهيم).

ـــــــــــ