سعدنا غالي

تتسارع الأيام وتتلاحق الساعات المباركة معلنة قرب انشقاق فجر الشهر الكريم الذي ينتظره المسلمون على أحر من الجمر باعتبار أنه المحطة الكبرى التي يتخلصون فيها من أدران الخطايا التي شابت صحائفهم طيلة سنتهم الماضية ، والموعد الأكبر الذي تتجلى فيه رحمة الله ورأفته بعباده المؤمنين، من خلال ما يهبه لهم من جوائز المغفرة والعتق من النار، ومضاعفة الأوقات والمباركة فيها، إضافة إلى ما أودعه الله من السر العظيم الكامن في الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر،

الأمر الذي يجعل قلوب المؤمنين الصادقين تظل معلقة بهذا الشهر منذ أن يفارقهم حتى يعود إليهم ليغازلوا أسحار لياليه المباركة وهواجرَ أيامه الساحرة بهمسات رقيقات وعبرات لذيذات في قرب خالقهم الرحيم الرحمان.. وبما أن شهر رمضان بهذه المكانة العظيمة التي جعلت منه سيد الشهور بلا منازع فإن عظمته تستلزم أن يغطي على ما حوله من الشهور ولو كان لها فضل كبير عند الله، وهو بالفعل ما حدث مع شهر شعبان الذي دفع ضريبة مجاورة العظماء بغياب شعاع ضوئه المنير في نفوس الناظرين إلى شمس رمضان المبهرة، فلا يبالون بشيء حتى يدخلوا رمضان دون أي مقدمات...

لقد كان شعبان في ميزان الهدي النبوي الشريف ذا منزلة خاصة بين باقي الشهور، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان". ولمَّا طُلب منه صلى الله عليه وسلم بيانُ السر في ذلك قال كما عند أحمد والنسائي: "ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم".

ولا شك أن مثل هذه الأحاديث التي تبين الدرجة العالية من الاجتهاد في العبادة الذي كان يحكم علاقة النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه في هذا الشهر الكريم تُشَكل حداء للمؤمن المخاطب بقول الله تعالى : "لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة " تدفعه إلى أن يحث المطي مسابقة للزمن ومسارعة في استغلال أوقاته الخاطفة...

إن النجاح في أي عمل ذي بال يتوقف على التمهيد له بعملية إحماء تجعل الشخص قادرا نفسيا وبدنيا على مسايرة ركبه ومجابهة صعوباته، وهو أمر محسوس يلمسه الناس في أمورهم الحياتية اليومية..

ونحن اليوم إذ نقف على بعد خطوات من هذا الموسم العظيم فإننا مطالبون بالعزم على الجد والاجتهاد وإعداد نفوسنا في شهر شعبان حتى تكون على مستوى روحي عال يمكننا من قطف ثمار الشهر الكريم، مُكَررين مع سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم قولَه : "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان"..

ـــــــــــــــــــــــــــــــ