غنية عبدالرحمن

جدد رضاك: وسط قتامة التذمر والتسخط السائدة في زمن الشحّ الروحي، يطلّ الرضا بومضات مشرقة تسعد النفس والروح وتقدم طمأنينة لنفوس أرهقها اللهاث وراء سراب سعادة! إذ بافتقاد الرضا أنت تشعر أنه ينقصك شيء لا تدري ماهيته بالضبط.. تشعر كأن هنالك بقع قاتمة في فؤادك وأخرى ناقصة التهوية في رئتيك لا يصلها (o2) الأكسجين! وهذا أشد؛ وبالمقابل منذ نعومة أظفارنا نعلم أن الرضا شئ جميل، فكان من دعاء أهلنا كلما عملنا عملا طيبا: "الله يرضى عليك".. وكان يعجبني قول جدتي: "الله يكلِّـلك بالرضا" فأتخيلني كالأميرة! وفي هذا المقال نتعاون لبلوغ هدف: هو تحقيق المعادلة بأن نكون ويكون أبناؤنا من الذين {رَضيَ اللهُ عنهُمْ ورضوا عنه}البينة:8.

أولا: معادلة الرضا(1):

تلك المعادلة أعلاه قد تبدو صعبة الحل: إذ.. من أنا حتى أرضى عن ربي..؟! ثمّ: كيف يرضى الله عني؟ وهل إذا حققتها تزول تلك الحالة السلبية التي تكبلني وترهق روحي؟!..؟! بلى تزول بإذن الله -ونبدأ بالسؤال الأخير-.. لأن الرضا راحة وشفاء! وإن تحقق تلك المعادلة من أعظم نعم الله تعالى على البشر وعلى أمتنا خاصة! وسرّ حلّها متاحٌ في دساتير ربانية من أبسطها قول رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (وما ينطق عن الهوى): "مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" رواه مسلم؛ فكيف يتمّ ذلك؟ يتمّ بجمع الآية والحديث:

1)عندما ترضى بالله ربّاً والإسلام ديناً وبمحمد نبياً يرضى الله تعالى عنك من عليائه ويضمّك لمن {رَضيَ اللهُ عنهُمْ}!

2) وعندما تعلم أنه تعالى بذلك أوجب لك الجنة.. وجوباً! تتملكك موجة رضى جديدة: فترضى لعظيم جود ربك ذاك، ولتيسيره وهداه وتقديره، وترضى بما أعطى وما منع! فتستتمّ فضلَه عليك بأنك من الذين {رَضيَ اللهُ عنهُمْ ورضوا عنه}، وفوق ذلك فأنت تعزّز رضاك به سبحانه ربّاً وبدينه ونبيه ليبلغ مداه وتبذل جهدك لتحققه عملياً؛ وذلك هو الرضا العام(2) الذي لابدّ منه للمسلم، والذي يلتقي عليه المسلمون باتساع التاريخ والجغرافية: قال تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾100التوبة، وهو مرجع رضانا الخاص في جميع شؤوننا وشجوننا، جعلنا الله من {الذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}.

ثانيا: كيف أحقق القول "رضيت بالله رباً.. "بالعمل وأنتقل للرضا الخاص:

1)لابد لتحققه في زمن العوج من سبل قويمة أهمها:

*/العمل على بيّنة بتمييز الرضا عن الخنوع وتبيُّن الفرق الشاسع بينه وبين التخاذل؛ لأنك حتى تكون ممن رَضيَ اللهُ عنهُم فأنت مبادرٌ وعاملٌ وعندما ترضى "بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا" فأنت عزيز بعزة الله وعزّة دينك ونبيك، حرٌّ لا يستعبدك بشر أو عرض، سويّ مرفوع الرأس لا تمشي مكبّاً على وجهك (وهو النموذج المذموم في القرآن: سورة الملك22)؛ وإن مفتاح رضاك الخاص المتوافق مع كرامتك وعزتك: هو العمل بما يرضي الله ابتغاء خيري الدنيا والآخرة؛ ووجدتُ الرضا بالمجمل هو: القبول بقناعة ولكن مع كرامة وسعادة؛ وأنَّ تعريف الرضا الخاص أنه السعادة لرضاك العام فلنطلبهما من رب العزة: الرضا والعزة معاً.. اللهم رضّنا.. وأعزّنا بعزتك!

*/ العمل بدواعي الرضا العام لتحصيله، وبمقتضاه لضمان استمراره ومعه الرضا الخاص :

-       ومن دواعيه التي تمهد وتؤسس له ألا تخالف الفطرة السليمة، والإسلام دين الفطرة، فأنت بها مقرٌّ بالنعمة وحامد لفضل المنعم، مشمول بالسكينة له سبحانه والطمأنينة بأداء ما يرضيه واجتناب ماحرّمه، موقن بالمفردات الإيمانية كالصبر والتوكل والقنوت والصدق والتقوى..، وجماعها العبودية لله وحده(3)، وموئلها القلب السليم؛ والعلاقة متكافئة:

o     فالقلب السليم: من دواعي الرضا، كما أن الراضي يحتفظ بقلبه سليماً!

o     وقولك "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبيًّا" برهان ساطع على حفظك لسلامة الفطرة التي ولدت عليها، كما أن خصال الفطرة: مثل كونك هادياً مهتدياً، صابرا مطمئناً، متوكلاً حامدا.. هي من دلائل رضاك العام والخاص؛ *والله تعالى خصّ منها الطمأنينة فـ"النفس المطمئنة" ترجع إلى ربها {راضية مرضية} **ومن العلماء من خصّ التوكل بأنَّ الرضا الخاص أعلى منازل التوكل وأنه بالمقابل"من رَسَخ قدمُه في التوكل والتسليم والتفويض لله تعالى حصل له الرضا"(4)

-       ومن مقتضيات الرضا العام ليثبت ويؤدي للخاص، بعد ثباتنا على دواعيه (مرّ بعضها مع علاقتها المتبادلة مع الرضا)

2) قرن الإيمان بالعمل الصالح والإعداد وفعل كل ما من شأنه الإصلاح والتغيير للحسن (في العمل والكسب، والزواج والتربية والسفر والصحة والمرض..) فذلك لا يتنافى مع الرضا ولا مع "السبل القويمة" نحوه، ودائما الإيمان توأمه العمل.

3)وقرننا العمل الـمُرضي لله مع خشيته واتقاء ما يغضبه، فنرضى، قال تعالى {رَضيَ اللهُ عنهُمْ ورضوا عنه ذلك لمن خشيَ ربه} البينة8، فالرضا بنص القرآن مرتبط بخشية الله تعالى، وكأن من يخشاه يكافئه جلّ شأنه بأن يرضى عنه! وليس ذلك وحسب، بل ويرضيه، ومنه الدستور الأزلي: أنَّ تحقيقك الرضا العام ضمانة لتحقُّقِ الرضا الخاص.

4)لكنَّ أهم مقتضيات الرضا أن ترضى بنفاذ مشيئة الله فيما خالف مرادك ولو اتخذت له الأسباب، قال تعالى {وإن خفتم عَيْلةً فسوف يُغنيكم اللهُ منْ فضله إنْ شاء إن الله عليم حكيم}التوبة28 وفي الآية امتحان للنفس قد يواجهه كل منا، فإن تلكَّأَت نفسك وتذمَّرت فعالجها وأعِنْها -لتُغَلِّب تقواها-بمرتقيات مثل الصلاة والعيش مع القرآن (وكثيرة هي الآيات التي تمنحك الرضا ولو لم يرد فيها باللفظ)، وذكّرها أن رضاها بطلاقة المشيئة مما تبلغ به خير المنازل، وأنه بند رئيس من عهد كنت قطعته: الرضا بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وأن تخلف مرادها بواحدة يقابله تحققه بأضعاف ذلك من ثمار ما يرضاه لنا الرحمن من خير الدارين ومالا يرضاه لنا من سوء؛ وإنَّ الرضا بالمشيئة لجسر متين ومجازة تصل رضاك العام برضاك الخاص بما قدّر الله وبما رزق (مع اتخاذك الأسباب كما نوّهنا)، وهو دليل التقوى، وعندما ترضى بطلاقة المشيئة يرسل الله تعالى في روعك الطمأنينة لمطابقتها ما ينفعك ولو خفي عليك لأول وهلة .. وأنت بالمحصلة "لسوف ترضى" بكلمة الرحمن: قال تعالى في عبده الأتقى{ولسوف يرضى} الليل17-21!

ثالثا: المحافظة على الرضا:

بالعيش راضياً ستكتشف أن فقده بعد الحصول عليه محضُ شقاء! وإن من وسائل حفظه:

*/الذكر والتذكير بالرضا كما علمنا الحبيب: والذكر من أهم مرطبات اللسان النفسية والروحية، ومنه تكرار الرضا وجعله من الأذكار فقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من عبد يقول حين يمسي وحين يصبح: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا إلا كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة))(5)؛ وتخيّل أنك بذلك تملك هذا الحق: أن يرضيك الله يوم القيامة.. ما أضألنا ويرحمنا ويعطينا ويرفعنا.. على تقصيرنا وقلّة بضاعتنا!!

*/ الدعاء: سؤال الله تعالى الرضا مجتهدا أو مقتديا: بالحبيب في دعاء الاستخارة، وبدعائه صلى الله عليه وسلم ساجدا وهو قوله "اللهمَّ اعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبتكَ وَاعُوذُ بِكَ مِنْكَ لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيكَ أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفسِكَ" صح مسلم؛ وبدعاء الأخيار كقولهم: "اللهم لك الحمد حمدا طيبا مباركا كثيرا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا"(6)، وإن حَـمْدنا الله على كل حال يرضيه سبحانه ويجدد فينا الرضا والسلامة لقلوبنا في زمن تناقصت فيه السلامة للروح والنفس والبدن، مما يدعم الوسيلة التالية:

*/اتّقاء آفات الرضا وتجنّب موانعه: والوقاية خير من العلاج، كما أن التشخيص ومعرفة الآفات نصف العلاج:

-       ومنها الغرور وهو آفة الرضا بما فيه: الغرور بالعلم و الأسوأ الكبر وجحود الحق الذي يجعل بعض أدعياء العلم لا يرضون بتشريعات الخالق كقانون الإرث والتعدد وتحريم الربا.. فيفقدون الرضا عن أنفسهم! وكل يوم يدّعون المزيد..

-       وتجمعها أمراض القلب وعلامتها أن تشمئز قلوب هؤلاء من ذكره تعالى وأن يكرهوا ما نزّل الله.. بل ويكرهوا رضوانه قال الله تعالى {ذلك بأنهم اتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم أم حَسِبَ الذين في قلوبهم مرضٌ أن لَّن يُخرج اللهُ أضغانهم}سورة محمد 26-29، وهم المنافقون، فالنفاق من أسوأ أمراض القلب وعلاقته بعدم الرضا واتّباع ما يسخط الله تعالى متجذّرة.. وذلك الكره لرضوان الله تعالى يفضحهم! وهم حرفوا الرضا عن غايته حين جعلوها إرضاء الناس.. مما أخلّ بإيمانهم بل وجعله موضع شك، قال تعالى {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ}التوبة62!

-       تجنب آفات الرضا الخاص: هنالك من يقول أنا مؤمن، ورضيت بالله ربا والإسلام دينا، لكنني تعيس! وتجده لا يرضيه شئ! يتسخط ويتذمر من كل صغيرة وكبيرة !والمزيد من علامات منها:

* الشعور بالضيق والملل

*الطمع والحسد

*التنقيب عن السلبيات والعيوب في الذات والناس والمحيط (العمل مثلا)..

*ظاهرة التخبط النفسي والفكري التي تنتشر بين شبابنا مع الغزو الثقافي ورياح السموم..، وغيرها؛ وتلك الآفات مُعْدية مجتمعياً، ومهم أن نتدارك الوجود العابر لها كالتذمر الذي لا يكاد يسلم منه أحدنا والتسخط الذي نسأل الله ألا تنالنا عدواه؛ أما أن تتمكن منا وتنغص حياتنا فهو دليل على ثغرات في رضانا العام نفذت الآفات منها، والرضا كالإيمان يزيد وينقص، فعلينا معالجته وتمتينه ليصمد لغزوها فلا تحوّله قولا باللسان لا رصيد له.. والأسوأ تغييب حتى ذكره! بالمقابل فإن تمسّكنا بالرضا العام كمسلمين هو أقوى علاج لتلك الآفات المدمرة للرضا الخاص عند غيرنا من الذين قد لا يملكون رضاً سواه كما سنرى.

*/العطاء: والعلاقة بين العطاء والرضا وثيقة، فمن شروط قبول النفقة الرضا وطيب النفس للبذل (لذلك لا تقبل من منافق: التوبة 54)،كما أن العطاء بجميع أشكاله المادية والمعنوية (وحتى الابتسامة)، يمنح الرضا ويحفظه للطرفين الباذل والمتلقي ويمنحه لكل باحثٍ عن الرضا يرقبهما مقتديا.. فرضا العطاء ينتقل بالقدوة، ويطرد الخوف والحزن والله تعالى وصف أهله بأنهم {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}البقرة 274؛ وتدعو السعادة بذاك الرضا المعطي لتكرار البذل يروم أن تستمر، وتحمل على إكثار الحمد لله تعالى لانتصارنا على الشح وهو من أهم موانع الرضا؛ كما أن رضا العطاء وخاصة المعنوي يزيد حسن الخلق عند الطرفين (مثل كظم الغيظ وعدم الجهر بالسوء من القول)، أما مع التذمّر والتسخّط فلا يزيد شيء إلا أدرنالين الغضب(7)!

رابعاً: أطفالنا والرضا:

يحاط إنسان اليوم بكل ما من شأنه الحرمان من الرضا والإخلال بسلامة النفس والروح وذلك منذ الطفولة والتي لم تسلم ببراءتها من أذى المؤثرات الخارجية، دون أن ننسى دور الأخطاء التربوية في البيت والمدرسة: إذ يتعاضدان في الحسن.. والسيء! مثل إنقاص الرضا عن الذات عند الطفل، وتطوره لنقص الرضا عن المحيط والكون في سن اليفع والفتوة! وربما عن خالقه والعياذ بالله! وهنا الخطورة؛ وما أخوفني على الجيل الغض الذي قد يؤدي نقص تقديره للذات وشعوره بالفشل إلى الفشل حقاً في الدراسة أو العمل أو بناء الأسرة! فيسخط! لكن الطفل كما يقتبس مبكرا من الأهل والمربين عدم الرضا، فإن المقابل الإيجابي المشرق أنهم-لاسيما المؤمنين والراضين منهم- يُفعمونه بالرضا إيماناً وتصديقاً، ومشاعراً وعملا وانفعالا، وهم يعالجون مبكرا بالتربية القويمة والحدب والحنان والاحتواء ما قد يكون أصابه من مشاعر سلبية أو مُنيَ به من خسائر في رضاه!.. ومثلاً، فالوسائل المذكورة في البند السابق نتعلمها ونعلمها لأولادنا ونبتكر المزيد قياساً عليها فنذلّلها لهم بما يتناسب مع أفهامهم وقدراتهم، وهذه مسؤولية عظيمة.. وإنها لأمانة!

خامساً: مكافآت وثمار التحلّي بالرضا :

في حياتنا متلاطمة الأمواج، الرضا أعطية الرحمن لعباده الذين (رضوا عنه) وهو من رحمته التي كتبها على نفسه وهذه بعض ثمرات ومكافآت الرضا التي يصعب الإحاطة بها:

-       الرضا أحد تدابير الابتلاء، ويقي من البلاء ويرفع طاقة التحمل؛ فكأنه فاكهة المبتلين، ويرقون به بصبرهم فيكون مفتاحهم للجنة بدون حساب، وهو ما يزهون به يوم يأتي الساخطون المتذمرون ببضاعتهم المزجاة!! يقول صلى الله عليه وسلم برواية أنس بن مالك رضي الله عنه (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) رواه الترمذي وحسنه الألباني؛.. رحماك ربنا ألهمنا الرضا لا نسخط فنبوء بسخط!

-      الرضا أهم عوامل التوازن النفسي: يورث الرضا شعورا جميلا بالراحة النفسية ويهبنا الطمأنينة والسكينة في مواجهة الغزو الثقافي ورياح السموم، وإن الرضا العام للمسلم "بالله رباً وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا" يدعم الرضا الخاص ولو أضعفته بعض المآسي والظروف، فيحفظ صحة النفس ويسهم بشفاء أمراضها، روى طبيب مسلم وأستاذ طب نفسي أن من المصابين بمرض الاكتئاب تحت إشرافه من بلغ مرضهم حد الانتحار، وهو ما يفعله أمثالهم المصابين بهذه الدرجة عادة، وكان أحدهم يصارحه بنيته ثم يقول "والله لا يمنعني من الانتحار إلا أنني مسلم، والله حرمه علينا" !سبحان الله!

فكلامهم وعملهم أعظم برهان على أنهم -رغم المأساة التي يعيشونها- صدقوا الله برضاهم "بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا".. فصدقهم الله! وكان بهم رحيماً وثبتهم بالإيمان وصبّرهم، فرضوا! ووقاهم برضاهم من الانتحار فكانت مقاومتهم أصدق ترجمة عملية لرضاهم! مما ذكرني بقوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدْوانا وظلْماً فسوفَ نُصْليهِ ناراً}النساء (من 29-30) وكانت الثمرة نجاتهم من البلاءين: الانتحار (عقابيل مرضهم)، والنار {إنّ الله كان بكم رحيماً} بل وفتح تعالى لهم باب الشفاء بأسبابه التي منها زيادة مشعر الرضا لديهم!

-       تباع رضوان الله والطاعة: وتفسير الرضوان: الرضا الكثير، وما يرضاه الله من الإيمان والطاعة(8) فاتباعه يقوي ويجدد إيماننا وأنا أطيع الله لأنال رضوانه.. فيثبتني على الطاعة ويبغضني بالمعصية وأنجو: قال الله تعالى {أفمن اتّبَعَ رِضوانَ اللهِ كمن باءَ بِسخطٍ من الله ومأواه جهنّم وبِئْسَ المصير}آل عمران 162، وإن المؤمن الراضي ليسعده اتباع رضوان الله..

-       الرضا ميزان كاشف: سبحان الله! فمن ثمراته التفريق بين الصالح والطالح.. بين الصادق والمنافق، ففقراء المهاجرين الذين قد لا يعجب مظهرهم الناظر.. استحقوا تشريف المولى في التنزيل بأنهم {الصادقون}..لماذا؟ لابتغائهم رضوان الله وفضله، قال تعالى {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون}الحشر8، صغرت الدنيا في أعينهم.. خسروا ديارهم.. وأموالهم على فاقتهم لها! لكنهم غلّبوا رضوان الله وكان جلّ همهم نصر الله تعالى ورسوله! بينما المنافقين فضحتهم لعاعة.. وشتان! فقال تعالى فيهم: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون}التوبة 58، واليوم المنافق الذي قد يعجبنا مظهره يفضح نفسه بتسخط النعمة! بعدم الرضا فيما كتبه الله ورسوله، ولو تخفى بلبوس مموه!

-       من ثمرات الرضا ردم هوة الشقاق في أي خلاف قبل أن يكبر، فعندما تكون شخصيتك راضية في حياتك فأنت لا تتتبّع الهفوات والعيوب بل وتغلّب حسن الظن وتلتمس الأعذار لترضى، وإن الحياة جد قصيرة حتى نمضيها بالغضب والجحود المفضيان للشقاق، وفي الرضا علاج الغضب.. بل الوقاية منه ابتداء، قال الشاعر

وتغضب حتى إذا ما ملكتَ *** أطعتَ الرضا وعصيتَ الغضب

-       وأهم ثمراته الفوز بالجنة : ونذكر بقوله تعالى للنفس المطمئنة {ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}الفجر 27-30 سبحان الله !! ونعم المدخل والأجر! وما أعظم فضل الله تعالى على من اطمأن لرضا ربه ورضي! ونذكر بقول الحبيب صلى الله عليه وسلم وقد مر "مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ"! وقوله لمن يقولها حين يمسي وحين يصبح "كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة"! تأمل!! الله أوجب لك الجنة.. وجوباً! بل وكتب على نفسه أن يرضيك يوم القيامة حين ترضى! رباه اغفر لي..وألهمني العمل بما يرضيك..! ومن أنا في ملكوتك!

سادساً: الرضا من وجهة نظر طبية:

في بحثهم عن بواعث التعاسة المفضية في مجتمعات الغرب للانتحار والإدمان أثبت الطب النفسي أن من أهمها نقص الرضا، ووجدت الدراسات التي تركّز على العلاج السببي أن الشعور بالرضا له نظام تحكّم داخلي (فيما يشبه تنظيم الحرارة والضغط الدموي في الجسم) يُبقي على نسبة رضا لا تقلّ عند الإنسان العادي عن 70-80% حتى يتحقق شعورنا بالانسجام مع أنفسنا، ونتجنب التعاسة(9)؛ فإذا نقصت النسبة عن الحدّ الأدنى تدرج الوضع هبوطا من التذمر الى التسخط إلى التشتت الفكري والمادي، وربما الضياع، فتتدهور العلاقة مع كل من الذات الآخرين؛ وتشتد الحالة المرضية كلما اشتد هبوط "ثابتة الرضا" لدرجة الفشل وعدم الجدوى، وقد تبلغ إيذاء الذات أو الآخرين، أو الإدمان على ما يتلف الصحّة والنفس والعقل، وفي الحالات الأسوأ للإكتئاب الخطر والانتحار، وتتزايد حالات عدم الرضا إحصائياً في الدول المتقدمة، أتناول أخف درجة منها لأنها منطقة مشتركة بيننا وبينهم وهي: سيطرة النمط الاستهلاكي للعيش ومفعوله في استمرار تدهور الرضا؛ وهو نمط بدأ يسود مجتمعاتنا لحوقاً بالغربيين الذين بينت تقاريرهم خطر الاستسلام له كتعويض وهمي عن نقص الرضا، وهو يقود غير الراضي(ولو كان دخله محدوداً):

-       لتغيير الطعام، والملابس، وأثاث البيت، والأجهزة الذكية والغبية، والألعاب.. درءاً للملل ولتعويض نقص الرضا!

-       يلي ذلك اللهاث لإشباع شهوة الشراء كما تسمى مما يدخله في حلقة مفرغة: حيث يزيد تذمره وعدم رضاه كلما زاد شراؤه لما لا يلزمه، وينشأ الصغار على ذلك فيشبّون فاقدين للرضا ويزيد بحثهم المحموم عن المال لاقتناء المزيد متخلّين أحياناً (وربما غالبا)عن المبادئ الأخلاقية! وما ينطبق على شهوة الشراء ينطبق على المتع الأخرى بما فيها المحرم ابتداء!

في الختام:

إن تحقيقنا الرضا اليوم لن يكون سهل المنال ونحن نتبع من فقدوه شبرا بشبر! والمؤسف تضاؤل الرضا بيننا حتى بنعم الله تعالى فما بالك بالابتلاء! قال تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه}الإسراء 83، ولقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من أشراط الساعة "أن يُعطى الرجل ألف دينارٍ فيتسخطها" وصححه الألباني(10)، وهو وصف عجيب لذروة التذمر وأسوأ درجات عدم الرضا وكأن الحبيب بيننا اليوم! في مجتمعاتنا! وهذا يصب في عدم شكر الله تعالى والذي لغفلتنا يفقدنا استحقاق النعمة فلا تدوم! علاوة على أنه-في موضوعنا- يضعف، وقد يقطع، الوشيجة بين الرضا العام والخاص والتي لا قيام للرضا الخاص إلا بها! ويهدد بتحول الرضا العام لقول لا يصدقه عمل! جعلنا الله وإياكم عباداً شاكرين؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــ

1) الرضا بالشيء لغة القناعة، وتكتب "الرضا" غالبا بالممدودة وكذلك جاءت في مختار الصحاح للرازي، وتكتب أحيانا "رضى"

2) وقالوا في الرضا العام أنه لا يصح التدين بدين الإسلام إلا به، وفي تفسيره أن "رضا العبد عن الله ألا يكرَهَ ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرًا لأمره، ومنتهيًا عن نهيه "الراغب الأصفهاني

3) والمعنى الشامل أن العبادة لله تعالى هي "كل ما يحبه الله ويرضاه من قول أو عمل" ومنها الشعائر؛ رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ ط المكتب الإسلامي1963؛ بمقدمة الأستاذ عبدالرحمن الباني.

4) التوكل على الله: كيف ولماذا (مقال في استعادة التوكل في زمن صعب)    

5) قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله" رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وحديث "ما من عبد يقول حين يمسي وحين يصبح" رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم.

6) هذا الدعاء جزء من خطبة للحسن البصري كما ذكرها ابن القيم (رحمهما الله تعالى) في كتابيه: (عدة الصابرين) و(مدارج السالكين)

7) ويجمع العطاءين المادي والمعنوي قول الحبيب الصحيح "اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فإن لم يجد فبكلمة طيبة"

8) وقال الشيخ السعدي في تفسير رضوان الله: ما يقربهم إليه، ويدنيهم منه، وانظر كلمات القرآن للشيخ حسين محمد مخلوف وتفسير البغوي وفتح القدير (مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود: هنا

9) كتاب الثابت والمتغير-د.غنية عبدالرحمن النحلاوي-دار الفكر-دمشق

10) صحيح الجامع الصغير ومطلع الحديث: "ست من أشراط الساعة موتي وفتح بيت المقدس أن يُعطى الرجل ألف دينارٍ فيتسخطها".

ــــــــــــــــــــــ