اسس التعامل مع توجيهات الدولة

اسس التعامل مع توجيهات الدولة

الدولة هي الكيان الذي يجمع الناس ويوفر لهم احتياجاتهم الامنية والمعيشية والترفيهية ، ووجود الدولة وظهورها كان نتيجة لتطور المجتمعات وتطور احتياجاتهم ، ومع مرور الوقت تطورت الدولة نفسها وتطورت معها وظائفها ومهامها واصبحت اليوم تشكل ضرورة مهمة في حياة الناس ليشعروا بالانتماء والامان والحصول على حقوقهم المشروعة ، ولذا فان الدولة اثناء ادائها لوظائفها فإنها تكون امام كثير من الاحتمالات سواء احتمالات الفشل او النجاح هذا شيء طبيعي في حياة الدول ، فالدول لها دورة حياة تبدأ بالنهوض وتنتهي بالسقوط ، وللنهوض والسقوط عوامل كثيرة ومتعددة ليس مجالنا لذكرها هنا ، لكننا سنحاول في هذا المقال ان نتعرف على اساسيات التعامل مع توجيهات الدولة وذلك من خلال الاتي :

اولا : من خلال قراءة التاريخ الاسلامي نجد ان الدول كانت لها محاسن ومساوئ وايجابيات وسلبيات وهذا امر طبيعي لكن كيف يمكن ان نتعامل مع المحاسن والمساوئ ؟ وكيف نستطيع ان نقيم المحاسن والمساوئ للدولة ؟ وماهو السلوك المناسب تجاه تلك الاحتمالات ؟ .

للإجابة على هذه الاسئلة نحتاج الى معرفة ماهي المعايير التي على ضوئها نستطيع ان نقيم وضع الدولة وان نتعاطى مع توجيهاتها وما يصدر عنها ، وهذه المعايير نستطيع استخلاصها من بعض قواعد السياسة الشرعية وهي كالاتي :

  1. القاعدة الاولى : لاضرر ولاضرار

وهذه القاعدة من اهم القواعد الفقهية في السياسة الشرعية وهي مأخوذة من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( لاضرر ولاضرار ) ، ومعنى هاتين الكلمتين ان الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى غيرك فيه مضرة، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة وعلى غيرك المضرة ، ومعنى القاعدة ان الاصل في التشريع ان تبعد عن نفسك الضرر وتبعده عن غيرك وان لا تقبل بالمصلحة لنفسك والتي يكون فيها ضرر على غيرك ، فالتشريع نزل ليضمن المصلحة للجميع ودفع الضرر عن الجميع ، ومنع الضرر يستوجب مبادرته سواء قبل حدوثه وعند توقع ذلك، أو أثناء حدوثه، أو بعد حدوثه، عند القدرة على ذلك، ولا يتأنى به؛ فإن التأني في ذلك، وترك المبادرة ربما أدى إلى استفحاله؛ بحيث يخرج عن السيطرة وعدم القدرة على إزالته، أو قد يحتاج إلى جهود مضاعفة عما كان يحتاج إليه لو دُفع أول أمره ، وهذه كانت سياسة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في تعامله مع المرتدين؛ فإن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ بادر في دفع ذلك الضرر العظيم، ولم يتأنَّ في ذلك، ولم يستمع في ذلك إلى رأي أو مشورة من أحد؛ إذ أدرك ببصيرته الإيمانية أن كل يوم يمضي بدون مواجهتهم يكون قوة للمرتدين وضعفاً للمسلمين، فبادرهم، وقصدهم إلى أماكنهم، ولو قدر لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أن يقبل مشورة من أشار بالتريث في ذلك فلربما تغير وجه التاريخ. وكذلك الحال بالنسبة للشعب والامة وخصوصا اهل الحل والعقد والرأي والاجتهاد ممن يستطيعون تقييم الوضع وابداء الرأي الراجح فيه ، فاذا رأت ان الضرر والفساد والانحراف في الحاكم اصبح كبيرا وتجاوز الحدود الشرعية والاصول الدينية المتفق عليها فلا تنتظر حتى يستحكم الضرر ويسيطر ولكن لابد ان تقوم بعملية التقويم لهذا الحاكم وهذه الدولة .

  1. القاعدة الثانية : الضرر يُدفع بقدر الإمكان:

ويندرج تحت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» قواعد أخرى، منها: أن الضرر يدفع بقدر الإمكان؛ فإذا كان لا بد من دفع الضرر وإزالته ـ كما تقدم بيانه ـ فإنه يُدفع ويُسعى في إزالته بقدر الإمكان؛ فمهما أمكن دفعه من الضرر دُفع؛ فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله؛ فإذا أمكن دفع الضرر كله من غير أن يبقى شيء منه دُفع، وإلا فإنه يُدفع منه ما أمكن دفعه.

  1. القاعدة الثالثة : احتمال أخف الضررين:

عند دفع الضرر أو السعي في إزالته، قد لا يتيسر ذلك إلا بالوقوع في ضرر آخر، وهنا يتحتم علينا إذا أردنا إزالة الضرر أن نقع في ضرر آخر، والمقصود دفع الضرر بالكلية؛ فإذا تعذر ذلك ولم يمكن، فإنه يحتمل أخف الضررين، فإذا كان الضرر المدفوع يزيد عن الضرر المترتب على ذلك دُفع، وإن كان الضرر المترتب أعلى من الضرر المدفوع، لم يدفع الضرر في هذه الحالة، ولا يمكن أن يقال: إذا ترتب على دفع الضرر ضرر آخر لم يدفع الضرر حتى وإن كان الضرر المترتب أقل من الضرر المدفوع؛ لأن هذا يخالف قاعدة السعي في إزالة الضرر، وقد عبر أهل العلم عن تلك القاعدة بقاعدة «احتمال أخف الضررين» أو «أهون الشرين» أو «تُدفع المفسدة العظمى باحتمال أدناهما» أو نحو ذلك من تلك العبارات، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة، وقد جاء بعضها في السياسة الإلهية؛ فمن ذلك ما فعله الخضر ـ عليه السلام ـ عندما خرق السفينة؛ فقد كان في خرقه لها ضرر، ولكنه فعل ذلك ليدرأ ضرراً أشد، وهو مصادرة السفينة من قِبَل الملك الظالم الذي كان يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، فخرقُ السفينة ضرر لا شك فيه، ولكنه بلا شك أقل ضرراً من ضياع السفينة كلها، فلم يمكن إزالة الضرر الكبير إلا باحتمال الضرر الأقل.

ونستطيع ان نلخص ما ذكرناه في هذه القواعد الفقهية ان الانسان يجب عليه ان يكون واقفا مع دولته ونظامه وولي امره ما داموا واقفين على حدود الله وشريعته ومنهاجه ، ولا شك من ان الاخطاء قد تظهر هنا وهناك ، لكن المعيار الاساسي للتعامل مع تلك الاخطاء هو الضرر ، فاذا كان الضرر كبيرا وبالغا ومؤثرا وجب الوقوف موقف الحق والصدق والنصح للدولة والحاكم ودفع الضرر وتجنبه حسب ما ذكر سابقا ، وبقدر مراقبة الله واقامة حدوده يكون الولاء للحاكم والدولة .