فهد عبدالعزيز

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.. أما بعد:

فالإنسان لا يمكن أن يعيش وحده، فلا بدّ له من الاجتماع والاختلاط مع الناس، وإذا وفق الله عز وجل العبد كان اجتماعه مع الناس وفق شرع الله، ويكون ذلك من خلال أمور وردت في النصوص، وفي كلام أهل العلم، وهذا شيء منها:

التعامل مع الناس رجاء ثواب الله

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافئتهم، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم، وقال رحمه الله: وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى.

ألا يطلب منهم جزاءً إذا أحسن إليهم فالله جل جلاله هو الذي منَّ عليه بذلك

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ويعلم أن الله قد منَّ عليه بأن جعله محسناً، فيرى أن عمله لله وبالله.... فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء، ولا شكوراً، ولا يمنُّ عليه بذلك، فإنه قد علم أن الله هو المان عليه، إذ استعمله في الإحسان، فعليه أن يشكر الله، إذ يسره لليسرى.

أن يستر عيوبهم فيستر الله عليه

عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ) [متفق عليه] قال العلامة ابن باز رحمه الله: هذا هو المشروع: إذا رأى الإنسان من أخيه في الله عورة، يعني معصية فلا يفضحه ولا ينشرها بين الناس، بل يسترها عليه، وينصحه ويوجهه إلى الخير، ويدعوه إلى التوبة إلى الله من ذلك، ومن فعل هذا وستر على أخيه، ستره الله في الدنيا والآخرة، لأن الجزاء من جنس العمل، أما الذين يظهرون المعاصي ولا يستحون يظهرونها بين الناس، فهؤلاء فضحوا أنفسهم، فليسوا محلاً للستر.. ليس محل الستر من أظهر فاحشته وأعلنها، نسأل الله العافية"

قال أحد السلف: أدركتُ قوماً لم يكن لهم عيوب فذكروا عيوب الناس فذكر الناس لهم عيوباً وأدركت قوماً كانت لهم عيوب فكفوا عن عيوب الناس فنُسيت عيوبهم.

عدم فعل عبادة رجاء مدحهم أو خوفاً من ذمهم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا تفعل شيئاً من أنواع العبادات، والقُرب لأجلهم، رجاء مدحهم، ولا خوفاً من ذمهم، بل ارج الله، ولا تخفهم في الله، فيما تأتي وما تذر، بل افعل ما أُمرت به، وإن كرهوه.. فإذا أرضيتهم بسخط الله، لم تكن موقناً لا بوعد الله ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله، لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته، من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله، نصرك ورزقك وكفاك مئونتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفاً منهم، ورجاء لهم، وذلك من ضعف اليقين، وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلوه معك، فالأمر في ذلك إلى الله، لا لهم، فإنه ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن.

أن يحبَّ لهم ما يُحبُّ لنفسه

قال ابن عباس رضي الله عنه: إني لآتي على الآية من كتاب الله، فلوددت أن الناس يعلمون أكثر مما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين، في أي أرض يعدل في رعيته، فأفرح به، ولعلي لا أتحاكم في قضية واحدة، وإني لأسمع أن الغيث أصاب بلداً من بلدان المسلمين، فأفرح به، ومالي به من سائمة.

العدل معهم وإن كان يبغضهم

قال سبحانه وتعالى: { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [المائدة:8] قال ابن كثير رحمه الله: أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم"

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: أفاء الله عز وجل خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا عليه، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبدالله بن رواحه، فخرصها عليهم، ثم قال لهم:( يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخلق إليَّ، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بُغضي إياكم، على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض قد أخذنا فاخرجوا عنا )[أخرجه أحمد]

الرفق في التعامل معهم

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: مُلاطفة الخلق، وهي مُعاملتهم بما يُحبُّ أن يُعاملوه به من اللطف، ولا يُعاملهم بالعنف والشدة والغلظة، فإن ذلك ينفرهم عنه، ويُغريهم به، ويفسدهم عليه قلبه وحاله مع الله ووقته، فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف، فإن مُعاملة الناس بذلك، إما أجنبي فتكسبُ مودته ومحبته، وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته، وإما عدو ومُبغض فتُطفئُ بلطفك جمرته وتستكفي شره.

عدم مؤاخذة الغضبان بما يصدر منه

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: متى رأيت صاحبك قد غضب، وأخذ يتكلم بما لا يصلح، فلا ينبغي أن تعقد على ما يقوله خنصراً، ولا أن تؤاخذه به، فإن حاله حال السكران، لا يدري ما يقول، بل اصبر لفورته، ولا تعول عليها، فإن الشيطان قد غلبه، والطبع قد هاج، والعقل قد استتر، ومتى أخذت في نفسك عليه، أو أجبته بمقتضى فعله كنت كعاقل واجه مجنوناً، أو كمفيق عاتب مغمى عليه، فالذنب لك، بل انظر بعين الرحمة، وتلمح تصريف القدر له، وتفرج في لعب الطبع به، واعلم أنه إذا انتبه ندم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر. ومتى سمعت منه كلمة قذعة فاجعل جوابها كلمة جميلة، فهي أقوى في كفِّ لسانه، فإن لم تطق فهجر جميل،.. عدوك إن بالغ في السب فبالغ في الصفح، تنب عنك العوام في شتمه، ويحمدك العلماء على حلمك، وإنما يقع هذا، ممن يري أن تسليطه عليه، إما: عقوبة على ذنب، أو رفع درجة بالابتلاء، فهو لا يري الخصم وإنما يري القدرة...وقد روي عن بعض السلف أن رجلاً شتمه فوضع خده على الأرض، وقال: اللهم اغفر لي الذنب الذي سلطت هذا به عليّ.

كتم أسراره عنهم

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر، عاتبوا من أخبروا به، فواعجباً كيف ضاقوا بحبسه ذرعاً، ثم لاموا من أفشاه، وفي الحديث (استعينوا على قضاء أموركم بالكتمان) فإن قال قائل: إنما أحدّثُ من أثق به، قيل له: وكل حديث جاوز الاثنين شائع، وربما لم يكتم صديقك...والرجل الحزم الذي لا يتعداه سره، ولا يفشيه إلى أحد، وستر المصائب من جملة كتمان السر، لأن إظهارها يسرُّ الشامت، ويؤلم المُحب.

العفو عنهم

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: العفو من المخلوق ظاهره ضيم وذلّ، وباطنه عزّ ومهابة، والانتقام ظاهره عزّ، وباطنه ذلّ، فما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ولا انتقم أحد لنفسه إلا ذلّ، ولو لم يكن إلا بفوات عزِّ العفو، ولهذا ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط...والعفو من أخلاق النفس المطمئنة، والذلّ من أخلاق الأمارة.

عدم إظهار العداوة لمن أظهر عداوته منهم

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: مما أفادتني تجارب الزمان، أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحداً، ما استطاع، فإنه ربما يحتاج إليه، مهما كانت منزلته، واعلم أن المظاهرة بالعداوة، قد تجلب أذى من حيث لا يعلم، لأن المظاهر بالعداوة، كشاهر السيف ينتظر مضرباً، وقال رحمه الله: وإذا أبغضت شخصاً، لأنه يسوءك، فلا تظهرن ذلك، فإنك تنبهه على أخذ الحذر منك، وتدعوه للمبارزة، فيبالغ في حربك، والاحتيال عليك، بل ينبغي أن تظهر له الجميل، إن قدرت، وتبره ما استطعت، حتى تنكسر معاداته، بالحياء من بغضك.

عدم التعامل مع الناس بكبر

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الكبر أثر من آثار العجب، والبغي من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم...نظرُه إلى الناس شزر، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار، لا الإيثار ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهاً، لا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن ردَّ عليه، رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقُه، لا يري لأحدٍ عليه حقاً، ويرى حقوقه على الناس، ولا يري فضلهم عليه، ويري فضله عليهم، لا يزداد من الله إلا بُعداً، ولا من الناس إلا صغاراً وبغضاً.

الصبر على أذاهم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الإنسان... لا بدَّ له من أن يعيش مع الناس، والناس لهم أرادات وتصورات، يطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، فمن هداه الله وأرشده، امتنع من فعل المحرم، وصبر على آذاهم، وعداوتهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما جرى للرسل وأتباعهم، مع من آذاهم، وعاداهم مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ابتلي من علمائها وعُبادها وتجارها ووُلاتها.

اعتزالهم في الشّر وفضول المباح

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: مخالطة الناس وخصوصاً العوام...ينسي الرحيل عن الدنيا، ويجلب الكسل عن الطاعة، والبطالة، والغفلة، والراحة، فيثقل على من ألف مخالطة الناس، التشاغل بالعلم، أو بالعبادة، ولا يزال يُخالطهم حتى تهون عليه الغيبة، وتضيع الساعات في غير شيء، وقال رحمه الله: ما رأيت أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح، فإن الطبع يسرق، فإن لم يتشبه بهم، ولم يسرق منهم فتر عمله، وقال الإمام ابن القيم رحمة الله: والضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير...ويعتزلهم.. في الشر وفضول المباحات،... وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله، إن أمكنه، ويشجع نفسه، ويقوي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له في ذلك.

الاستغناء عنهم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية أعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم، مع الاستغناء عنهم، كنت أعظم ما يكون عندهم ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم.

ــــــــــــــــــ