عمار مرعي

من البدهي أن كل إنسان على وجه الأرض يبحث عن السعادة، ويحاول جاهداً أن يكون سعيداً في كل أوقاته، وكذلك من البدهي أيضاً، أن مقياس السعادة يختلف من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر؛ فهنالك من تنتابه السعادة في أوقات قصيرة، وهنالك من تغمره السعادة طول حياته، وبهذا تقسم السعادة إلى سعادة دائمة، وأخرى مؤقته. وهذا التقسيم يمكن أن يأخذ منحاً آخر؛ هو أن هنالك سعادة في الدنيا وسعادة أخرى بعد الموت، وبهذا يمكن اعتبار السعادة الدنيوية مؤقته؛ لأنها مهما تطول فإنها ستنتهي مع انتهاء الأجل، في حين أن السعادة الدائمة تكون في الآخرة بعد الموت، وهي سعادة ليس بعدها سعادة.

بيد أن تحقيق السعادة في الحياة الدنيا ليس بالأمر السهل، ولكنه ليس بالمستحيل؛ فيخبرنا القرآن الكريم بأن كل إنسان في الكون يدخل في مختبر الحياة الدنيا، فيلاقي العسر والابتلاء، وتكون نتيجة ذلك إما أن يخرج من هذا الاختبار بنجاح فائق وسعادة وراحة في البال، وإما أن يكون عكس ذلك؛ فيفشل في الاختبار، فتكون حياته ضنكا وحزنا وقهرا. وهذا ما تنص عليه الآية الكريمة في قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً). إذن من أعرض عن الله واشتغل بالدنيا، وفتنته زينتها حتى غمرته ملذاتها وشهواتها؛ كانت نتيجته الحزن الدائم ليس في الدنيا فحسب بل في الآخرة أيضاً، وهذا ما أكدته الآية الكريمة: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). على عكس من عرف حقيقة الدنيا، وكشف زيفها، وعرف أنها دار ممر، وليست دار مقر، فكان سعيداً في كل أوقاته؛ لأنه التزم بالقواعد الأربع التي حددها الله لعباده في سورة العصر بقوله تعالى: ( وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). ويمكن أن نجعل تلك القواعد شروطا للسعادة المؤقتة والدائمة على حد سواء. لذا يمكننا توضيحها على النحو الآتي:

شروط السعادتين (المؤقتة والدائمة)

الشرط الأول: الإيمان بالله تعالى: بأنه الرب الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي خلق الموت والحياة، وخلق الجنة والنار، وهذا الشرط يعتبر الأصل الذي تتفرع عنه بقية الشروط الأخرى. ولا يمكن أن يكون هنالك إيمان حقيقي إلا إذا وقر واستقر في القلب. أما الإيمان السطحي فإنه يقتصر على الأقوال من دون أن يقرنها بالأفعال.

الشرط الثاني: العمل الصالح: ويأتي هذا الشرط بعد أن يستقر الإيمان بالله في القلب؛ ليتم تصديق ذلك الإيمان من خلال العمل الصالح؛ الذي يعني كل عمل يصلح لأن يكون قربة لله خالصاً له وحده.

الشرط الثالث: وينشطر من ضمن الأعمال الصالحة دعوة الناس إلى توحيد الله في العبادة، وحثهم على اعتناق الإسلام الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده.

الشرط الرابع: حتماً أن القيام بالأعمال الصالحات يتطلب جهداً يحتاج إلى الكثير من الصبر، حتى تُصقل النفس البشرية، وتستقيم على طاعة الله. والصبر لا يقتصر على(الطاعة) بل منه تحمل الأذى في سبيل الدعوة إلى دين الله ونشره، فمن فروع الصبر أيضاً الصبر على البلاء الذي يختبر الله به عباده؛ ليعلم مدى صدق إيمانهم، وليكفر به عن سيئاتهم، وكذلك يكون الصبر على المعصية بمجاهدة النفس ومنعها من ارتكاب المعاصي والآثام التي تغضب الله، وتجلب الحزن والهم والضيق في الصدر.

وإذا التزم الإنسان بشروط السعادة وطبقها حتماً سيكون من السعداء، ليس في الدنيا فحسب بل في الآخرة أيضا، فيكون بذلك مطمئن القلب مرتاح البال، لا تهمه الدنيا، ولا تفتنه ملذاتها، حتى يصبح قلبه مطمئنا بأن كل ما يصيبه هو خير له، وهذه هي قمة السعادة؛ التي تبحث عنها شعوب الغرب لكنها لم تكتشفها بعد، ولو أرادت تلك الشعوب الوصول إلى تلك السعادة فعليها أن تمعن النظر في حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال: " عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ ". وهذه الحقيقة من الصعب على شعوب الغرب اكتشافها؛ لأنهم يجهلونها، ولو علموا تلك الحقيقة لتمسكوا بها ولعضوا عليها بالنواجذ.

فالدعوة توجه إلى كل من يبحث عن أطيب العيش والرفاهية والنعيم وانشراح الصدر، فعليه أن يلتزم بشروط الوصول إلى السعادة؛ لكي يصل إلى ما وصل إليه السلف الصالح من السعادة وراحة البال، وخير ما يعبر عن ذلك قول الإمام ابن تيمية (رحمه الله): " ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة". فتكمن هنا السعادة الحقيقة التي مقرها القلب السعيد بطاعة الله و المنشرح لكل ما يصيبه من حوادث؛ لأن في النهاية عاقبتها ستكون خيرا بإذن الله.

وبهذا فإنه يجب أن يحتاط الإنسان بقوة إيمانية تقيه المكائد، وتبعد عنه كل هم وغم وحزن، وتجعله دائم السعادة؛ لأنه يمتلك قناعة مطلقة متجذرة في أعماق النفس، ومتمركزة على قاعدة أن كل ما يصيبه من خير أو شر لم يكن ليخطئه، وأن كل عواقب الأمور خير، فإذا ما ترسخت تلك القناعة في نفس الإنسان فستكون حياته كلها مسرة؛ إذ يمكن أن يكون الإنسان سعيداً بهذه القناعة طوال حياته، لا سيما إذا وضع لنفسه برنامجا ومنهجا واضحا يسير عليه مراعياً لعدد من الأمور منها:

1. تحديد الوظيفة: يجب على كل إنسان أن يطرح على نفسه تساؤلا مفاده: ما الوظيفة التي خلقت من أجلها في هذا الكون؟ حتماً الإجابة معروفة لدى الإنسان المسلم، وهي الاستخلاف في الأرض بقصد إعمارها، وتوحيد الله في العبادة؛ فيقول الله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).

وبهذا تحددت وظيفة المسلم في الكون، أما غير المسلم فلا يستطيع أن يكتشف وظيفته، ويبقى طوال العمر يبحث عن مكانته ووظيفته فلا يجدها، وبهذا تبقى سعادته وقتية غير دائمية، إلا أنه يستطيع أن ينقل سعادته من المؤقتة إلى الدائمة؛ بشرط أن يؤمن بالله، ويفعل كل ما يترتب على ذلك الإيمان من أعمال؛ فقال الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ).

وتكمن أهمية تحديد الوظيفة في إشعار الإنسان أن له قيمة في الحياة، وله دورا يؤديه، ولم يخلق من أجل العبث واللعب، بل خلق لكي ينتج ويثمر ويعمر، وهذا الأمر بحد ذاته يجلب السعادة؛ لأنه سيعيش في الحياة الدنيا وفق هدف مرسوم، وبرنامج واضح ومخطط.

2. اغتنام الأوقات: يترتب على تحديد الوظيفة أن يشعر الإنسان بأن وقته محدود، وأن عليه أن يؤدي وظيفته بإخلاص؛ بأن يستثمر وقته في الطاعة، ويبتعد عن كل شيء يشغله عن ذلك، وبذلك تكون أوقاته مليئة بالأعمال الصالحة التي تجعله في سعادة وراحة وعيش كريم. وبهذا فإن عبادته وطاعته ستكون مستمرة ودائمة، وليست طارئة أو موسمية، تذهب مع ذهاب موسمها. فهنالك برنامج يومي(الصلوات الخمس)، وأسبوعي(الجمعة)، وشهري(صيام ثلاثة أيام من كل شهر)، وسنوي(رمضان، الحج). وهكذا ستستمر السعادة مع استمرار الطاعة.

لذلك ينبغي على كل مسلم أن يضع له برنامج عمل قد يعينه على الثبات على الإيمان والاستمرار في طاعة الله سبحانه وتعالى. وبرنامج العمل يستلزم مجموعة من الأعمال الصالحة فقال الله تعالى:( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ). فلا ينفع المسلم الاقتصار على الأقوال؛ دون أن يقرنها بالأعمال، وكما قال الإمام علي رضي الله عنه: " لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، و لا نية إلا بموافقة السنة".

وهنا من البدهي أن يتساءل المسلم: ما الأعمال التي قد تعينه على الثبات على الإيمان والاستمرار في العبادة لتحقيق السعادة؟

والإجابة عن ذلك تتسع، إلا أنه من الممكن التذكير ببعض الأعمال، وأبرزها ما يأتي:

أولاً: التقرب إلى الله بالفرائض مع إقرانها بالزيادة من النوافل؛ فعن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها".

ومن أهم الفرائض التي ينبغي للمسلم أن يلتزم بها وبأوقاتها هي الصلاة، فيحرص على أدائها في الجماعة؛ لما في ذلك من عظيم الأجر والثواب من الله تعالى؛ إذ إنها تفرق عن صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فضلاً عن أن صلاة الجماعة تجعل المسلم يعيش في وسط الجماعة التي كلما ابتعد عنها زاد ضعفه وعجزه عن مقارعة   شهوات النفس ونزغات الشيطان، فإنما الذئب يأكل من الغنم القاصية.

ثانيا: حفظ الله في السر والعلن؛ أي استحضار وجود الله في كل لحظة، والحذر من الغفلة؛ ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: يا غلام؛ إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله".

ثالثاً: الحذر من قسوة القلب التي تحصل نتيجة الإسراف أو الإكثار من الأكل، والشرب، والنوم، والضحك، واللهو، وغير ذلك من مقسيات القلب؛ لأنه كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم " ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". وهنا ينبغي للمسلم أن يقاوم وبحزم شهوات النفس وملذاتها؛ لأن النفس كالطفل إن لم تنفطم تشب على حب الرضاعة.

رابعاً: الإكثار من مجالسة أهل العلم والتقى والصلاح، والتقليل من مجالسة أهل الجهل والفساد. فكما قال الإمام علي رضي الله عنه: "صاحب الأخيار تأمن الأشرار". وليتذكر المسلم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير".

وليتذكر المسلم قول الله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً).

خامساً: الاستعانة بضياء الصبر على طاعة الله تعالى، وعلى البلاء، وعلى المعاصي؛ فقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).

وقال الإمام علي رضي الله عنه: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فلا خير في جسد لا رأس له".

سادساً: المداومة على التصدق بشيء من المال؛ لأنه كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار".

ويقول الإمام الشافعي:

وأن كثرت عيوبك في البرايا           وسرك أن يكون لها غطاءُ

تستر بالسخاء فكل عيـــــب           يغطيه كما قيل الســـــــــخاءُ

والصدقة لا تكون فقط بالمال؛ فقد تكون بالأذكار أو بالعلم أو بالجسم، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: "أو ليس الله قد جعل لكم ما تصدقون؟ أن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة". وفي الحديث الآخر: "ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها، أو يرفع له عليها متاعه صدقة".

سابعاً: الإكثار من الدعاء والطلب من الله سبحانه وتعالى بالثبات على الإيمان ورضا الرحمن والفوز بالجنان؛ قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ). وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

فإذا التزم المسلم بهذه الأعمال، وأخلص النية لله وحده، فحتماً لن يضيعه الله، وسيثبته في الدنيا وفي الآخرة؛ قال الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ). وهنا ستكون ثمرة تلك السعادة في الدنيا والاخرة، وهذا الأمر هو طموح كل إنسان، ولكن حتماً لن يحصل عليه كل إنسان إلا من وفقه الله لذلك، وأعانه على طاعته.

ومن خلال كل ما تقدم يمكن أن نختصر القول في بضع كلمات عن السعادة بوصفها:

تطمئن القلب، وتَشرح الصّدر، وتريح البال.

الرّضا بكلّ شيء، وتنبع عن إيمان من القلب.

طريق الأمان والطمأنينة والراحة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ