السير سير القلب

ليس الاعتبـار في سباقنا بكم أعمال البر فحسب .. وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها من الآثام .. سير الدنيــا يقطع بسير الأبدان .. وسير الآخـرة يقطع بسير القلوب .

جــاء رجل إلى الزاهد أبى بكر الدقاق يشتاق إلي مواعظه فقال: قد قطعت إليك مسافة .. فقال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات .. فارق نفسك بخطوة ، يوصلك إلى مقصودك . المدهش(179) .

انظر معى إلى قاتل المائة نفس ( فهذا رجل لما مشى بقلبه إلى الله ، حسبت له الخطوة الواحدة بل الشبر الواحد ، ولو أنه طوف بقدميه ، لم يكن له ذلك القلب ، لكان كالعظام المحمولة فى نعشه ، قبرها فى المشرق هو قبرها فى المغرب ، وليس لها من الأرض ، ولا للأرض منها إلا معنى واحد لايتغير ؛ هو أنه بجملته ميت وأنها بجملتها حفرة ) . وحى القلم للرافعى1/238 .

سير القلوب أبلغ من سير الأبدان ، كم من واصل ببدنه إلى البيت ، وقلبه منقطع عن رب البيت ، وكم من قاعد على فراشه فى بيته وقلبه متصل بالملأ الأعلى .

جسمى معى غير أن الروح عندكم   فالجسم فى غربة والروح فى وطن

.. فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها ، وإنما تتفاضل بتفاضل ما فى القلوب ، فتكون صورة العمل واحدة وبينهما فى التفاضل كما بين السماء والأرض . تهذيب مدارج السالكين188 .

سبحـــان الله ! الشهادة بلغها متسابق بقلبه مع موته على فراشه ن وما نالها من فصل رأسه عن جسده فى ميدان القتال ، فمن الذى رفع هذا ووضع ذاك ؟ إنه سيبر القلب .

عبد الله بن ثابت كان من أصحاب الفرش .. لما مات قالت ابنته: والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً ، فإنك كنت قد أتممت جهازك ( أتممت ما تحتاج إليه فى سفرك للغزو ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عز وجل قد أوقع أجره على قدر نيته ) صحيح ابى داود .

أمــا قزمان الظفرى فكان ( قتيل بين الصفين ) ، خرج قزمان مع النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة أحد فأبلى بلاءً حسناً ، وكان لا يدع للكفار شاذة ولا فاذة إلا أتبعها يضربها بسيفه ، حتى قال بعض الصحابة: ما أجزأ منا اليوم كما أجزأ فلان ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ( إنه من أهل النار ) القصة من غير تسمية الرجل عند البخارى فى الجهاد 2898 وتسميته قزمان فى سيرة ابن هشام . فتتبعه صحابى آخر فرآه قد أصيب فهنأه بالشهادة وبشره ، فقــال: بم تبشرون ؟ .. والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومى ، ولولا ذلك ما قاتلت ، ثم ِأخرج سهماً من كنانته فقتل بها نفسه ، فمات كافراً .

حديث للحفظ

لأهمية سير القلب وضع لنا النبى صلى الله عليه وسلم هذا العنـــوان فقال: ( وأحدثكم حديثا فاحفظوه ، إنما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ، ويصل فيه رحمه ، ويعلم لله فيه حقا ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله تعالى علما ولم يرزقه مالا ، فهو صادق النية ، يقول : لو أن لي مالا ، لعملت بعمل فلان فهو بنيته ، فأجرهما سواء ..... ) رواه احمد والترمذى وفى صحيح الجامع 3024 .

سير القلب هو سير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذوى الأعذار فى غزوة تبوك الذين قال عنهم النبى صلى الله عليه وسلم : ( إن بالمدينة أقواما ، ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ) . قالوا : يا رسول الله ، وهم بالمدينة ؟ قال : ( وهم بالمدينة ، حبسهم العذر ) . البخارى 4423 .

يا سائرين إلى البيت العتيـــق   سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحاً

إنا أقمنــا على عذر وقد رحلوا   ومن أقــــام على عـــذر فقد راحا

فلا تكونن ( فى غفلة عن هذا الأكسير الكيماوي الذى إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبـــاً ) . تهذيب مدارج السالكين 188 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ