عبدالباري الثبيتي

الحمد لله الذي أنعم علينا وجعل في العمر فسحة وفي الحياة مهلة، أحمده سبحانه وأشكره على كل نعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جمع قلوب المؤمنين على المحبة والألفة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسوله خير قدوة وأسوة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانت صحبتهم لنبيهم أجلّ صحبة وأعظم فرصة.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله –تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:71].

الحياة فرصة، والفرص متجددة، وهي لا تُحصى، يقلّب الله فيها عباده، فرص متنوعة الأشكال، وحاضرة في كل مكان، بعضها تغير مسار حياة، وبعضها لا تتكرر.

قال أحد السلف: "إذا فُتح لأحدكم باب خير فليسرع، فإنه لا يدري متى يُغلق عنه".

والفرصة قد تكون طاعة، أو عمل خير لبناء وطن وتنمية مجتمع، وقد تكون جاها ومنصبا يسخّر لخدمة الدين والأمة، وقد تكون تجارة: "نعم المال الصالح مع الرجل الصالح".

والفرص في حياة الأمم ممتدة مدى الحياة، قائمة حتى آخر لحظة في العمر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها".

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثالاً يُحتذى في يقظته الدائمة، وبصيرته المستنيرة في اغتنام الفرص؛ يحث على طاعة، يحفّز لعبادة، يوجّه ويربي.

أردف مرة ابن عباس -رضي الله عنهما- وراءه فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله".

ولما رأى يد عمر بن أبي سلمة تطيش في الصحفة قال: "يا غلام! سمِّ الله، وكلْ بيمينك، وكل مما يليك".

وأما أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فقد اغتنم الفرصة، وبادر فحاز قصب السبق إلى الإسلام، فقال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟!"  مرتين فما أُوذي بعدها.

وهذا عثمان -رضي الله عنه- انتهز فرصة وجود الصحابة -رضي الله عنهم- في المدينة، فجمع الناس على مصحف إمام واحد اتفقت كلمة الصحابة عليه، وصار للناس إمامًا يجمعون عليه، فحمى الله –تعالى- به من شر كثير واختلاف عريض.

ومن اغتنم الفرصة وبادر؛ تقدم على غيره مراحل ومراتب؛ فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من غيرهم ممن جاء بعدهم، ولأهل بدر من هؤلاء ما ليس لغيرهم، ولمن أسلم من قبل الفتح وهاجر وجاهد بماله ونفسه من الفضل ما ليس لمن فعل هذا بعد الفتح، قال الله -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ  * ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) [الواقعة:10- 14].

الفرص الثمينة تمر بسرعة؛ لأنها محدودة الأجل سريعة الانقضاء.

تأمل جليًّا مسيرة طاعن في السن، ترى في سيرته سرعة تغير الأحوال من صحة إلى مرض، ومن غنّى إلى فقر، ومن أمن إلى خوف، ومن شغل إلى فراغ، ومن شباب إلى شيخوخة.

ويتأكد الحرص على اغتنام الفرص في أيام الفتن ومع الملمات، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا".

ولهذا وجَّه رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- أمته لاستغلال الفرص، والمبادرة إلى الخير قبل فوات الأوان، فقال: "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".

اغتنم الحياة؛ فمن مات انقطع عمله وفات أمله وحق ندمه.

اغتنم الصحة؛ فمن مرض ضعف عن كثير عمل، وتمنى لو صام وصلى.

اغتنم الفراغ قبل أن تداهمك الشواغل وتشغلك صوارف الأيام.

اغتنم الشباب قبل أن يكبر سنك، ويقل جسمك وتعجز أعضاؤك.

اغتنم الغنى.. تصدق وأنفق وابذل قبل أن تفقد مالك أو يرحل عنك.

وكل فرصة -عباد الله- مغنم مهما قل وزنها في نظرك فهي مكسب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق"، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".

ويقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات"، هذا هو حال المسلم ينتهز كل فرصة للعطاء مهما كان قليلاً، ويبذل كل جهد مهما كان يسيراً.

نبي الله يوسف -عليه السلام- وهو يعاني ألم الغربة وقهر الظلم في السجن يعمل للدين ويرشد للحق المبين: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) يوسف:39].

التوبة فرصة سانحة في الحياة التي لا يعلم أحد وقت زواله عنها: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:133].

بالتوبة يمنح الله الكريم عباده فرصة يراجعون فيها أنفسهم يتدبرون حالهم يرجعون إلى الله عن قريب قبل أن ينزلهم منازل الهون والبلاء.

وفي الحديث: "إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو المسيء، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتبت واحدة".

المواسم الفاضلة فرص متجددة، وهبات عظيمة يستثمرها العقلاء؛ حج يغسل الذنوب، وعمرة تكفّر الخطايا والآثام، ورمضان بجلال نهاره ونفحات لياليه.

العيش والقرب من الأماكن الفاضلة فرصة ثمينة؛ فإن الحسنات تضاعف في مكة والمدينة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "صلاة في مسجد هذا أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه"، حتى أهل المصائب فرصتهم الفوز بالصبر والرضا بالقضاء والقدر.

المسلم الفطن صاحب الهمة العالية يُنمّي المبادرة الذاتية، فيصنع لنفسه فرصا، ويولد أعمالا هادفة لكسب الأجر، واستثمار الوقت والحياة، فينفع ذاته وينمّي زاده، ويخدم وطنه وأمته. والسعيد من جعل كل موسم من مواسم حياته فرصة لطهارة نفسه ونماء حياته فيأخذ الزمام، ويسابق الزمن ويبادر إلى المعالي.

أما إذا انعدمت المبادرة وشاعت الاتكالية فوَّت المسلم فرصًا ثمينة ومكاسب عظيمة، وتعطلت طاقته وتجمد أثره في وطنه وأمته.

وهذا يقتضي -أمة الإسلام- أن نصوغ حياتنا بالتربية الجادة، واغتنام الفرص لنرقى في الدنيا ونسمو بالحياة ونأمن في دار القرار.

نعم، من جعل أهدافه في الحياة هزيلة، وقيمته في الوجود رخيصة فوّت الفرص، وقضى حياته تلبيةً لنزواته ومتعه ولذائذه، فأكلت الأيام الضائعة حياته والسنون التائهة عمره وسوف يقول حينئذ (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [الفجر:24].

التسويف -عباد الله- يضيّع الفرص، فتتزاحم الأعباء، وتتأخر الأعمال، ويتشتت الفكر فلا يبصر الفرص ولا ينجز العمل، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : "من القوة ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد".

والفرص يقتلها التردد، الذي يفوت الفوز ويبقى المرء في مكانه والركب يسير قال الله -تعالى-: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران:159].

ومن أصيب بالغفلة فوّت الفرص، وأهدر النعم، وقتل الوقت بالبطالة، أهل الغفلة لهم الحسرة: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم:39] وتكون الندامة الكبرى لأهل الشقاء حين يسألون ويطلبون فرصة أخرى يقولون: (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) [المؤمنون: 106- 108] فيقول الله لهم: (اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:108].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ