فتحي يكن

قد يستغرب البعض تناولنا لهذه الموضوعات وأمثالها بالدرس والتحليل ، ويظنون أنها أمور ثانوية وبديهية ولا تحتاج إلى هذا الجهد والعناء ، والحقيقة أنني أخالف الذين يذهبون مذهب التبسيط للأمور التنظيمية ، ولا يولونها كبير اهتمام ، فكل عمل من الأعمال ـ مهما كان بسيطًا ـ لا يمكن أن يكون ناجحًا وذا فائدة ما لم ينفّذ بإتقان .

ثم إننا في عصر الأحداث فيه تسابق الزمن ، وأعداء الإسلام يخططون بدقة متناهية ، وكل تخلف في التخطيط ، وتخبط في التنظيم ، وقصور في التصور ، سيؤدي حتمًا إلى تعثر في التنفيذ ، وتبديد للطاقات وضياع للأوقات .

إن انتظام أعمال الجماعات يبدأ من انتظام اجتماعاتها الصغيرة ، وإتقان مشروعاتها المحدودة ، كما أن الفشل يمكن أن يبدأ من الفوضى في هذه أو تلك .

إننا يمكن أن نحكم على مستوى جماعة من الجماعات من خلال مجرى جلسة واحدة من جلساتها ، أو تنفيذ مشروع من مشروعاتها ، فإذا كانت البداية جيدة فما بعدها سيكون أكثر جودة ، أما إذا كانت سيئة فما بعدها سيكون حتمًا أكثر سوءًا .

والاجتماعات التنظيمية يمكن اعتبارها بحق مفتاح النجاح أو الفشل لأعمال الجماعات ، وهذا ما يفرض توفر عدة عوامل لنجاحها ، من هذه العوامل :

1 ـ التقيد بموعد الاجتماع :

إن أول معول في هدم الاجتماع تأخره عن الموعد المحدد له ، ولو كان هذا التأخر دقائق معدودات !! والعقلية التي تستهتر بالدقيقة يمكن أن تستهتر بالساعة أو بحساب الزمن كله ، وإن العقلية التي لا تتقيد بدقائق الزمن لا تتقيد بدقائق الشرع ، أو قد تتعود الخروج على كل القيود تباعًا .

والوقت في حكم الشرع والعرف كالعهد ينبغي المحافظة عليه والوفاء به وعدم الاستهانة به أو نقضه { وأوفوا بالعهد ، إن العهد كان مسئولاً } ( الإسراء : 34 ) .

ويصف القرآن الكريم المؤمنين بقوله : { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } ( البقرة : 176 ) ، { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } ( المؤمنون : 8 ) .

وحين يصف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنافق يقول : ( إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ) .

2 ـ رحمانية الاجتماع :

إن الحرص على رحمانية الاجتماعات يمنحها ـ بدون أدنى شك ـ بركة من الله وتوفيقًا وسدادًا منه ، وعدم تحقق الرحمانية من شأنه أن يجعل الاجتماعات على كف شيطان ، لا تكاد تنتهي إلى خير أو تحقق خيرًا .

ولذلك وجب تحضير النفوس للاجتماع ، حتى لا تنعقد الجلسة وفي النفوس هاجس من هواجس إبليس يمكن أن يفسد الأجواء ويحقق البلاء .

فبدء الاجتماع بالاستعاذة من الشيطان الرجيم ، وتلاوة شيء من القرآن الكريم ، والتوجه إلى الله بالدعاء ، من شأنه أن يجعله محفوفًا بتوفيق الله ، كما يجعله لقاء تتنزل فيه السكينة ، وتغشاه الرحمة وتحفه الملائكة ، ويذكره الله فيمن عنده .

وليس عبثًا أو جزافًا أن يقرر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إن كل عمل لم يبدأ ببسم الله فهو أقطع أو أبتر ) .

3 ـ موضوعية المناقشات :

ومما يساعد على نجاح الاجتماعات وفاعلية المناقشات ، غلبة الموضوعية عليها ، وبعدها عن المزاجية والانفعالية ، وهذا يفرض ملاحظة عدة أمور :

الأول : تحديد جدول بالموضوعات المراد بحثها ومناقشتها في بدء الجلسة .

الثاني : عدم الانتقال من موضوع إلى آخر قبل الانتهاء منه بقرار .

الثالث : عدم العودة إلى بحث موضوع انتهي منه ، إلا إذا اقتضت ذلك مبررات وضرورات .

الرابع : تأجيل مناقشة كل موضوع لم يتحقق تمحيص جوانبه .

الخامس : اعتماد أسلوب تقديم الآراء المكتوبة ، وبخاصة لدى مناقشة الموضوعات الهامة والخطيرة.

السادس : اعتماد أسلوب توزيع البحوث مكتوبة على الأعضاء قبل الاجتماع بفترة كافية لدراستها ووضع الملحوظات عليها .

4 ـ أدب المناقشة :

إن المناقشة حتى تحقق إغناء الموضوع بالآراء السليمة ، وحتى تحقق كشف سلبياته وإيجابياته ، وصولاً إلى اتخاذ القرار السليم بشأنه ، لا بد لها من عدة عوامل :

أولها : تحاشي استخدام العبارات الساخرة ، والمحقرة للرأي ، والمبادرة إلى الاعتذار إذا وقع ما يسيء .

ثانيها : الإصغاء إلى كل رأي يطرح ، مهما كان خاطئًا ، وعم مقاطعة صاحبه .

ثالثها : أن لا تتسم بطابع المساجلات الشخصية ، وغلبة فريق على فريق .

رابعها : ملاحظة ضرورة خفض الأصوات ما أمكن .

خامسها : أن لا يعتد كل واحد برأيه ، وإنما بتواضع الجميع ، وباستعدادهم للتنازل عن آرائهم للرأي الأمثل والأصوب ، يرفعهم الله ، ويوفقهم لاختيار الأمثل والأصوب .

سادسها : تنزيه الاجتماعات والمناقشات عن أساليب الغمز واللمز والغيبة والنميمة والمناورات ، وغيرها من الصفات المرذولة .

هذه بعض عوامل إن توفرت كان الاجتماع ناجحًا معطاء ، وكانت أجواؤه مشبعة بالبشر والأمل ، وإن لم تتوفر كان بؤرة سم لا يفرز إلا العقم والشؤم ، والعياذ بالله من الشيطان الرجيم .

ـــــــــــــــــ