التربية على بصيرة

التربية على بصيرة

تعتبر الدعوة الى الله تعالى والتربية على منهج الاسلام من اعظم الاعمال الى الله ولها فضل كبير ومنزلة عظيمة لارتباطها بمهمة الرسل والانبياء ، فانبياء الله ورسله كانوا يدعون الناس الى توحيد الله تعالى واتباع منهجه والاقتداء برسله ليفلحوا في الدنيا والاخرة ، فكانوا يلاقون من السخرية والاعراض الشيء الكثير ، وربما يصل الامر الى الايذاء والتعذيب والملاحقة ، كل ذلك لانهم كانوا يدلون الناس على طريق الله وسبيله ، ويحاولون تهذيب نفوسهم وتزكيتها لترتقي في مدارج السمو والرفعة .

ان مهمة التربية تحتاج الى شخصية رصينة تستطيع ان تنظر الى الامور من اكثر من زاوية ولها قدرة على ان اختيار الوقت الصحيح والمكان الصحيح والشخص الصحيح والمفهوم الصحيح وهذه هي اركان التربية الفاعلة المؤثرة التي تخرج جيلا متمسكا بدينه مؤثرا في مجتمعه قائدا لامته .

 ولكي نصل الى مرحلة التأثير القوي في المدعو لابد ان تكون تربيتنا على بصيرة ومعرفة بكل تفاصيل المدعو وافكاره وسلوكه لنستطيع التأثير فيها ايجابا ، كما لابد ايضا ان يكون ملما بكل تفاصيل الواقع والبيئة المحيطة ليكون على معرفة بتأثيرها على المدعو وكيف يواجه تأثيرها السلبي عليه ويمنعه .

ولكي يصل المربي الى ان يمتلك البصيرة اثناء التربية لابد ان يعمل الاتي :

  1. ان يكون بصيرًا بمن يدعو إليه، وهو الله عز وجل، فيتعرف على صفات الله وقدرته وحكمته وعظمته ، وتكون معرفة الله بالغة في نفسه ومسيطرة على كيانه  يقول ابن القيم - رحمه الله -: (والبصيرةُ على ثلاث درجات، مَن استكملها فقد استكمل البصيرةَ: بصيرة في الأسماء والصِّفات، وبصيرة في الأمرِ والنَّهي، وبصيرة في الوعد والوعيد ) .
  2.  أن يكون بصيرًا بمن يدعوه، وهو "المدعو"؛ من حيث حالُه وسِنُّه، وعِلمه أو جهله، وثقافته، وهل هو مسلمٌ أو غير مسلم، والوقوف قَدْرَ الإمكان على خصائصِه النفسية والعقلية والاجتماعية؛ ذلك لأن الداعيَ كالطبيب، لا بد قبْلَ أن يصف الدواءَ مِن تشخيص الدَّاء، وتحديد الجرعات الملائمة والتدرج فيها، والبدء بما يكون صالحًا مُفيدًا متقبَّلاً .
  3.  أن يكون بصيرًا بأهدافِ دعوته الكلية والجزئية، القريبة والبعيدة؛ فمن الأهدافِ الكلية: إقامةُ المجتمع المسلِم، وللوصولِ إلى هذا الهدف، لا بد مِن تكوين العبد الرَّبَّاني، وهو العبدُ الصالح المُصلِح، وهو هدف مَرحلي يوصل إلى الهدفِ الكلي، وكذلك من الأهداف القريبة: إقامةُ الصلاة بشروطها وأركانها، وسُنَنها وهيئاتها، وهو هدفٌ موصل إلى فريضةِ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ .
  4.  أن يكون بصيرًا بالأساليب والوسائل المشروعة، والموصلة إلى الأهداف المرسومة ، لأن الدعوةَ إلى الله تعالى عبادة، ومن شروط العبادة: المتابَعة لكتاب اللهِ وسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأساليبِ المشروعة: الحكمةُ، والموعظة الحسنة، والجِدالُ بالتي هي أحسن؛ قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ ، ومن الوسائلِ المشروعة: العقوبةُ بالمثل أو الصبرُ حتى بلوغ الهدف؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ .
  5.  أن يكون بصيرًا ببيئةِ الدعوة وطبيعة المرحلة: فمن حيث بيئة الدعوة، هل هي بيئةُ شِرك أم توحيد؛ فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أرسل مُعاذًا إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قومًا أهلَ كتاب، فليكُنْ أولَ ما تدعوهم إليه شَهادةُ أن لا إله إلا اللهُ وأن محمدًا رسول الله) ؛ فبيئة الدعوةُ شِركٌ بالله؛ لذا كانت أهميةُ البدء بالدعوة إلى التوحيد، أما من حيث المرحلة، فإن الدعوةَ تمرُّ بمراحلَ مختلفة؛ كالتكوين، والاستضعاف، والتَّمكين، ولكل مرحلةٍ ما يناسبُها من أهدافٍ ووسائل وأساليب.
  6. ومن البصيرة أن يتخذَ الداعي البيئةَ الصالحة المثمرة، وأن ينتقيَ أشخاص المدعوين ، فالناس معادنُ كمعادنِ الذهب والفضة؛ ولهذا نجد أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بدأ بدعوةِ أبي بكر لنَفَاسةِ مَعدِنِه، كما تمنَّى إسلامَ عمر بن الخطاب؛ لنقاءِ أصله، وتميُّز صفاته، وقد قال صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه -: (تجِدون الناسَ معادِنَ؛ فخِيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فقُهوا، وتجِدون مِن شرِّ الناس ذَا الوجهَينِ الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجهٍ).

ومعرفة حقيقة إنسان ومعدِنه، والوقوفُ على قدراته، والوصول إلى مكنون نفسه - لا شكَّ يحتاج إلى بصيرةٍ وفِراسة لا تتوافر إلا عند الأنبياء وأتباعِهم، ومَن سار على نهجِهم وسلَك سبيلهم، وهي الدعوةُ إلى الله على بصيرة.

--------------------------------

خاص ..المحرر التربوي .