الحمد لله المتفرد بالجلال والبقاء والعظمة والكبرياء والعز الذي لا يرام الواحد الأحد الفرد الصمد وفق من شاء فآمن واستقام، أحمدُه على نعمه الجسام، وأشكره وأسأله حفظ نعمة الإسلام.

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون* أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة:183،184]

هذه الكلمة أيها الأحبة: “أياماً معدودات” تشعر بسرعة الانقضاء وقرب الرحيل، فلا داعي لاستثقال لحظاته، بل الواجب علينا أن نعيش طاعة الوقت من صلاة وصيام وقيام وتلاوة للقرآن. وكما قالوا كيف يفرح بالدنيا يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره وعمره يقوده إلى أجله وحياته تقوده إلى موته.

    “أياماً معدودات، تشعر بسرعة الانقضاء وقرب الرحيل، فلا داعي لاستثقال لحظاته، بل الواجب علينا أن نعيش طاعة الوقت من صلاة وصيام وقيام وتلاوة للقرآن”

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبى فقال: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” وكان ابن عمر يقول: “إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك”.

“أياماً معدودات”.. فأكثر من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات، فيا له من زائر لا يعوقه عائق ولا يضرب دونه حجاب، فلنعلم جميعا أن انفاسناً تعد ورحالنا تشد وعاريتنا ترد والتراب من بعد ذلك ينتظر الخد وعلى أثر من سلف يمشى من خلف وما ثم إلا أمل مكذوب وأجل مكتوب.

صعد أبو الدرداء درج مسجد دمشق فقال: “يا أهل دمشق ألا تسمعون من أخ لكم ناصح، إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيراً ويبنون شديداً ويأملون بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً وبنيانهم قبوراً وأملهم غروراً”.

وكان يقول ثلاث أضحكتني حتى أبكتني، طالب دنيا والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أرضى ربه أم أسخطه، وغافل ليس بمغفول عنه.

وكان الإمام أحمد يقول: يا دار تخربين ويموت سكانك.

    “اعمل أيها الموحد في أيامك المعدودة قبل أن تقول يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، أو تنادى بأعلى صوتك تقول هل إلى مرد من سبيل”

فمتى نفيق من غفوتنا وغفلتنا وإلا فالأيام تمر، والصحائف تطوى، والأعمال ترفع لرب العالمين، والناس في غفلاتهم وإنا لله وإنا إليه راجعون. فاعمل أيها الموحد في أيامك المعدودة قبل أن تقول يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، أو تنادى بأعلى صوتك تقول هل إلى مرد من سبيل.

“أياماً معدودات”.. فوجودك في هذه الدنيا على وجه الأرض أياماً معدودات بجانب حياتك تحت أطباق الثرى، بل وجودك تحت التراب أياماً معدودات بجانب خلودك في الجنة. يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت.

إخوانى لقد فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي عقل فرحاً، فلعلك تنطق كما نطق عمر بن عبد العزيز وتقول: “قبور خرقت الأكفان ومزقت الأبدان ومصت الدم وأكلت اللحم، ترى ما صنعت بهم الديدان، محت الألوان وعفرت الوجوه وكسرت الفقار وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء”.

ترى أليس الليل والنهار عليهم سواء. كم من ناعم وناعمه أصبحوا وجوههم بالية، وأجسادهم على أعناقهم نائية، قد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً، وعادت العظام رميماً قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضائق، ثم راح ينادى يا ساكن القبر والذي غرك من الدنيا أين دارك الفيحاء أين رقاق ثيابك.

--------------------------

د. يحيى الطرمان - موقع بصائر