خالد روشة

إنها لحظات يغفل فيها الحاضرون عن متاع الدنيا وزينتها إلى متاع آخر وزينة أخرى هو متاع الهدى واثر النور الذي يتركه العلم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

أتحدث عن لذة لحظات التعلم، والجلوس في مجالس العلم، والتركيز في المعلومات الجديدة، وجمعها، وتدوينها، والربط بينها..

أتحدث عن تتبع اقوال العلماء، والمزاوجة بينها، والقياس بين أدلتها، والتقسيم والتفريع ومحاولة استنباط الفهم بين السطور..

أتحدث عن الساعات اللذيذة الشيقة التي تمر بردا وسلاما وحبا ومودة بينما طلاب العلم يجتمعون مع شيخهم واستاذهم يتبارون في استخراج الفوائد ويتنافسون في استجلاب النكات وحل المسائل..

وعن تلكم الساعات التي يسهر فيها أحدهم سابحا بين تفاسير الآيات ومعاني الأحاديث وشرح الفقهاء والعلماء..

تلكم اللذة التي قليلا ما يقربها إلا محبو العلم وطلابه الصادقون، منبعها النية المخلصة نحو إرضاء الله سبحانه والتقرب إليه عز وجل، ومسارها تحيطه الملائكة، "لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما صنع".

كذلك فمنبعها روعة الشعور باستخراج العلوم والفوائد، والوقوف على النكات والمعاني واللطائف, والوصول إلى خفايا الحقائق والمعارف..

كذلك فهناك لذة أخرى أساسية هي لذة العمل بما تعلم وبما حصل من فوائد، وهي اللذة الاصلية التي يبحث عنها المخلصون، فإنما هم يتعلمون ليعملوا بما تعلموا ويُعلموا غيرهم ما تعلموا، مخلصين نياتهم لله، لا ليتفاخروا على غيرهم ولا ليشتهروا بما نالوا.

ولتحصيل تلك اللذة خطوات ثلاث لابد منها :

فأولها تصحيح النية، بأن يكون طلب العلم لله وحده، رغبة فيما عنده سبحانه من فضل ومثوبة، وفرحا بالعلم عنه عز وجل ودينه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وزيادة في القرب منه سبحانه.

وثانيها، الجدية والعزيمة المستمرة، فمن انقطع انقطعت لذته، ومن تهاون فقدها، ومن تشاغل عنها ضعفت عنده حتى لا يكاد يشعر بها، فالعلم يبادلك الفعل بالفعل والسلوك بالسلوك، فإن أقبلت عليه أقبل، وإن نفرت منه نفر، وإن أهملته غاب عنك.. فكأنه أهملك!

وثالثها، عبادة تصحب التعلم، فلا لذة لعلم بغير عبودية، ومن شغله علمه عن العبادة فإنه سبيله به خلل، فالعلم يدفع للخشوع وزيادة العبودية، والعلماء هم أورع الناس وأخشاهم لله وأكثرهم له خوفا وتقربا وعبادة وخضوعا.

يقول ابن القيم رحمه الله: "السعادةُ الحقيقيةُ الروحيةُ النفسيةُ هي سعادة العلم، فهي الباقية على تقلب الأحوال، في دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وبها يترقى معارج الفضل، ودرجات الكمال، ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة، وعِظَمِ قدرها، لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حُفَّت بحِجَابٍ من المكاره، وحُجِبوا عنها بأسوار من الجهل، ليختص الله بها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم".

ــــــــــــــــــــــ