* تحويل السلبيات إلى إيجابيات

كثير من المسؤولين ومدراء المشاريع، بل وحتى أرباب الأسر يقف حائراً أمام بعض السلبيات التي تبرز في بعض المرؤوسين، فيحاول جاهداً إزالة هذه السلبية، وينفق الكثير من وقته، وربما من المال المرصود للمشروع في إزالة السلبية.

وإن كان هذا جيداً غير أن هناك خطوة مهمة ربما توفر على القيادي كثيراً من العناء والوقت؛ ألا وهي استغلال السلبية بحيث نحاصرها ونجعلها في أصغر إطار ممكن، ومن ثم نعالجها، فإن أعظم خطر يُنتَظر من السلبية هو تأثيرها على  أفراد فريق العمل.

ولنأخذ مثالاً حيًّا لأعظم قادة الدنيا؛ وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، ونَذْكر وجهاً من وجوه فن القيادة  لأفراد الدولة الإسلامية آنذاك، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان مكلَّفاً بتبليغ الأوامر الربانية، والحرص على أقامتها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، لكن ما موقف القائد إذا واجهه بعض أفراد فريقه بالاعتذار بأنه لا يستطيع القيام ببعض أوامره لسبب خَلْقي خارج عن إرادته؟

تروي لنا كتب السير والتراجم والسنن أن زوجة صفوان بن المعطل رضي الله عنه تقدمت بشكوى لدى النبي صلى الله عليه وسلم بأن زوجها لا يصلي الفجر مع الجماعة، ولا حتى في وقتها، فلما واجهه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك اعتذر صفوان بأن هذا الأمر جِبِلِّيٌ ولا يستطيع مقاومته، ودلَّل على ذلك بأن عائلته مشهورة بهذا.

ونذكر هنا الشاهد من الرواية لأهميته:

قالت زوجة صفوان : «إن زوجي صفوان بن المعطل … لا يصلى صلاة الفجر حتى تطلع الشمس» -وبعد سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم له قال صفوان- : «فإنا أهل بيت قد عُرِف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس». فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «فإذا استيقظت فصَلِّ» (1).

فصفوان رضي الله عنه ضرب في اعتذاره أروع الأمثلة للأفراد في طريقة الاعتذار عن المشاركة في المشروع؛ حيث إنه رتّب اعتذاره على ثلاثة مراحل كما سنذكر لاحقاً، فجاء الجواب مناسباً، والحكم -في القضية المختلف فيها بين الزوجين- واقعياً؛ حيث لا يصطدم مع طبيعة تكوين صفوان رضي الله عنه.

لكن القضية لم تنته عند القائد أو الفرد عند هذا الحل الآني، وإن كان حلاًّ ناجعاً للفرد، بل استطاعا أن يصنعا من هذه السلبية إيجابيَّة عظيمة، وأن تستغلَّ استغلالاً مناسباً.

ففي التفاتةٍ ذكيَّة من الفرد في استغلال (السلبية) قام صفوان رضي الله عنه بطلبٍ من القائد بجعله في مؤخرة الجيش والتي تسمى (الساقة)؛ فجيش النبي صلى الله عليه وسلم كان يعاني من مشكلة ألا وهي ما يسقط من متاع الجيش أثناء مسيره ليلاً أو في ساعات الفجر الأولى من رحيله، ولا يستطيع البحث عنها؛ إما لظلمة الليل، أو الخوف من فوات الجيش، فكان الحل الأمثل كما رآه صفوان –بكونه لا يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس- أن يكون في مؤخرة الجيش يلتقط ما يسقط من الجيش؛ فوافق النبي صلى الله عليه وسلم، ليحوِّل من السلبية التي كانت تؤرِّق الصحابي إلى ايجابية يحتسب من خلالها الأجر، وتقديم عملٍ إيجابيٍّ للمجتمع.

تقول الرواية : أن صفوان «سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله على السَّاقة؛ فكان إذا رحل الناس قام يصلي، ثم اتبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به»(2)، وفي رواية أخرى: «وكان صفوان يتخلف عن الناس؛ فيصيب القَدَحَ والجِرابَ والإِداوَةَ»(3). فكان الجيش يتوقف للراحة ليلاً، ويرتحل بعد الفجر، فإذا قام صفوان صلّى وتعقَّب الجيش والتقط ما سقط منه أثناء مسيره، ويكون عمله هذا سدًّا لثغر مهم من ثغور المسلمين، ولا ننسى أنه هو الذي كان سبباً في إنقاذ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعدما رحل الجيش عنها وهي تبحث عن عقدٍ فقدته في حادثة تعرف بـ (حادثة الإفك).

بعد هذا العرض نستطيع أن نلخص الحادثة على هذا النحو:

* موقف الفرد:

1) اعتذر عن نفسه شخصيًّا بأنه لا يستطيع القيام بهذا العمل في وقته، وبين أن السبب خارج عن إرادته .

2) ثم دلل على مصداقيَّة كلامه بأن الأمر لا يتعلق بشخصه فقط، بل إن هذا هو ما عليه الحال لدى أسرته.

3) ثم أورد الشهود إثباتا  لكلامه بأن أسرته تُعرَف بذلك في أوساط المسلمين.

* موقف القائد:

1) عدم التسرع في إتخاذ القرار؛ فليس كل معلومة (سلبية) عن فرد من أفراد الفريق تصل للقائد -ولو كانت صحيحة- ! تقتضي العقوبة.

2) الاستماع لمن تتعلق به السلبية، وإعطاؤه الفرصة الكافية للدفاع عن نفسه.

3) اتخاذ القرار المناسب الواقعي الذي يليق بحال الفرد.

وأخيراً أرجو أن أكون قد أضفت معلومة مهمة ونكتة إدارية من أحاديث المصطفى .

ـــــــــــــــــ

 (1) صحيح - صحيح أبي داود - الرقم: (2459).

ولا يظنُّ ظانٌّ أن هذا الرخصة من النبي لكل حالة، إنما هي لصفوان رضي الله عنه لسبب خَلقي.

(2) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: (15300).

(3) فتح الباري 8/350

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ