الحمد الله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه الأخيار الأوفياء، أما بعد:

أيها المسلمون، إن الواقع الذي يعيشه كثير من المسلمين اليوم - شعوباً وحكومات، أفراداً وجماعات- واقع مرير، أوصل بعض الناس إلى شيء من الإحباط وضعف الثقة بالله تعالى الذي بيده مقاليد أمور الخلق.

فاحتاج هؤلاء - بل نحتاج جميعاً - إلى وسائل تجذر الثقة بالله تعالى والركون عليه وحده في قلوبنا الذي هو خالقنا ورازقنا، ومالك أمرنا كله وبيده حياتنا ومماتنا.

فمن تلك الوسائل التي تقوي الثقة بالله في قلب المسلم: العلم بالله تعالى عن طريق النظر والتفكر في أسمائه وصفاته، وفي مخلوقاته وصنعه عز وجل في خلقه، والعلم بقضائه وقدره وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا) [1].

وكذلك العلم بدين الله تعالى عن طريق القراءة في القرآن والسنة وسؤال العلماء الناصحين عما لم يفهم منها؛ فإن ذلك يورث المسلم البصيرة والنور في معضلات الحياة.

ومن وسائل تقوية الثقة بالله تعالى: التحلي بالصبر؛ فإن الصبر مفتاح الفرج، وعلاج للألم، وبوابة للأمل، فمن صبر ظفر، فالحال السيئة لا تدوم، وتغييرها يسرع إليها أكثر من إسراعها لأهل العافية منها، وكلما اشتد الهم وتواترت المشقات آذانت بانفراج قريب كالليل الذي تتكاثف ظلماته عند اقتراب الفجر، فإذا وصل المسلم إلى اليقين بهذه الحقائق نمت الثقة في قلبه نماء راسخاً.

قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾ [الشرح: 5-6].

ومن الوسائل الناجعة لتقوية الثقة بالله تعالى: الإقبال على الله تعالى والتضرع بين يديه والإلحاح عليه بالدعاء؛ فإن المسلم إذا عاش مع الدعاء صادقاً فيه مكثراً منه وثق قلبه واطمأنت نفسهن وقوي بالله وحده يقينه.

أيها المسلمون، إن الثقة بالله تعالى كنز عظيم، إذا ظفر به المسلم وصل إلى الراحة وذهاب القلق والهموم والغموم، وزاد إيمانه وكثر إحسانه، واستمر في اللجوء إلى الله تعالى، وانتصر على عدوه وغلب الماكرين به؛ لأن الثقة بالله تعالى من أمضى الأسلحة وأقوى العُدد الناجحة.

قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 60].

جاء عن بعض المفسرين أن من معاني القوة في الآية: الثقة بالله تعالى.

فعلينا-معشر المسلمين- أن نكون واثقين بالله تعالى في إصلاح أحوالنا وذهاب آلامنا وتحقق آمالنا الخيّرة، فالليل المظلم عما قريب يدركه الفجر الصادق.

يا صاحب الهمّ إن الهم منفرج       أبشر بخير   فإن   الفارج   الله

إذا بُلِيتَ فثق بالله وارضَ به       إن الذي يكشف البلوى هو الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وهو صحيح.