1-معنى الإخلاص

الإخلاص منجاة للعبد

تصفية الأقوال والأعمال مما يشوبها من الشرك والرياء، والمباهاة، والسمعة. وقيل: أن لاتطلب لعملك شاهداً غير الله تعالى. وقال الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجلهم شرك، والإخلاص: الخلاص من هذين، أو يعافيك الله منهما. وفى الحديث: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة (أى رائحتها) يوم القيامة) .

فالخلاصة : الإخلاص أن تبتغى بعملك وجه الله تعالى، سواءً كنت رئيساً أو مرؤساً، فى المقدمة أو المؤخرة، فى السر أو العلانية، وفى الحديث: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معى فيه غيرى تركته وشركه) .

2-أهمية الإخلاص

1-هو من أهم أعمال القلوب : وأعظمها قدراً عند الله تعالى، وهو موضع نظر الله من العبد، وفى الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) .

والإخلاص: هو حقيقة الدين الإسلامى، وجوهر رسالة الإسلام، والله تعالى يقول: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) ويقول: (فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص) وفى الحديث: ( من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)

2-هو أحد شرطى قبول العمل من الله تعالى: والشرطان هما:

أ-أن يكون العمل خالصاً يبتغى به وجه الله وحده.

ب- وأن يكون العمل صواباً على سنة النبى صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعباده أحداً) وكان سلفنا الصالح يبدأون مصنفاتهم بحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل إمرئ ما نوى) . وهذا إشارة إلى أهمية الإخلاص فى طلب العلم وتعليمه، وأنه يجب أن يبتغى به وجه الله تعالى، حتى يكون مقبولاً عنده.

3-الإخلاص يعظم العمل الصغير عند الله فى الأجر والثواب: قال عبد الله بن المبارك-رضى الله عنه-: (رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية). فالإخلاص فى العمل هو الذى يضاعف الأجر والثواب عند الله تعالى على القليل.

4-الإخلاص يحمى العبد من نزغات الشيطان: فلقد أقسم الشيطان على غواية أبناء آدم كلهم حتى يوم القيامة، ماعدا المخلصين منهم، كما حكى القرآن الكريم: (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين).

3-من مظاهر الإخلاص

1-ابتغاء الأجر من الله تعالى وحده: فلا يبحث عن شهرة، ولا مكانة اجتماعية، ولا زعامة، ولا ثناء الناس عليه، قال تعالى على لسان بعض الأنبياء فى القرآن الكريم: (وماأسألكم عليه من أجر إن أجرى إلاعلى رب العالمين) . وقال الإمام الشافعى-رحمه الله-: (وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم، وما نسب إلى شئ منه).

2-عمل السر عنده أفضل من العلانية: وفى الحديث عن أحد السبعة الذين يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها فلا تعلم شماله ما أنفقت يمينه) . ولقد رأى سيدنا عمر رجلاً يطئطئ رقبته وهو يصلى فقال: ارفع رقبتك فإن الإخلاص فى القلوب، وليس فى الرقاب).

قال تميم الدارى: (والله لركعة أصليها فى جوف الليل فى سر إحب إلى من أن أصلى الليل كله، ثم أقصه على الناس).

3-إساءة الظن بالنفس، واتهامها بالتقصير: فالمخلص من العباد من يأتى بجميع العبادات على أحسن وجه، ومع ذلك هو خائف أن لا يتقبل الله منه عمله يوم القيامة، كما قال تعالى: (والذين يؤتون ماآتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون)

4-استواء المدح والذم: فالمخلص يقوم بجميع أعماله على ما يرضى الله تعالى-ثم بعد ذلك لا يبالى أرضى الناس أم سخطوا، مدحوا أم زموا. وكان الإمام على إذا مدحه الناس قال: (اللهم اغفر لى مالايعلمون، ولا تؤاخذنى بما يقولون، واجعلنى خيراً مما يظنون). قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : " أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس، يريد بذلك أن يري الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء. أحياناً يعمل أحدنا العمل يبتغى به وجه الله لكن الناس يحمدون عليه، سئل النبى عن ذلك فقال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) .

4- وسائل تحقيق الاخلاص

1- معرفة عظمة الله تعالى: إذا يتيقن العبد بأن كل شئ فى الكون يقع بتدبير الله تعالى، فأرزاق العباد بيده، وآجال العباد بيده (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير) تعين على العبد أن يخلص عبادته لله سبحانه وتعالى وحده.

2- الإلحاح على الله تعالى بالدعاء: إن المسلم فى كل أموره يطلب العون من الله وحده، فهو يقرأ كل يوم قوله تعالى: (إياك نعبد واياك نستعين) فيسأله أن يمنحه الإخلاص فى القول والعمل، وأن يبعده عن الرياء والشرك، فى الظاهر والباطن، وكان صلى الله عليه وسلم يقول فى دعائه: (اللهم إنى أعوذ بك من أن أشرك بك شيئاً أعلمه واستغفرك لما لا أعلمه).

وكان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني استغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت.

3- مصاحبة أهل الإخلاص: صحبة الصالحين والمخلصين تعين على الصلاح والاخلاص، وقد خاطب الله نبيه فى القرآن الكريم بقوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه) وفى الحديث: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)

-وهذه قصة رجل من الصحابة فى إحدى الفتوحات الإسلامية، استعصى على المسلمين فتح مدينة، فصنع نقباً فى السور، ودخل منه، فقاتل المشركين قتالاً شديداً، وفتح للمسلمين الباب، فدخلوا منه، فكان سبباً للنصر والفتح، وكان هذا الصحابى ملثما، ورقض أن يكشف عن وجهه، أو أن يعطيهم اسمه، أويعطوه مكافأه، وغادر المكان ولم يعرفه أحد من الناس على الإطلاق، فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: يقول اللهم احشرنى مع صاحب النقب.

4- تدريب النفس على عمل السر فى العبادات: فعمل السر فيه صعوبة على النفس، لكن ثوابه أعظم عند الله تعالى، مثل صلاة الليل، صيام التطوع، الصدقة الخفية، وفى الحديث: (إن الله يحب العبد التقى النقى الخفى) قال سهل بن عبد الله التسرى: (ليس على النفس شئ أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب).

5- ثمرات الاخلاص

1- استمرار العمل: فالذى يعمل للناس يراقبهم، ويتوقف إذا غاب عن أعينهم، أما من يعمل لله فهو مستمر فى عمله والصالحون يقولون: (ماكان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل).

2- تأييد الله وعونه فى الشدائد: فالله يمد المخلصين بعونه ورعايته وتأييده، فينقذهم من المهالك، ويساعدهم فى الشدائد، كما فعل مع يوسف-عليه السلام- حينما أنقذه من تخطيط امرأة العزيز، حتى لا يقع فى الحرام قال تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) وفى قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار عظة وعبرة. (القصة المشهورة) كان دعاء كل واحد منهم: (اللهم إنك تعلم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة على مراحل إلى أن خرجوا جميعاً) وذلك لأن من ترك المعصية كان يبتغى مرضاة الله تعالى، ومن عمل عملا صالحا أيضا كان يبتغى مرضاة الله تعالى.

قال عمر بن الخطاب : (من خلصت نيته كفاه الله ما بينه وبين الناس).

وقال أبو حازم: (لا يحسن عبد فيما بينه وبين ربه إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد).

3- سكينة النفس: فالإخلاص يكسب صاحبه الأمن والسكينة، فيشعر بانشراح الصدر، وهدوء النفس وفى الحديث:(من كانت الأخرة همه، جعل غناه فى قلبه وجمع الله عليه شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة) .

4- قبول الأعمال من الله تعالى ودخول الجنة: وذلك لأن الإخلاص أحد شرطى قبول العمل، وفى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم (إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً، وابتغى به وجهه تعالى) . وقالوا: (إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز).

إن غاية المسلم تكمن فى مرضاة الله تعالى، ودخول جنته، البعد عن سخطه وناره، ولا يصل المسلم إلى ذلك إلابأن يجعل حياته ومماته وعبادته كلها لله تعالى كما أمر الله نبيه بذلك فى القرآن الكريم: (قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) وأن يخلص لله تعالى فى أعماله كلها يبتغى مرضاته ولا ينتظر إلى ثناء الناس، قال تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتميا وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوماً عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) .

اللهم ارزقنا الإخلاص فى القول والعمل يارب العالمين.

ـــــــــــــــــــ