المتحدث أو الكاتب لا بد من تعرضه للأسئلة، فلزاما عليه: الجواب عنها، وتكثر الحاجة لذلك وسط الدعاة ، بل غالبا ما يكون وقت الأسئلة للمربين والقادة والخطباء ، في كثير من الأحوال، مساويا الدرس أو المحاضرة.

ويحسبنا هنا أن نذكر أهم خصائص الجواب، قياسا على ما ينبغي للمفتي أو الإمام عندما يسأل عن مسألة :

* يجوز للمتحدث أو المربي أن يجيب السائل بأكثر مما سأله:

( وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده ، ومن عاب ذلك فلقلة علمه) .

وقد ترجم الإمام البخاري في نهاية كتاب العلم من الصحيح ( باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله) عند إيراده الحديث المحرم الذي سأله عن ما يلبس المحرم، فأجابه صلى الله عليه وسلم:

( ألا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا ثوباً مسه الورس).

ويؤخذ من الحديث:

( إن المفتي إذا سئل عن واقعة واحتمل عنده أن يكون السائل يتذرع بجوابه يعديه إلى غير محل السؤال: تعين عليه أن يفصل الجواب).

* ينبغي للمربي إذا سأله إنسان عن شيء يحتاج ومنعه منه، أن يدله عل ما يعوض عنه ، وهذا من تمام شفقة المربي والداعية على أخيه ، حتى لا يدعه في حيرة من أمره، أو يصعب عليه الأمر ، أو يجعله يشعر بعدم كفاية المربي.

( فمثاله في العلماء مثل الطبيب الناصح في الأطباء ، يحمي العليل عما يضره ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان ).

ودليل ذلك منع الرسول – صلى الله عليه وسلم – لبلال أن يشتري صاعاً من التمر الجيد بصاعين من الرديء، فقال له في الحديث المتفق عليه :

( بع الجمع بالدراهم ، ثم أشتر بالدراهم جنيبا).

والجنبيب : هو المنتقي الذي لا رديء فيه، أو الكبيس.

والجمع : هو الدقل ، أي ردي التمر.

والمنع- في إطار الجماعة المسلمة – من أمر ما ، دون تبيان السبب أو اعطاء البديل لا يقود فقط إلى الخيرة، وعدم الشعور بعدم كفاية المربي، بل قد يقود الداعية ، والناشئ خاصة – إلى التخبط والبحث عن الجواب عند شخص آخر ، يوقعه في فتنة.

التنبيه على وجه الاحتراز ، إذا شعر المتحدث إن كلامه سوف يؤدي بالبعض إلى فهم خاطئ ، أو إضافة غير صحيحة عليه، أو أن هنالك استنثاء في أصل المسألة.

وكلما كان كلام المتحدث أو الكاتب مرغوبا فيه، ومما يتلقفه الدعاة: كلما دعت الضرورة أكثر من الحذر في العبارات، والتنيبه عما قد يحصل من الفهم الخاطئ، أو التفسير السيء حفظاً للمصلحة ، فليس هنالك ما هو أسوأ من زلة العالم في اختلاف العقول وتباين الأفهام.

*التمهيد للحكم أو القول المستغرب بما يوضح ذلك ، ويدفع السوء ، حتى لا يسبب مفسدة قبل استكمال الجواب، وحتى تتنبه النفوس للسماع الكامل ، وحتى يرجع صاحب الغفلة إلى الانتباه فلا يقع في الوهم.

( إذا كان الحكم مستغرباً جداً مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه ، فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذناً به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه ، فتأمل ذكره سبحانه قصة ذكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة .. والمقصود أن المفتي جدير أن يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يؤلف مقدمات تؤنس به ، وتدل عليه ، وتكون توطئة بين يديه).

ومثل هذا تكثر الحاجة إليه وسط الدعاة ، كالإفتاء في بعص السائل التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، أو الخروج عن المألوف من الأحكام لمصلحة شرعية، أو لضرورة ، أو التشديد في أحكام أخرى سداً للذريعة، أو بعض الفتاوي التي تصح في دار الكفر دون دار الإسلام ، أو الأخذ بالأحوط حيناً وبالأيسر حينا آخر.

*إعطاء الجواب على قدر فهم السائل، ولذلك قيل: أن معرفة الناس ضرورية ، وتعرف هذه من قرائن الأحوال ، فجواب سؤال العالم ليس كسؤال العامي، والجواب اللازم للداعية الملتزم ليس كجواب من كان جديرا على العمل الإسلامي، وجواب الباحث عن المعرفة ليس كمن يريد إفحاما وتعريضا ، والإجابة في الجمع ليس كالإجابة لفرد يمكن النظر إلى حاجته ومقصده ، ولهذا اعتبر هذا المنهج من ملامح البلاغة ، فاشترط للبليغ:

( أن لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ، ولا الملوك بكلام السوقة).

ولما ذكرنا بعض خصائص الإجابة التي تجب على الداعية الخطيب أو الكاتب ، أو عموم أحاديث الدعاة من الشيوخ والمربين، فليس من نافلة القول أن نذكر ملخصا للمواضع التي يكره فيها السؤال ، تعليماً للدعاة وتربية لهم وتنبيها ، وأولى المسلمين بالالتزام بها: جمهرة الدعاة على اختلاف مستوياتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ