أنس محمد

هناك أشياء إذا فعلتها، فإنها تجلب لك محبة الآخرين، وتجعلك أثيرًا عندهم، وتتربَّع بها على عرش قلوبهم، وهذه الأشياء كلها مأخوذة من هدي نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن سيرته الشريفة، وهي دليل على كمال الأخلاق وتمام الأدب، وهذه الأشياء هي:

1- أن تبدأهم بالسلام:

فإلقاء السلام طريق من طرق نشر المحبة بين الناس، وتأليف القلوب فيما بينهم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[1].

2- أن تبتسم في وجوههم حين تلقاهم:

فهذا يدل على استبشارك بهم، وفرحك بلقائهم، وهذا بالطبع يجلب لك محبتهم، ويكسبك ودهم، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ"[2]، وقال أيضًا: «لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ شَيْئًا مِنَ المَعْرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَلْقَ أَخَاهُ بِوَجْهٍ طَلْقٍ "؛ أي: وجه مستبشر باسم، وعن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه يقول: "ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسَّم في وجهي"[3].

3- أن تناديهم بأحب الأسماء إليهم:

وهذا من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ حِذْيَمٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلَ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ، وَأَحَبِّ كُنَاهُ»[4].

4- أن تلقبهم بالألقاب التي يحبونها:

وهكذا كان يفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد كان يطلق على أصحابه ألقابًا تعلى من شأنهم، وترفع مكانتهم، وتشعر بأهميتهم وقيمتهم في المجتمع، فأبو عبيدة بن الجراح يطلق عليه (أمين الأمة) [5]، وخالد بن الوليد (سيف من سيوف الله) [6]، والزبير بن العوام (حواري رسول الله) [7].

بل كان يلقب بعض الكفار بما يحبون من ألقاب، وهذا من حسن أخلاقه وكمال أدبه، فنجده يقول مثلا في رسالته إلى قيصر الروم: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم)، ويقول أيضًا في رسالته إلى كسرى فارس: (من محمد عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس)، ويقول في رسالته إلى المقوقس زعيم مصر: (من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط).

لذلك من المهم جدًّا أن تلقب مَن تكلمه وتخاطبه بما يحبه، ولا تناديه باسمه المجرد، فمن كان طبيبًا تخاطبه بـ(يا دكتور)، ومن كان عالِمًا أو مهتمًّا بالعلم الشرعي تخاطبه بـ(يا شيخ)، ومن كان مدرسًا تخاطبه بـ(يا أستاذ)، وهكذا فكلما خاطبت الناس بالألقاب التي يحبونها، والتي تشعر بقيمتهم وأهميتهم، كلما أحبوك، وأنِسوا بلقائك.

5- أن تصافحهم عندما تلقاهم:

فمصافحتك لأخيك مصافحة حارة غير باردة، مصافحة تظهر فرحك برؤيته، واستبشارك بلقائه، من أكثر وسائل استجلاب محبة الآخرين، فضلًا عن أنها تغفر الذنوب، فعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا»[8].

وإذا صافحت أخاك فلا تنزع يدك من يده قبل أن ينزعها، هو فذلك من حسن الأدب، وكمال الذوق، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ الَّذِي يَنْزِعُ"[9].

6- السؤال عن أحوالهم:

بأن تقول له عندما تقابله: كيف حالك، وأحوال أولادك، وهذا من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحسن تعامله مع أصحابه، فلقد قابل يومًا عبدالرحمن بن عوف، وعليه أثر من طِيْب، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَهْيَمْ» [يعني: ما أمرك، أو ما شأنك]، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: «مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟» قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ - أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ - قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»[10].

7- أن تقوم لهم إذا كنت جالسًا احترامًا لهم:

فإذا دخل عليك رجل، وأنت جالس، فمن محاسن الأخلاق أن تقوم واقفا وتتلقاه بالبشر والترحاب، فهذا كان من هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَةَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهَا كَانَتْ «إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ، وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا» [11]، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ:‏ "قوموا إلى سيدكم"[12].

فهذا الوقوف من أجل أن تستقبله، وتتلقاه وهو من محاسن الأخلاق، أما الوقوف لأجل التعظيم فقط، أو تقف لتعظيم رجل وهو جالس، فذلك منهي عنه، وفيه ورد قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:‏ (من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار) [13].

8- أن تكرمهم في مجلسك:

بأن تفرش لمن يقدم عليك بساطًا أنيقًا يجلس عليه، أو تجلسه على الكرسي الذي كنت تجلس عليه، فعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: لما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم أتيته فقال: "يا جرير، لأي شيء جئت؟ قال: جئت لأُسلم على يديك يا رسول الله, قال: فألقى إليَّ كساءه، ثم أقبل على أصحابه وقال: إذا جاءكم كريمُ قوم فأكرموه، وقال: وكان لا يراني بعد ذلك إلا تبسم في وجهي"[14].

9- أن تفسح لهم في مجلسك:

فقد يكون المجلس ممتلئًا بالناس، غاصًّا بهم، وهنا من حسن الأدب، وكمال الخلق أن تفسح لهم لكي يجلسوا؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المجادلة: 11]، وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ قَاعِدٌ، فَتَزَحْزَحَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فِي الْمَكَانِ سَعَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ لِلْمُسْلِمِ حَقًّا إِذَا رَآهُ أَخُوهُ أَنْ يَتَزَحْزَحَ لَهُ "[15].

وقال أيضًا: «ثَلَاثٌ يُصَفِّينَ لَكَ وُدَّ أَخِيكَ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيتَهُ، وَتُوَسِّعُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَتَدْعُوهُ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ» [16].

10- أن تنصت لكلامهم وتبدي اهتمامًا لهم حتى ولو كنت تعلم ما يقول:

وقد كان رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير مستمع لمن يحاوره، فلا يقاطعه في حديث، ولا يلفت وجهه عنه وهو يكلِّمه، وقد كان يفعل ذلك مع المشرك فما بالك بأخيك المسلم، ففي حواره مع عتبة بن ربيعة حينما جاء يعرض عليه مطالب قومه, لم يزد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له: (قل يا أبا الوليد، أسمع)، ثم استمع إليه حتى انتهى، فقال له: (أوَقَد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم, قال, فاسمع مني، ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليه الآيات من أول سورة فصلت، حتى انتهى إلى موضع السجدة [فصلت 37 ]، قال: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك) [17].

وعن أنس رضي الله عنه قال مُحدِّثًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "كان إذا لقيه أحدٌ من أصحابه فقام معه، قام معَه، فلم ينصرف حتى يكون الرجلُ هو الذي يَنصرف عنه، وإذا لقيه أحدٌ مِن أصحابه فتناول يدَه ناوله إيَّاها، فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحدًا من أصحابه، فتناول أذنَه ناوله إياها، ثم لم ينزعها حتى يكون الرجلُ هو الذي ينزعها عنه"[18].

11- أن تمازحهم:

فالمزاح مع أخيك المسلم يوحي بتمام الأخوة بينكما، وقوة الصلة، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمازح أصحابه كدليل على محبته لهم، ولكن ينبغي أن يكون المزاح قليلًا؛ لأن كثرة المزاح تميت القلب وتسقط الهيبة، كما يجب أن يكون خاليًا من الكذب والسخرية واحتقار الآخرين، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يا ذا الأذنين"، يعني يمازحه [19].

وعن أنس رضي الله عنه أيضًا أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان دميمًا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني من هذا؟ فالتفت، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: مَن يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لكنك عند الله لست بكاسد"، "أنت غالٍ"، وفي رواية: "أنت عند الله رابح"[20].

12- أن تشاركهم في حديثهم:

فقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشارك أصحابه في أحاديثهم حتى ولو كانت هذه الأحاديث تتعلق بأمور الجاهلية، وكان يتجاذب أطراف هذه الأحاديث معهم، ويضحك معهم، فعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، «كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ»[21].

وفي وصف هند بن أبي هالة لمجلس النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإذا تكلَّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلَّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلَّم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه [22].

13- ألا تتناجى مع أحد دون الآخر:

فذلك يوغر الصدر، ويجلب الحزن، ويشعر أخاك بعدم أهميته عندك، وضعف منزلته لديك، لذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً، فَلاَ يَتَنَاجَى رَجُلاَنِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ»[23].

14- أن تلبي دعوتهم:

فتلبية الدعوة تعتبر حقًّا من حقوق المسلم على أخيه المسلم، فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ "[24]، وينبغي للمسلم ألا يفرق بين دعوة الغني والفقير، فيذهب لدعوة الغني، أما الفقير فيتجاهله، فهذا ليس من محاسن الأخلاق وكرم الأصل، ولقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجيب دعوة العبد، فيذهب إليه جبرًا لخاطره وتطييبًا لنفسه، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير) [25].

وقال أيضًا: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ»، (الكراع) كراع الشاة وهو ما دون الكعب ومستدق الساق، وهو شيء مستحقر، فأشار صلى الله عليه وسلم بالكراع إلى إجابة الدعوة ولو على شيء قليل [26].

15 – أن تظهر فرحك إذا أنعم الله عليهم بنعمة:

فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلتهنئه عليها، وتشاركه فرحته بها، فهذا أدوم للمحبة، وأبقى للصحبة، ولها وقع طيب، وأثر حسن على قلب صاحبك، ففي قصة توبة كعب بن مالك، لما تاب الله عليه يقول: (وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ)، انظر كيف كان وقع ما فعله طلحة معه على قلبه، حتى ظل ذاكرا له هذا الموقف ولا ينساه أبدًا.

16- أن تعزيهم إذا وقعت عندهم مصيبة:

فإن الإنسان عند المصيبة يكون في أشد الاحتياج لمن يقف بجانبه، ويواسيه حتى ولو بالكلمة، فإن صاحب المصيبة عندما يشعر أن الناس معه، فإن ذلك يخفف من وقْعها كثيرًا، كما أنه يجلب لك محبته ووده، وفي فضل التعزية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مؤمن يعزِّي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة» [27].

17- أن تعودهم إذا مرضوا:

فهذا يخفف عنه كثيرًا ألم مرضه، ويجعله يشعر بقيمته عندك، وأهميته لديك؛ لذلك جعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عيادة المريض حقًّا من حقوق المسلم على أخيه المسلم، فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: ومنها وَعِيَادَةُ المَرِيضِ"[28].

وقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود أصحابه، ويبكي رحمة بهم وحزنًا عليهم، فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «قَدْ قَضَى» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا... الحديث [29].

18- اقضِ لهم حاجتهم ما دامت في استطاعتك:

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حوائج أصحابه، حتى وإن كانوا صغارًا أو عبيدًا، فلقد كانت الأمة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينطلق معها فيقضي لها حاجتها [30]، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم قضاء حاجة أخيك المسلم من أفضل الأعمال، فعن عمر بن الخطاب قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته، أو سترت عورته، أو قضيت له حاجة» [31].

19- أن تساعدهم وتعاونهم:

كأن ترى أحد الناس يحمل حملًا ثقيلًا، فتحمله معه، أو تجده في عمل شاق فتعينه، وقد جعل النبي الله صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأعمال من الصدقات حتى يرغبك في فعلها والقيام بها، فقال: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[32].

20- أثنِ عليهم دائمًا وامدحهم بما فيهم:

من المعلوم أن النفس مجبولة على حب الثناء والمدح، وكلما أثنيت على أحد من إخوانك، ازداد لك حبًّا، ويشترط في هذا الثناء أن يكون بحق؛ حتى لا تقع في الكذب، وألا يُخشى على صاحبك منه أن يُفتن به فيقع في الكبر والغرور.

وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، كان يمدح أصحابه بحق، فبشر بعضًا منهم بالجنة؛ كأبي بكر وعثمان وعمر [33]، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، كما مدح عمر رضي الله عنه، فقال: "ما رآك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك"[34].

21- أن تتواضع معهم:

فالتواضع هو أسهل طريق ليُحبك الناس، ويجعلوك على عرش قلوبهم، وقد كان رسول الله أشد الناس تواضعًا، فعن أبي مسعود قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فكلَّمه فجعل ترعد فرائصه، فقال له: «هوِّن عليك، فإني لست بملكٍ، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد»[35].

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان صلى الله عليه وسلم يُرْدِف خلفه، ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار[36].

22- أن تصبر على فظاظتهم وغلظتهم:

فقد يتكلم معك صاحبك بغلظة ما، أو يقول لك كلمة تجرحك في وقت غضب، فعندئذ من حسن الخلق أن تتغاضى عن هذا، وتلتمس له العذر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل جفوة بعض الأعراب وغلظتهم، فقد جذبه أحد الأعراب من حاشية قميصه حتى أثَّر في رقبته، ومع ذلك ضحك وأمر له بالعطاء [37]، وآخر يقول له: اعدل وهو يقسم الغنائم، فيتغاضى عنه ولم يعاقبه[38].

23 – أن تتفقد أحوالهم إذا غابوا:

إن من يتفقد أحوال أصحابه، ويسأل عنهم إذا غابوا، فإنه يزداد بذلك محبةً منهم، وإعظامًا لمكانته لديهم، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تفقد أصحابه إذا غابوا، وهو كثير جدًّا في سيرته صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك رضِي الله عنه أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم افتَقَد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك عِلمَه، فأتاه فوجَدَه جالسًا في بيته مُنكِّسًا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال ثابت: شرٌّ؛ كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبَرَه أنه قال كذا وكذا، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: (اذهب إليه فقل له: إنَّك لستَ من أهل النار، ولكن من أهل الجنة)[39].

وعن عبدالله بن بُرَيْدَةَ عن أبيه رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَتَعهَّد الأنصار ويَعُودُهم ويَسأل عنهم، فبلغه عن امرأةٍ من الأنصار مات ابنُها وليس لها غيره، وأنها جزعتْ عليه جزعًا شديدًا، فأتاها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمَرَها بتقوى الله وبالصبر؛ الحديث [40].

وعن أبى هريرة رضِي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد، ففقَدَها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فسأل عنها، فقالوا: ماتت، قال: ((أفلا كنتم آذنتموني؟))، قال: فكأنهم صَغَّروا أمرها، فقال: ((دُلُّوني على قبرها))، فدلُّوه فصلَّى عليها"[41].

والحمد لله رب العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مسلم (54).

[2] الترمذي (1956)، وقال الألباني: صحيح.

[3] البخاري (3035)

[4] مجمع الزوائد (12894)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.

[5] البخاري (3744).

[6] رواه أحمد (43)، وقال محققو المسند: صحيح بشواهده.

[7] البخاري (2847).

[8] أبو داود (5212)، وصححه الألباني.

[9] الترمذي (2490)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4780).

[10] البخاري (2049).

[11] أبو داود (5217)، وصححه الألباني.

[12] البخاري (3043).

[13] رواه الترمذي (2755)، وصححه الألباني.

[14] سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (1205).

[15] شعب الإيمان للبيهقي (8534).

[16] مجمع الزوائد (13065)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه موسى بن عبدالملك بن عمير، وهو ضعيف، وإن كان الحديث ضعيفًا إلا أن معناه صحيح.

[17] السيرة النبوية لابن هشام 1/ 294.

[18] صحيح الجامع (4780).

[19] رواه أحمد (12164)، وقال محققو المسند: إسناده حسن.

[20] رواه أحمد (12648)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.

[21] رواه مسلم (670).

[22] رواه الترمذي في الشمائل (334).

[23] البخاري (6290).

[24] البخاري (1240).

[25] سلسلة الأحاديث الصحيحة (2125).

[26] فتح الباري 5/200.

[27] سن ابن ماجه (1601)، وحسَّنه الألباني.

[28] البخاري (1240).

[29] البخاري (1304).

[30] البخاري (6072).

[31] سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (1494).

[32] سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (1494).

[33] الترمذي (3748) وصححه الألباني، وهو حديث العشرة المبشرين بالجنة.

[34] مسلم (1009).

[35] ابن ماجه (3312)، وصححه الألباني.

[36] صحيح الجامع (4945).

[37] البخاري (5809).

[38] البخاري (3138).

[39] البخاري (3613).

[40] الحاكم في المستدرك (1416)، وقال الألباني في "أحكام الجنائز": على شرط مسلم، وقال: ولا ينزل عن رتبة الحسن.

[41] مسلم (956).