نجلاء محفوظ

رجل تنهال عليه الكرابيج من كل اتجاه، صرخ بأعلى صوته مهدداً: فقط لو رأيت من بيده الكرابيج سأمنعه بعد أن أنال منه، ثم فوجئ أن يده هي التي تمزقه بالكرابيج!

هذا ملخص قصة كتبتها منذ سنوات تلخص ما نفعله بأنفسنا عندما نسمح للإجهاد بالنيل منا نفسياً وذهنياً وجسدياً، والإجهاد إن لم نهزمه سيهزمنا.

أسوأ الإجهاد ما كان داخلياً، وهو الناتج عن التفكير السلبي واحتضان المرارات والمضايقات واجترارها وكثرة الحديث عنها؛ فينشطها ولا يسمح لها بالذبول وكأنها كنوز نخشى ضياعها، بينما هي سموم قاتلة نختار الاحتفاظ بها.

لا يفاجئنا الإجهاد؛ بل يرسل إشارات متعددة قبل أن نسمح بإقامته في عقولنا وقلوبنا وأجسادنا، وهو عدو لا يتنبه له الكثيرون ويطيلون التوقف عند أعراضه وإشاراته وكأنها المرض، بينما هي عرض وإنذار وتنبيه لضرورة الحصول على استراحة لإعادة النظر بالتفاصيل التي تصنعه وتمنحه الإقامة.

ولنتأمل تعريف الإجهاد؛ فيقال لغوياً: أجهد نفسه؛ أي حملها ما يفوق طاقته، وهو ما نفعله بأنفسنا، وقد يتبادر للذهن بالإجهاد الجسدي وكثرة العمل وما شابه، وسيختفي بعد الراحة، ونتجاهله بالإجهاد النفسي الذي يؤثر بالسلب على كل نواحي الحياة، ومن أهم أعراضه سرعة الانفعال، والتأثر المبالغ بأي شيء خارج توقعاتنا والتعامل بحدة، بالإضافة إلى الحساسية الزائدة، وضعف التركيز، والصداع المستمر، وفقدان الشهية للطعام، أو التناول الزائد للطعام للهروب من الإجهاد، وارتفاع ضغط الدم، والإعياء الدائم، والتعب عند بذل أقل مجهود، وعدم الرغبة بالعمل، أو أداؤه بلا مبالاة.

امنع السيطرة

من حق كل إنسان على نفسه مراقبة ما يتسبب بسيطرة الإجهاد على حياته، وتختلف مسبباته، وأكثرها شيوعاً كبت مشاعر الإحباط أو خيبة الأمل أو الحزن وتوطنها بالعقل والقلب وإدارتها لحياة صاحبها، ونوصي بكتابة كل ما يؤلمنا لأنفسنا ثم قراءته بصوت نسمعه وحدنا لإفراغ شحنات الغضب والتوتر ولمواجهة مخاوفنا أيضاً.

تتميز الكتابة أنها بديل آمن عن الفضفضة للآخرين، وتجعلنا نرى بوضوح ما يدور بالعقل بكل تناقضاته ومبالغاته، وكأننا نتوقف عن الدوران بدائرة التفكير المتواصل الذي يسبب الإنهاك ويعطل إمكانية التعامل الإيجابي مع ما يؤلمنا.

بعد كتابة كل التفاصيل سنحس بهدوء يمكننا بعد الاستعانة بالرحمن من طرد المبالغات والتوقف عن الرثاء للنفس والبحث عن أفضل الحلول المتاحة والبدء بجعلها واقعاً دون تعجل.

يمكن الاحتفاظ بالورق إذا تأكدنا من الحفاظ على خصوصياتنا أو التخلص منه، أو اللجوء للتسجيل بدلاً من الكتابة والاستماع إليه للتخلص من الشحن النفسي.

من أكثر أسباب الإجهاد شيوعاً الإحساس الزائد بالمسؤولية سواء عن الأولاد أو العمل أو أشخاص مقربين يعانون ظروفاً سيئة.

الحل يكمن بالاعتدال والسماح للأولاد بالنضج وتحمل مسؤولية أنفسهم بتدرج، فالمبالغة بالاهتمام بهم تضر الجميع؛ فالذي يفعل ذلك يؤذي نفسه؛ فيحرم نفسه من الاستمتاع بمباهج الحياة المشروعة، ويضيع عمره في الانغماس بمشكلات الأولاد التي لن تنتهي، فهذه طبيعة الحياة، وستضر الأولاد وتجعلهم يعتمدون على الأهل، ولن يبذلوا الجهد الكافي للنجاح، والحياة لن تمنحهم السعادة والنجاح لأن أهلهم يسرفون بالاهتمام بهم.

وكذلك الإحساس الزائد بالمسؤولية عن العمل أو عن أي شيء يجعله عبئاً، ويضاعف من صعوبة أدائه ويحرم صاحبه من الاستمتاع بتفتيت صعوباته ويجعله يمر سريعاً على الإنجازات والنجاحات ليغرق مجدداً بالشعور بالمسؤولية، ولنتذكر أن الإحساس بالمسؤولية سلاح ذو حدين؛ فهو رائع إذا تم استخدامه باعتدال، وسارق للحياة وللطاقة ومسبب للإنهاك إذا سيطر على صاحبه.

نصل لمسبب شائع للإجهاد وهو كثرة التفكير بالمشكلات، ووضع أسوأ الاحتمالات، والاعتقاد أنها ستتحول لواقع، وزرع الانهزام بعقل وقلب صاحبها؛ فيورثه الشعور بقلة الحيلة، ويضعف تقديره لنفسه، فضلاً عن الشعور بالخوف من الغد، ونشبه ذلك بمن يستنشق بإرادته الروائح الضارة، ثم يشكو أنه لا يستطيع التنفس، ولا نطالب بتجاهل المشكلات، ونوصي بتخصيص وقت محدد لها، وبدلاً من التفكير بأسوأ الاحتمالات نطمئن أنفسنا أولاً ثم نسارع بفعل ما يمكننا بعد الاستعانة بالرحمن بالطبع.

ارحم نفسك

من مسببات توطين الإجهاد طلب الحد الأقصى من النفس وممن نتعامل معهم، وتناسي أنه لا أحد كامل، وجميعنا نخطئ ونصيب، وربح من رحم نفسه ورحم الآخرين أيضاً.

تعد الجدية الزائدة من أهم منابع الإجهاد، فالبعض يختارها توهماً أنه سيضاعف نجاحاته، والمؤكد أن التمتع ببعض المرح والترفيه يجدد الحيوية ويمنح العقل استراحة يستحقها ليواصل عمله بكفاءة أعلى، والعكس صحيح.

ويؤذينا تأجيل الإنجازات وتراكمها حتى تصبح عبئاً نفسياً يدفعنا للتخلي عنها وتجرع مرارة انخفاض التقدير الجيد للنفس وهو أوكسجين الصحة النفسية، ونوصي بالانتباه لأهمية الإنجاز في وقته، فسنفعله بأقل جهد ونستمتع بأدائه وسيكون أفضل ونحمي أنفسنا من مضار التأجيل.

ويعد الكسل وعدم وجود أهداف بالحياة من أسباب الإجهاد الداخلي، فالفراغ أسوأ وأخبث عدو؛ فننشغل بالتوافه ونزعج أنفسنا ومن نتعامل معهم ونتبادل الاتهامات ونصنع مضايقات ومشكلات لم نكن لنعاني منها لو انشغلنا بما يضيف لحياتنا لو كانت لدينا أهداف نسعد أنفسنا بالسعي لتحويلها لواقع ينير لنا حياتنا بالدارين معاً، مع أهمية الحصول على قسط جيد من الراحة الجسدية وساعات نوم جيدة ونظام غذائي معتدل لإغلاق أبواب الإجهاد الجسدي.

وعلينا أن نتوقف عند الإجهاد الناتج عن الإفراط بمتابعة أحوال الناس بالواقع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت، ويشغل ذلك حيزاً كبيراً من عقولنا، ونقارن بيننا وبينهم، وقد نستدرج للدخول في معارك كلامية لإثبات صحة آرائنا مقابل الآراء التي نرفضها، أو نكتفي بالتفكير الطويل في سوء الحياة، وغير ذلك من السموم التي تخترق عقولنا فتكدرنا، فضلاً عن إجهاد العقل بمتابعة ما يضر ولا ينفع، ونوصي بتخصيص وقت محدد للتواصل بالإنترنت ورفض السماح بالعلاقات الاجتماعية الزائدة التي تلغي الحدود والتحفظات، فهي معطلة للحياة وصانعة للإجهاد.

ونوصي بفلترة من نتعامل معهم من وقت لآخر، والتخلص ممن يتسببون بإجهادنا دون إخبارهم أو تقليل التعامل معهم ما استطعنا، ولا ينطبق ذلك مع صلة الرحم؛ فلا بد من وصلها مهما كانت المضايقات، وعندئذ يجب أن نذكر أنفسنا بمكاسبنا الدينية من صلة الرحم لنؤديها برضا.

ونود التقليل من متابعة الفضائيات، وتخصيص مساحات أوسع لعلاقات حقيقية لنا مع من نشاركهم بالحياة وممارسة الهوايات والرياضة البدنية ولو بالسير داخل البيت لنزيد إفراز الهرمونات المسببة للسعادة ونقلل إفراز هرمونات الإجهاد، ونحسن جودة الحياة.

ـــــــــــــــــــــــــــ