الانسان في صراع مع نفسه حتى ينتصر عليه او ينتصر عليه , او يبقي الصراع قائما , والمعركة سجالا , الي ان يدركه الموت وهو على ذلك ( ونفس وما سواها * فالهما فجورها وتقواها * قد افلح من زكاها * وقد خاب من دساها ) والى هذا المعنى يشير الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا , فايما قلب اشربها نكت فيها نكت سوداء , وايما قلب انكرها نكت فيها نكتة بيضاء , حتى تصير على احد قلبين : على ابيض مثل الصفاة فلا تضره فتنة , والاخر اسود مربادا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا " . والناس في معركة النفس اصناف ثلاثة :

1- صنف انتصر عليهم اهواؤهم , فركنوا الي الارض , واخلدوا الي الدنيا , وهؤلاء هم الكفرة ومن نهج نهجهم ممن نسوا الله فانساهم انفسهم , ويصفهم الله تعالى في قرانه بقوله( أفرأيت من اتخذ الهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله افلا تذكرون) .

2- وصنف يجاهدون انفسهم , ويصارعون اهواءهم .. فينتصرون تارة وينهزمون اخري , يخطئون فيتوبون .. يعصون الله فيندمون ويستغفرون ( والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) وهؤلاء اشار اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله " كل نبي ادم خطاء , وخير الخطائين التوابون " .

ومما يروي في هذا المعني عن ( وهب بن منبه ) انه قال : ان ابليس لقي يحي ابن زكريا عليهما السلام , فقال له يا يحي بن زكريا , اخبرني عن طبائع ابن ادم عندكم ؟ قال ابليس : اما صنف منهم فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شئ .. والصنف الثاني : فهم في ايدين كالكرة في ايدي صبيانكم وقد كفونا انفسهم .. والصنف الثالث : فهم اشد الاصناف علينا , فنقبل على احدهم حتى ندرك حاجتنا منه ثم يفزع الي الاستغفار فيفسد به علينا ما ادركنا منه .. فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك حاجتنا منه ..

• مقومات النصر في معركة النفس :

القلب : ما كان حيا رقيا صافيا مشرقا لقول على ابن ابي طالب رضي الله عنه " ان لله تعالى في ارضه انية وهي القلوب .. فاحبها اليها تعالى ارقها واصفاها واصلبها , ثم فسرها فقال : اصلبها في الدين ,واصفاها في اليقين , وارقها على الإخوان " وقوله " قلب المؤمن اجرد فيه سراج يزهر , وقلب الكافر اسود منكوس " .

والقران الكريم يصور قلوب المؤمنين فيقول ( الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم اياته زادتهم ايمانا ) بينما يصور قلوب الكافرون فيقول ( فانها لا تعمي الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) ويقول ( افلا يتدبرون القران ام على قلوب اقفالها ) .

العقل : ما كان بصيرا , مدركا , مميزا , مقتبسا العلوم التي بها ينال القرب من الله ويدرك عظمته وقدرته وهو مناط قوله تعالى ( انما يخشى الله من عباده العلماء ) .

ولقد اشار الرسول صلى الله عليه وسلم الي قيمة هذه النعمة بقوله " ما خلق الله خلقا اكرم عليه من العقل " وقوله لعلى بن ابي طالب رضي الله عنه " اذا تقرب الناس الى الله تعالى بانواع البر فتقرب انت بعقلك " وقوله " ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه الي هدى ويره عن ردى " .

ولذلك دفع الإسلام الي العلم والمعرفة , والى التفقه في الدين , ليأخذ العقل من الاسباب ما يستعين به على التمييز بين الخير والشر والحق والباطل , فقال صلى الله عليه وسلم " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " وقال " فضل العالم على العابد كفضلي على ادني رجل من اصحابي " كل ذلك لما للعلم من قيمة واثر في تعميق الايمان في النفوس وفي تعريف الانسان على حقائق هذا الكون ..

فعقل المؤمن عقل واع يميز بين الخير والشر , والحلال والحرام , والمعروف والمنكر لانه ينظر فيه الله من وراء ستر رقيق ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) .

ونور العقل لا يطفئه الا المعاصي والدوام عليها والمجاهرة بها وعدم التوبة منها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود اليه ابدا " وقوله " لولا ان الشياطين يحومون على قلوب بني ادم لنظروا الي ملكوت السموات والارض " .

وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال " لما دخلت على عثمان رضي الله عنه , وكنت قد لقيت امرأة في طريقي فنظرت اليها شزرا , وتأملت محاسنها , فقال عثمان لما دخلت : يدخل احدكم ولثر الزنا على عينيه , اما علمت ان زنا العينين النظر ؟ لتتوبن او لاعزرنك ؟ فقال : أوحي بعد النبي ؟ فقال : لا , ولكن بصيرة وبرهان وفراسة وصادقة " .

ــــــــــــــــــــــــ