النفوس البشرية ضعيفة تحوي في داخلها مشاعر وعواطف، يجذبها المعروف، وتحب الأنس والتواضع، وتكره التعالي والتكلف، وتأنف الجفاء والعبوس وتقطيب الجبين. والتبسط وإزالة الحواجز بين المربي والمتربي كفيل بإيجاد بيئة مطمئنة تساعد في تسارع التعليم، وتطور التربية، واتساع مساحتها بشكل واضح، والناظر في هدي النبي –صلى الله عليه وسلم- يجد ذلك واضحاً، ويرى الأثر الكبير الذي يحدثه هذا الأسلوب في النفوس.

     - كان الرجل يأتي إلى مجلس رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لا يحجبه عنه بوابون يقول جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه -: «ما حجبني رسول الله منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي»(1). وكان –صلى الله عليه وسلم- ربما أتاه الرجل لا يعرفه وقد أخذه الفزع يظن أنه يقدِم على الملوك، فيهون النبي –صلى الله عليه وسلم- عليه ذلك؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «أتى النبي –صلى الله عليه وسلم- رجل فكلَّمه فجعل ترتعد فرائصه فقال له –صلى الله عليه وسلم-: هوِّن عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد»(2).

     بل لقد كثر توارد الناس على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- «حتى كان آخر حياته يصلي جالسًا لما حطمه الناس»(3). إن الناس لو كانوا يجدون وحشةً من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لم يكونو يأتونه بهذه الجرأة ولا بهذه الكثرة. وحين يكون الوصول إلى المعلم أو المربي من الصعوبة بمكان فإن حلقات من التربية والتعليم في حياة المتعلم والمتربي ستكون مفقودة لصعوبة الاتصال.

إن الناظر في هدي النبي –صلى الله عليه وسلم- وسيرته يرى صورًا كثيرةً من تبسُّطه –صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه مع كثرة أشغاله وجدية حياته، إنه مع ذلك يجد فرصة للمزاح معهم ومخالطتهم والدخول في أحاديثهم واستشارتهم وتسليتهم ومواساتهم. وإليك شيئاً من هديه –صلى الله عليه وسلم- في ذلك:

     - عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال في خطبة له: «إنَّا والله قد صحبنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير»(4).

     - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: «إنْ كان النبي –صلى الله عليه وسلم- ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»(5).

     - روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: «أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خرج بالناس قبل غزوة تبوك؛ فلما أن أصبح صلى بالناس صلاة الصبح، ثم إن الناس ركبوا؛ فلما أن طلعت الشمس نعس الناس على أثر الدلجة، ولزم معاذ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يتلو أثره... ثم إن رسول الله كشف عنه قِناعه، فالتفت فإذا ليس من الجيش رجلٌ أدنى إليه من مُعاذ فناداه، فقال: يا معاذ، قال: لبيك يا نبي الله، قال: أُدْنُ، دُونَكَ! فدنا منه حتى لَصِقت راحلتاهما إحداهما بالأخرى. فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ما كنت أحسب الناس مِنَّا كمكانهم من البُعد، فقال معاذ: يا نبي الله، نعس الناس، فتفرقت بهم ركابهم ترتع وتسير، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: وأنا كنت ناعساً. فلما رأى معاذ بُشرى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وخلوته له قال: يا رسول الله، ائذن لي أسألك عن كلمة قد أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني! فقال نبي الله –صلى الله عليه وسلم-: سلني عمّا شئت.... "الحديث(6). بالتأكيد إن هذا السؤال عند معاذ كان حبيساً في نفسه منذ زمن، حتى إذا رأى انبساط النبي –صلى الله عليه وسلم- ورأى البِشْر في محياه استدعاه ذلك إلى سؤال النبي –صلى الله عليه وسلم-؛ فكم في نفوس أبنائنا وطلابنا من أسئلة وإشكالات ومشاكل لو وَجَدت نفسًا بسيطة وقريبة لا يجد المتربي أو المتعلم أدنى كُلفة في التعامل معها، أو نفسًا منبسطة تجذب الناس إليها، وحين لا يجد المتربون والمتعلمون هذه النفوس فلا شك أنهم سيبحثون عن نفوس أخرى!

     - وعن سِماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة - رضي الله عنه -: كنت تجالس رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم! كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الفجر جلس في مصلاّه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون الجاهلية، ينشدون الشعر ويضحكون، ويبتسم رسول الله –صلى الله عليه وسلم-(7).

     - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: « كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من أفكه الناس»(8).

     قال مرعي بن يوسف الكرمي - رحمه الله - في كلامه عن المزاح: (.. اعلم - أيدك الله-، أنه لا بأس بالمزاح الخالي عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحمتهم، بل بين الإخوان أهل الصفاء بما لا أذى فيه ولا ضرر، ولا غيبة ولا شَيْن في عرض أو دين، بل ربما لو قيل: يُندب، لم يبعُد، إذا كان قاصداً به حسن العُشرة والتواضع للإخوان، والانبساط معهم، ورفع الحشمة بينهم، من غير استهزاء أو إخلال بمروءةٍ أو استنقاص بأحد منهم)(9).

أفـد طبعك المكدود بالجد راحــةً       يجـم وعلِّلــه بشيء مـن المـــزح

ولكن إذا أعطيتـــه المـزح فليكن       بمقدار ما تعطي الطعام من الملح

     - وحين ندعو إلى الانبساط وإزالة الحواجز مع المتعلم أو المتربي فلسنا نقصد بذلك أن يذوب المربي في شخصية المتربي، أو يذوب المعلم في شخصية المتعلم. مع العلم أن الذوبان وذهاب المهابة لا يقع إلا حين يتخلى المعلم أو المربي عن شخصيته الحقيقية ودوره الحقيقي، وعندها يتحول هذا الأسلوب (الانبساط وإزالة الحواجز) عن كونه سبباً لتحقيق أهداف التربية والتعليم إلى كونه شهوةً ورغبةً وإيناساً للنفس وموافقة للطبع لا غير.

الإقناع:

     الأصل أن يربى الناس على التسليم للأوامر بالفعل وللنواهي بالترك، لكن بعض النفوس أحيانًا قد تكون شاردة تعيش حالة من التصميم حتى ولو كانت على خطأ، ولا يوقظ هذه النفوس إلا شيء من الإقناع، بردِّها للجادة، وتأكيد معاني الخير فيها.

     - روى البخاري(10) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً أتى النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، وُلِدَ لي غلام أسود، فقال: "هل لك من إبل؟ قال: نعم! قال: ما لونها؟ قال حمر. قال: هل فيها من أوْرق؟ قال: نعم! قال: فأنَّى ذلك؟ قال: نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق». والملاحظ هنا في الإقناع النبوي الاستفادة من البيئة المحيطة، وكذا الاستفادة من البدهيات التي يؤمن بها المحاوَر، وهذا في حد ذاته من مؤكدات الإقناع.

     - أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: "إن شاباً أتى النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مَهْ مَهْ! فقال: ادنه! فدنا منه قريباً. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا، والله! يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه؛ فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء»(11).

     إن النبي –صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث لم يكتفِ بدرجةٍ قليلة من الإقناع، بل مارس معه تأكيد الإقناع - إن صح التعبير - وكان يكفي قوله: أتحبه لأمك، لكنه عدد محارمه زيادة في الإقناع، ودلالة على أن ما قد يأتي من النساء لا تخلو أن تكون أمًا لأحدٍ أو بنتًا أو عمة أو خالة.

     وفي المسند عن أبي حذيفة عن عدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا عدي! أسلم تسلم» قلت: إني من أهل دين. قال: «أنا أعلم بدينك منك» فقلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: «نعم! ألست من الرَّكوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟» قلت: بلى! قال: «فإن ذلك لا يحل لك في دينك» قال: فلم يعْدُ أن قالها فتواضعت لها، قال: «أما إني أعلم ما الذي يمنعك عن الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب؛ أتعرف الحِيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فوَ الذي نفسي بيده! ليُتِمَّنَ اللهُ هذا الأمرَ حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتُفتحَن كنوز كسرى بن هرمز» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم! كسرى بن هرمز، وليُبذلن المال حتى لا يقبله أحد»(12) الحديث.

     تأمل قوله –صلى الله عليه وسلم- «أنا أعلم بدينك منك» فهو يحمل إشارة إلى أن من يقوم بالإقناع ينبغي أن يكون واسع المعارف كبير الفهم. وتأمل قوله –صلى الله عليه وسلم-: «إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام..» فيه إزالة الموانع وتفتيت الحواجز ودحض الشبهات التي تقف أحيانًا كثيرة أمام رقي المتعلم والمتربي.

     - وعند البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أخذ الحسين بن علي - رضي الله عنه - تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه فقال –صلى الله عليه وسلم-: «كِخْ، كِخْ» ليطرحها، ثم قال: «أما شعرتَ أنَّا لا نأكل الصدقة؟»(13).

     يا ترى كم كان عمر الحسين بن علي - رضي الله عنه - وقتئذ؟ لقد مات النبي –صلى الله عليه وسلم- وعمر الحسين لم يجاوز الثامنة؛ ومع ذلك خاطبه –صلى الله عليه وسلم- خطاب الكبار، ومارس معه الإقناع؛ فكأنه يقول له: أنا لم أخرجها من فمك شُحًّا أو طمعًا أو أن فيها ضررًا عليك - لا.. إن السبب أنَّا لا نأكل الصدقة.

     حين تجد مع ابنك صورة محرمة أو تجد عليه لباسًا بعيدًا عن روح الإسلام؛ فإن جلسة إقناع تؤكد فيها شخصية المسلم وتميُّزه كافية في التغيير بإذن الله، وعلى أقل تقدير كافية في هز القناعات السابقة وزعزعتها، وهذا سيجعل فرصة التخلي عنها في المستقبل أكبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري (3035).

(2) ابن ماجه (3312)، وصححه الألباني.

(3) رواه مسلم (732).

(4) رواه أحمد (504) وصحح إسناده أحمد شاكر.

(5) رواه مسلم (2150).

(6) رواه أحمد (5/245).

(7) رواه النسائي، شرح السيوطي (3/ 80 - 81).

(8) كنز العمال (18400).

(9) غذاء الأرواح بالمحادثة والمزاح، لمرعي الكرمي، ص 28.

(10) رواه البخاري (2633).

(11) رواه أحمد (5/256).

(12) تفسير ابن كثير، سورة التوبة عند قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ الله﴾ [التوبة: 32].

(13) رواه البخاري (1491).