خلق الإحسان في الإسلام :

الإحسان في اللغة معناه الإتقان . وهو الإخلاص ، وصدق المراقبة ، وهو التطوع بالفضل بعد مراعاة العدل ، وهو الصنع الجميل والتصرف الحميد .

وقد جاءت مادة " الإحسان " ومتعلقاتها في القرآن الكريم فيما يقرب من مائة وتسعين موضعًا ، وهذه العناية التي تظهر في كتاب الله تعالى بأمر الإحسان ، وتتمثل في الحديث عنه عشرات المرات تدل على المكانة السامية التي تحتلها فضيلة الإحسان ، ولا عجب في ذلك فعلماء الأخلاق يقولون : " إن الإحسان خلق جامع لجميع أبواب الحقائق ، وفيه لب الإيمان وروحه " .

وقد عرف الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - الإحسان بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) رواه مسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - .

فالمحسن هو المراقب لربه جل جلاله ، المخلص في عمله ، المتقن لصنعته ، الباذل للمعروف والخير ؛ لأن الإنسان إذا عبد الله جل ثناؤه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة ، كأنه ينظر إلى الله عز وجل حال عبادته ، مستحضرًا لعظمة الله تعالى ، ومراقبته له غرست في قلبه الخشية والهيبة والتعظيم والخوف ؛ وذلك يوجب عليه النصح في العبادة ، وبذل الجهد في تحسينها وإكمالها وإتمامها على الوجه الذي ينبغي أن تكون عليه .

وبين القرآن الكريم أن الإحسان يجب أن يكون الواجب الطبيعي للإنسان ، وأن الله كما أحسن إليه بنعمه عليه أن يحسن بهذه النعم إلى الخلق .

قال رب العزة والجلال : ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) وبين القرآن المجيد أن الإحسان تعود منفعته إلى المحسن . .

قال الله جل ثناؤه : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) .

وأمر الله تعالى بالإحسان . . قال تبارك وتعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) .

كما أن القرآن الكريم رفع منزلة الإحسان وقرنه بالإخلاص لله ، ووصفهما بأنهما أرفع ما يتحلى به الإنسان المتدين . قال الله تبارك وتعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا ) .

وقال الله عز وجل : ( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) .

ومن صفات المحسنين في القرآن الكريم قول الحق جل جلاله :

( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) .

والجهاد في سبيل الله تعالى ، هو من الإحسان . . قال رب العزة والجلال : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) .

واتباع ما جاء به النبي العظيم محمد - صلى الله عليه وسلم - هو من الإحسان قال تعالى : ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ) .

والعفو من الإحسان . . قال تعالى : ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .

والصبر من الإحسان . . قال تعالى : ( وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) .

ورعاية حقوق الوالدين والأقربين ، والجيران والأصدقاء ، والفقراء ، والخدم ، من أعظم ضروب الإحسان ، وقد قرنها الله تبارك وتعالى بعبادته ؛ ليلفت النظر إلى هذه الرعاية ، وليؤكد هذه الحقوق . قال الله جل جلاله : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا ) .

ولقد حث القرآن الكريم على طيب الكلام وحسنه في كثير من آياته . .

قال تبارك وتعالى : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) .

وقال عز وجل : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .

وقال جل جلاله : ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) .

ويطلب الإحسان في التحية بدليل قول الله عز وجل : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ) .

والله تبارك وتعالى كتب الإحسان على كل شيء . . عن أبي يعلى شداد بن أوس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته " رواه مسلم . .

فالإحسان يتناول كل شأن من الشؤون ، وينظم كل عمل . . قال الله تبارك وتعالى : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )

هذا وبالله تعالى التوفيق ، والحمد لله تعالى على نعمة الإسلام ، وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وأمته وسلم تسليمًا كثيرًا .

ــــــــــــــــــــــــــ

صلاح الطنوبي