يهب الله بعض خلقه قدرات متميزة، في الجسم أو في العقل، تظهر آثارها في سلوكهم واهتماماتهم، وفي الآثار التي يخلفونها، إن في الخير وإن في الشر، فالقدرات الجسمية الفائقة تولد الشجاعة والإقدام والدفاع القوي عن القيم والفضائل إن سارت في مسار الخير، وتنتج التسلط والبطش وربما سفك الدماء بغير حق إن سارت في مسار الشر.

والقدرات العقلية المتميزة تبدع المبتكرات والاكتشافات، وتفجر القرائح الأدبية، وتخدم الإنسانية في وسائل معيشتها، وفي الارتقاء بثقافاتها وأذواقها وسلوكياتها، شرط أن تتوجه وجهة الخير، والعكس بالعكس إن توجهت وجهة الشر تتفنن في إنتاج وسائل القتل والدمار والإفساد في الأرض، فتحصد منها الإنسانية الآلام والكوارث.

وثمة عوامل كثيرة تؤثر على توجه أصحاب القدرات المتميزة في طريق الخير أو في طريق الشر، منها البيئة، والمعتقدات والثقافة، وظروف النشأة والتربية، والعوامل الشخصية، وغير ذلك من المؤثرات. غير أن أكثرها تأثيراً في يقيني هي المعتقدات ومدى الالتزام بها، فالعقيدة التي تتضمن قيماً عليا، وأحكاماً تناسب الفطرة البشرية، وتهتم بسعادتها تجعل الفرد الملتزم بها متوجهاً بتوجيهاتها الخيرية، وتجعل سلوكه وعطاءاته مرتبطة بتلك القيم تصدر عنها، وتهدف إلى تعزيزها، وبالتالي يكون نتاجه إيجابياً، يعمل على خدمة البشرية والارتقاء بها.

والعكس صحيح إن كانت العقيدة منحرفة أو مبنية على الأنانية، وتضخم الذات، واحتقار الآخر كان حاملها نموذجاً لتطبيقاتها الهدامة.

والحالة الثالثة: أن تكون العقيدة صحيحة سامية، ويكون صاحب القدرات متفلتاً منها، وربما مدابراً لها، ولو كان من أبنائها فسيكون توجه صاحب القدرات مؤذياً إن لم يكن كارثياً، والشواهد على هذه الحالات لا تحصى، في سائر المجتمعات والعقائد.

ومن فضل الله على الأمة الاسلامية أن الشريعة التي شرعها الله سبحانه وتعالى لهم ذروة في الإيجابية والعطاء لأبنائها خاصة، وللبشرية عامة، توجه إلى بناء حياة سوية وسعيدة، وتكفل للأفراد والمجتمعات الأمن والسلام وحسن التعامل.

وعندما يكون صاحب القدرات المتميزة مؤمناً بها، ملتزماً بتوجيهاتها؛ فسيكون عطاؤه خيراً مفيداً أيما فائدة. ولو استعرضنا ما حمله تراثنا من نماذج في هذا الميدان، فسنجد ما نفخر به من العلماء والقادة والدعاة والفاتحين والأدباء، ونجد في إبداعاتهم ما يجتهد في بناء الشخصية السوية المتوازنة للفرد والمجتمع.

ففي ميدان العلوم الإنسانية مثلاً، نجد إبداعات العلماء متأطرة بأطر الشريعة الإسلامية، تسعى ليكون كل جزء من حياة الفرد وسلوكه مرتبطاً بالنبل والسمو وكريم الصفات، فالأدب الذي أبدعه أدباء عـَمر الإيمان وجداناتهم يرسم صوراً محببة للقيم العليا، في الجود والشجاعة، ومراقبة الله سبحانه وتعالى في الأفعال والأقوال، وحضوا المتلقين الذين خاطبوهم بما أبدعوه على أن يتمثلوها ويتحلوا بها.

وقد تعمق بعضهم في تتبع دقائق الأمور في الحياة، وفي توظيفها من أجل الارتقاء بالإنسان، ووصلوا إلى تفصيلات قلما نجد لها مثيلاً في الآداب الأخرى.

وبين يدي نموذج من هذه الحالة، أبدعه عالم وأديب موسوعي كان واحداً من أعاجيب الموسوعيين المبدعين في تراثنا هو جلال الدين السيوطي. تجاوزت مؤلفاته 600 مصنف، بين كتاب من عدة مجلدات، وكتاب عادي، ورسالة، شملت علوماً في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والأدب والتاريخ، حتى ليحسب من يطلع عليها أنه لم يترك علماً من العلوم الإنسانية إلا ضرب فيه بسهم، وأن الله سبحانه وتعالى منحه من القدرة على التأليف والبركة في الزمن ما يحتاج إلى أعمار فوق عمره الذي عاشه لإنجاز كل ذلك العطاء.

ومن مؤلفاته العجيبة والنادرة في موضوعها مؤلف سماه: (صفة صاحب الذوق السليم)، رصد فيه الصفات والخصائص التي ترتقي بالإنسان ليكون في مستوى رفيع من الخلق وحسن التصرف والتعامل مع الآخرين، كما رصد الصفات المضادة التي تهبط بالإنسان إلى منحدرات سيئة تجعله شريراً منبوذاً، وعرض أفكاره ومعانيه بأسلوب أدبي يحرص على اللفظة المعبرة، والجملة القصيرة الواضحة، والفاصلة الإيقاعية المؤثرة، يقول في افتتاح مؤلفه هذا: بعد حمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم مخاطباً القارئ:

(أما بعد: وفقنا الله وإياك للصواب، وفتح لنا ولك من الخير أحسن باب، فتدبر ما حوى هذا الكتاب، من صفات أولي الألباب وأضدادهم الحائرين عن الصواب. اعلم بأن الذوق السليم نتيجة الذكاء المفرط، والذكاء المفرط نتيجة العقل الزائد، والعقل الزائد أسكنه الله في أحب الخلق إليه).

وبعد هذه الافتتاحية التي تجعل مصدر الذوق السليم حصيلة الموهبة والعمل، الموهبة بما يهب الله المرء من عقل كبير، والعمل بما يبدعه الذكاء المفرط، والذكاء آلية تفكير وتحليل واستنتاج، فهو عمل ذهني متفوق، وهذا الوصف مديح قوي للذوق السليم ولصاحبه، يتوجه السيوطي بأن يجعل صاحبه ممن يحبهم الله سبحانه وتعالى، ويهتم السيوطي بعد ذلك بوصف صاحب الذوق السليم وما يحمله من خصائص وطبائع تميز شخصيته، يقول:

(صاحب الذوق السليم مزاجه طبعَه وزّان، وفيه أنواع الإنسان، يتخذ التواضع سنّة، والعطاء من غير منّة، والعفو عند المقدرة، والتغفّل عن المعيرة، - أي يتغافل عمن يعايره ويتجاهله - لا يزدري الفقير، ولا يتعاظم بأمير، لا ينهر السائل، ولا هو عما لا يعنيه بسائل، كريم، طروب، قليل العبوس، حبيب الأحباب، يواسيك ويسليك، ويتوجع لوجعك، يعظك، ويتحفك بعلمه وماله، ولا يحوجك لسؤاله، ينظر إلى المضطر بعين الفراسة، ويواسيه بكياسة، خيره متزايد، وشره متباعد، رضيّ الخلق حليم، عفيف النفس كريم، ليس بكذاب ولا لئيم، ولا يفرح بالمصيبة لأعدائه، مشتغل بأدواته، لا يقصد إلا رضا الله، كيّسٌ، يبذل المجهود في رضى الأصحاب، وهو من أولي الألباب يفتح لكل خير باب، عارف بطريق الصواب).

وبالمقابل يعرض السيوطي صفات كثيرة لمن حرم الذوق السليم نقتطف منها أهمها يقول:

(وضد ذلك من الأشرار في الدرك الأسفل من النار، ثوب جثمانه من النفاق مضرب، فهو للشيطان أقرب، إن خوصم فجر، وإن شهد قهر، وإن استؤمن خان، لا يهتدي لصواب، إن امتدحته ازدراك، وإن تركته عاداك وهجاك، ما لعلته دواء، لو فرشت خدك بالأرض، ظن أن ذلك عليك فرض، سيئ الأخلاق...).

وبعد: فما أحسب واحدة من صفات صاحب الذوق السليم والذوق السقيم، تخرج عن توجيهات الإسلام في حسن الصفات وسيئها، وما أحسب هذا البيان الأدبي الذي يتوجه به السيوطي إلى المتلقين إلا لوناً من ألوان الأدب الإسلامي، الهادف إلى تعزيز الشخصية المسلمة بالقيم العليا، وتعزيز الصفات التي تجعله نموذجاً للإنسان المتوازن الكريم.

ــــــــــــــــــــــــــ