أحمد العسَّاف

منذ يوم فعلى القمّة تقف حرية الرّأي، وسماع جميع الآراء، وتأمين أصحابها، وتنويع قنوات التّواصل، وإشاعة ثقافة الشّورى، وتفويض أهل العلم، والحكمة، والنّصح، والتّجربة، والرّيادة الحياة لا تتوقف، ولن تفعل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ففي كلّ لحظة تولد أحداث تصيب أفرادًا، ومنّظمات، ودولًا، وقد يطغى أمر جلل فيستولي على المشهد، ويكون الأكثر ظهورًا، والأطول عمرًا؛ لتحقيق غايات ومكاسب، أو تجلية حقائق، أو رسم مستقبل جديد.

وبالمقابل فهناك إجراءات تنتج فرقًا، وتحصد منافع كثيرة، أو تثمر نتائج تعاكس التّوقعات المخوفة، فتقود إلى خاتمة آمنة، وإخراج مناسب، وتنقذ من تبعات وعواقب، وحتى تؤدي هذه الإجراءات ذلك يجب أن تكون أساسيّة وليست طارئة مرتبطة بالأزمات، فامتزاجها مع النّسيج العام يضمن ديمومة السّلامة، وسلاسة الاستخدام، والرّضا الحقيقي بها، وأمّا استدعاؤها عند الحاجة فقط فمحفوف بالمخاطر والعثرات، ولن ينجو أحد هذا ديدنه.

وربّما يتفاعل بعضها مع المتغيرات والمستجدات، ويدور معها حيث دارت وجودًا وعدمًا، ومنها ما يقوى على الإتيان به كلّ أحد، وبعضها مناط بفئة من أهل الاختصاص أو الخصائص التي نالوها بشرف العلم، وبركة العمل، وشهادة الإنجاز، وطهارة السّيرة، وجمال المسيرة؛ وليس بشيء آخر مهما تلألأ بريقه، وجلجل صوته، وفُتنت به الجموع.

فعلى القمّة تقف حرية الرّأي، وسماع جميع الآراء، وتأمين أصحابها، وتنويع قنوات التّواصل، وإشاعة ثقافة الشّورى، وتفويض أهل العلم، والحكمة، والنّصح، والتّجربة، والرّيادة، الحائزين على ثقة الغالبيّة؛ للتباحث في الشّؤون العامّة؛ وفقًا لما يجلب المصالح المشتركة.

وإنّ شواهد التّاريخ، ومعاصرة الواقع، لتؤكد على أثر ذلك بمفهومي المخالفة والمطابقة، ويكفي من فضائل التّشارك أن تُقبل النّتيجة كيفما جاءت، وتضمر معها رذائل النّفاق، وتغيض بها شرور التّشويش.

وينبني على تداول الرّأي الأخذ على يد السّفيه، وحجز المخطئ، وتقديم المؤهل، بما يحفظ المكاسب، ويحمي من الخلل، ويحول دون النّزاع، وهذه ثمرة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بمعناه الشّرعي الحقيقي والواسع، إذ تصبّ في مصلحة الفرد والمجتمع والدّولة، وكم تجلب هذه الشّعيرة الباهرة، والحقيقة الجامعة لكلّ خير، من بركات دنيويّة وأخرويّة، وإنّما حرمناها بتقزيم معناها الضّخم، وحصر تطبيقاتها على أفراد ومؤسسات، وسوء استخدامها أحيانًا، وحقيقتها أعظم من حصرها في مجال أو رجال!

كما يبرز الفرق مع الانتظار، والتّأنّي، والتّأمل، وتقليب أوجه النّظر، فليس محمودًا البوح برأي وهو فطير لم يختمر، وأسوأ منه الشّروع في فعل دون تفكير بآثاره وبدائله، فإدارة الحياة بثقافة الصّيد أو المناهبة لا تنجح دائمًا؛ والانغماس في شأن بعامل القوّة أو الاستطاعة فقط ذو فجائع ومواجع، وفرق بين من يبحث عن مسالك الرّشاد ويطيعها، وبين من يتبع نفسه هواها حتى يحيط عنقه بأغلال ثقيلة يصعب الخلاص منها.

 والتّغيير يأتي بالفرق، فحين يسلك الإنسان طريقًا جديدًا، يرى معالم لم يسبق له مشاهدتها، وربّما يفتح عليه بما لم يحتسب من أفكار وملاحظات، ومثله تغيير مكان القراءة والكتابة أو نوعهما، أو تغيير فريق العمل، ونوع النّشاط. ولأهميّة التّغيير ربطت آيتان كريمتان بين تغيير الحال وتغيير ما في النّفوس، وأشار الخليل لابنه إسماعيل عليهما السّلام بلزوم استبدال عتبة الدّار، فالتّغيير سنّة حياتيّة ثابتة مستمرة، ويكاد أن يكون الأصل، وبحسن إدارة التّغيير نصل إلى أكمل صورة وأسلم حال، وهذا فرق تشرئّب له أعناق العقلاء.

ومن المنطقي أنّ وجود أطراف كثيرة يؤدي إلى التّوازن والمراعاة، والعدل في تقاسم المكاسب بما يرضي ويحول دون الاستئثار، وتخفيف أثر النّكسات بوقوعها على الجميع؛ فالانفراد سبب في الخطأ، أو قصور القدرة عن الإحاطة، أو الانكسار المروّع، والثّنائية ينجم عنها أحيانًا التّطاحن ما لم يكن التّعاون سيّد الموقف، وما أجمل توافر أطراف كثيرة متنافسة بسمو، أو متكاملة بصدق؛ فهذا ينظّم، وذاك ينفّذ، وثالث يراقب، ورابع يستثمر، وخامس يحمي، وسادس يقضي بين المتنازعين، وسابع يقوّم المعوج، وهكذا.

ويستجلب تكرار السّؤال، والبحث في سابق التّجارب، فروقًا كثيرة، فما أنفع تعدّد المصادر لخدمة الحقيقة، وما أصدق التّاريخ لاستشراف المستقبل، شريطة أن تكون روايته خالية من التّحيّز، حاوية لأكثر الأقوال، والأهم من ذلك أن يتبع الرّواية دراية تزيد في الفهم، وتستلهم من الوقائع؛ وكم من مزيّة ينالها من عرف الماضي ووعاه، وفهم المواقف واستخلص عبرها؛ كي لا يجد المرء نفسه بين تاريخ يلفظه ويستعصي على قبوله، وجغرافيا تضيق عليه، وتتحاشاه.

وعند بلوغ نقطة معينة، يصبح الإجراء ضرورة لا فكاك منها هروبًا من الغرق أو العطب، وهذه النّقطة تمثّل فرقًا كبيرًا حين يدركها أهل البصائر، ويتعاملون معها دونما عجز أو تسويف أو خور؛ فتغدو بردًا وسلامًا، وإمّا إذا أهملوها حتى يخوض فيها الغرباء، والأباعد، والأغرار، فسوف تكون نارًا ملتهبة، ذات أدخنة تحجب الأبصار، وتخنق الأنفاس، ويلتهم ضرامها أخضر الأرض ويابسها، وتلفح الوجوه بكوالحها الخبيثة، ويخفي ضجيج ألسنتها الأصوات المشفقة، فلا صريخ حينها، ولا مغيث، ولا نصير.

ــــــــــــــــــ