خالد رُوشه

للحياة قانونان كي يصير المرء ناجحا في خطواته ، يلزم المرء أن يرعاهما ويضعهما في حسبانه أثناء مسيرته الحياتية .

القانونان يحلان المشكلة الدائمة من تساؤلات الناس وحيرتهم حول المادية واللا مادية , ويذيبان المعضلة الدائمة من سؤال الناس عن تقدم البعيدين عن الله سبحانه والإيمان في شؤون الحياة وتفوقهم التقني والتكنولوجي ، في حين أن يتأخر كثير من الداعين العابدين .

والحقيقة أن هذين القانونين أساسين في الرؤية الإسلامية وثابتين بالنص الشرعي وبفهم العلماء كذلك ومنهجيتهم .

فأما القانون الأول فهو قانون السببية ، وهو الذي يعني أن الحياة بمادتها مخلوقة تراتبية على الأسباب ، فمن زرع حصد ، ومن اجتهد تقدم ، ومن أخذ بالاسباب حصل المطلوب .

وكذا من الجهة الأخرى فالمادة لها صفاتها الثابتة بها فالماء يغرق ,والنار تحرق, والكسول يفتقر ، والجبان يتراجع ، وهكذا ..

وعلى اعتبار هذا القانون السببي ينجح كل آخذ بالأسباب فيما يتعلق بالمادة الدنيوية ، فمن اهتم بالتفاصيل وراعى الضوابط واجتهد فيها ووضع أهدافه واختار وسائله وبذل جهده واحتاط لاحتياطاته فإنه غالبا يصل إلى مطلوبه من أمر دنياه .

فكذا الطالب يذاكر بجد ويجتهد ويحصل ويستذكر ويبذل وقته ويدقق فيحصل الدرجات العليا .

وكذا الباحث يبحث ويفند ويستفيد ممن قبله ويبذل وقته في معمله أو مبحثه ويستشير الخبراء والعلماء ، فينجح في بحثه ويخرج بنتائج فائقة .

وكذا كل امرىء في مجاله إن أخذ بأسبابه وبذل وسعه وصدق في عطائه ، فإنه يبلغ مبلغا متميزا في مجاله الدنيوي الحياتي . وهذا معروف معلوم يكاد أن يكون من بديهيات الحياة .

وأما القانون الثاني فهو قانون مصدره الإيمان , وأساسه الثقة في الله وحده الحي القيوم الذي يدبر شؤون خلقه ، ويقوم على أمرهم ، فهو يخلقهم ويرزقهم ويدبر لهم تدبيرا .

ومقصوده أنه سبحانه يوفق من شاء توفيقا يُتم عمله , ويختار له الخير , ويهديه إلى أفضل الاختيارات , ويصوب سعيه , ويبصره بما لم يكن قد أبصره ، وييسر له سبيله ..

هذا قانون أيضا ثابت ولازم أن يؤمن به المؤمن , فالله سبحانه هو القدير العزيز الحكيم القوي المتعال .

فالنار تحرق من جهة قانون السببيه , لكنها في بعض الأحيان بإذن الله سبحانه قد لا تفعل : " يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم " .

والبحر يغرق ، لكنه بأمره سبحانه تتغير قوانينه : " وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فلق كالطود العظيم , وأزلفنا ثم الآخرين , وأنجينا موسى ومن معه أجمعين , ثم أغرقنا الآخرين " , وهكذا

بل قد يأخذ المرؤ بالأسباب ثم تأتي ظروف وأحوال تمنعه من التمام , ظروف لا دخل له بها , ولا قدرة له عليها ، من حوادث وأحداث وموانع ومعوقات ، وعلى الجانب الآخر فقد يحدث أن يفوز امرؤ بخير كبير وكثير لم يكن قد أعد له ولا توقعه ، فالأولى بقدرة الله سبحانه وتقديره ، والثانية بفضله ومنه وكرمه .

وقد يكون الفتح في الدنيا ابتلاء واختبارا ، لا نجاحا وفلاحا من كل وجه ، فالنجاح والفلاح يتوقفان على التوفيق الرباني والخير المتعلق بالعمل ، والبركة المحيطة به ، فليس كل تقدم في شيء مقصودٍ حسَن ، بل لابد أن يكون نحو هدف راق ووسيلة كريمة ، ونتيجة مباركة ، ولنتدبر قوله سبحانه : " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ما الفقر أخشى عليكم إنما اخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " مسلم

فالمال لابد أن يكون مباركا حتى يكون نافعا ، والغنى لابد أن يكون في صلاح واستقامة حتى يكون فلاحا ، والآلة لابد أن تكون صناعتها لخير وصلاح ونفع وإلا كانت وبالا ..

فالمؤمن في سبيله مطالب بأمرين ليحقق النجاح المرجو إذن : جهد وبذل وأخذ بالأسباب الحياتية المباحة ، واستعانة وتقرب ودعاء واستقامة لله سبحانه ليحل عليه بركته ويمن عليه بتوفيقه ..

وهو إذا فعل ذلك فقد سار في مسيرة الدنيا ونجاحاتها ، كما يكون قد اطمأن لاختيار الله له وتوفيقه وعونه فيما قصر فيه وفيما لا دراية له به وفيما جرت به المقادير ..

ولنتدبر قوله تعالى في حكاية العبد الصالح ذي القرنين وأخذه بالأسباب اعتمادا على الله سبحانه واستعانة به : " قال ما مكنّي فيه ربي خير ، فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبيهم ردما ، آتوني زبر الحديد ، حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا ، حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا , فما اسطاعوا أن يظهروه ، وما استطاعوا له نقبا ، قال هذا رحمة من ربي ... " الكهف

ـــــــــــــــــــــــــــــــ