المرأة وبناء الدولة

المرأة وبناء الدولة

تعتبر المرأة شريك اساسي في بناء الحضارات والدول ولها بصمة واثر مهم في صياغة اجيال تلك المجتمعات ، وهي ركن اساسي لاكتمال عجلة الحياة وعامل مهم لدورانها ، ذلك ان دورها دور محوري ومكمل لدور الرجل ، ولا يمكن للرجل ان يبني دولة وحضارة بعيدا عن المرأة ، لان المرأة لها قدرات وابتكارات واعمال لا يستطيع الرجل القيام بها ، ولهذا يقول الله تعالى واصفا حالنا كمجتمع مسلم بقوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

من جهة أخرى، يصف القرآن مثالية المؤمنين والمؤمنات باعتبارهم أولاً وقبل كل شيء أشخاصاً يساعد بعضهم بعضاً وبشكل متساو في الحث على عمل الصالح العام (الأمر بالمعروف) والنهي عن فعل السيئات، ثم يؤدون الشعائر الدينية من صلاة وزكاة، ودائماً في شكل متحد ومتضامن، وتعتبر هذه الوصية القرآنية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من قبل معظم العلماء على أنها حاملة أهم المبادئ القرآنية وهو إقامة العدل وتحقيق الصالح العام في المجتمع أو الجماعة او الدولة التي نعيش فيها .

هذه الدعوة المطلوبة من الرجال والنساء تعتبر ذات أهمية قصوى في كل زمان لأنه من خلال تجسيدها على أرض الواقع الاجتماعي يمكننا قياس درجة مدى التزام الأفراد بالمشاركة في بناء حضارة ومجتمع عادل ومتساوي في التكليف والوظائف والمهام المشتركة .

دور المرأة في بناء الدولة الاسلامية :

وعندما نتكلم عن دور المرأة في بناء الدولة فان دورها كان واضحا في بناء اللبنات الاولى من الدولة الاسلامية التي اسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، وكان دور المرأة في ذلك الوقت بجانب الرجل في كل المجالات تقريبا ، فالمرأة كانت مشاركة في بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العمل في الزراعة واتخاذ القرار والتوجيه والنصح وحتى في الحروب والغزوات ، فقد كانت لها مشاركة مؤثرة وهامة في كل تلك الاحداث ، وقد جاءت الشريعة الاسلامية كدستور لدولة الاسلام توضح اهمية وجود المرأة ، حتى في التكاليف الشرعي الاسلامي كان ينزل الامر والتشريع للرجل والنساء على حد سواء فيخاطبهم الله تعالى في كثير من الآيات بقوله ( يا ايها الذين امنوا ...... ) وهذا الخطاب كان للرجل والمرأة ، وما دام التكليف الالهي كان تكليفا واحدا فان المهمة واحدة للرجل والمرأة في اعمار الارض والاستخلاف فيها وبناء الدولة والحضارة الاسلامية كما جاء في الشريعة الاسلامية ، ولهذا نلاحظ ان دور المرأة في بناء الدولة الاسلامية كان دورا محوريا ، لقد كان البناء الاجتماعي لهذه الحضارة ثمرة لجهد ولإبداع الإنسان رجالاً ونساء الذين شاركوا جميعاً في بناء المجد لحضارة إسلامية عالمية ، لقد اكتشفت دراسات معاصرة للعصور الأولى للوحي إسهامات ثمانية آلاف امرأة في كل العلوم الإسلامية كالحديث والتفسير والفقه وغيره من العلوم ، وقد ذكرت إسهاماتهن في كتابات المحدثين القدامى أمثال كتاب ابن حجر الذي أورد مشاركة أزيد من خمسمائة امرأة في كتاب (الإصابة)، وكذلك في فترة الوحي حيث أسهمت النساء الصحابيات المبايعات التشييد السياسي للمدينة، ويعتبر ابن حجر من القليلين الذين ألفوا كتاباً عن حياة أكثر من مائة وسبعين امرأة عالمة مشهورة في القرن الثامن، كان أغلبهن من المتخصصات في الحديث وأصبح عدد كبير من شيوخه منهن. وقد أبرز أهمية عدد كبير من هؤلاء النساء اللواتي أصبحن مرجعاً لا غنى عنه في علم الحديث في عصرهن، من بينهن جوهرية بنت أحمد وعائشة بنت عبد الهادي اللتان كان يحج إليهما الطلبة من أقاصي الأرض لقراءة الحديث عليهما.

دور المرأة في العصور المختلفة :

وبعد فترة من قيام الحضارة الاسلامية مرة الدولة الاسلامية بمراحل ضعف شديد في جميع المجالات وكان جزء من هذا الضعف هو اهمال دور المرأة في البناء الاجتماعي للدولة ، وهذا الاهمال كان نتيجة للعادات والتقاليد المخالفة للشريعة الاسلامية كمنع المرأة من اخذ العلم واعتبارها خادمة في البيت فقط ، وهذا اثر بشكل سلبي على مكانة ودور المرأة في الحياة العامة ، ولذا فان الامة التي تعطي المرأة مكانتها الحقيقية ودورها الصحيح الذي اقره القران الكريم والشريعة الاسلامية هي الامة التي تنهض وتبني وتشيد الحضارة الرائدة في حياة البشر .

دور المرأة في عصرنا الحاضر :

وبعد صدمة العادات والتقاليد وتحجيم دور المرأة في بناء المجتمعات واقامة الحضارات والدول جاءت الصدمة الثانية التي اخرجت المرأة من طبيعتها وفطرتها التي فطرها الله عليها الى ان تكون سلعة رخيصة للمتاجرة باسم الحداثة والتحرر والمساواة ، وكنتيجة طبيعية لما لاقت المرأة من اضطهاد وحرمان في العصور السابقة وللأسف فإننا نجد كثيرا من النساء اندفعن نحو هذا التيار الجديد الذي يتوهمن انه جاء ليعطيهن حقهن ويعيد لهن مكانتهن ، لكن الحقيقة ان هذا التيار يهدف الى ضياع الامم والحضارات وليس بناءها ، وهنا لابد ان تدرك المرأة المسلمة دورها الحقيقي ومكانها الطبيعي وان تعود اليه من خلال دراسة الشريعة الاسلامية ومقاصدها ومعرفة الغايات والحكم التي جاءت من اجلها ، هنا فقط تستطيع المرأة ان تمارس مهامها الحضارية في بناء الدول والاجيال والحضارات على اكمل وجه .