لقد وضحَ الحقُّ لولا صممُ القلوب، وبانَ السبيلُ لولا كدَرُ الذنوب. إن السؤال عظيم؛ فاسكُبُوا دمعَ الخوف والخشية سائِحًا، والموقفُ عصيب؛ فادَّخِروا لأنفُسِكم عملاً صالِحًا. لقد أوردَت الأترابَ مصارِعُ المنايا، وجاءَت بالزواجِر قوارِعُ الرَّزايا.

فرحِم الله عبدًا أعدَّ العُدَّة لحسابِه، واتَّخذَ من العمل الصالِح زادًا لمآبِه، فطِيبُوا أنفسًا بمُعاملة الله، فأنتم الرابِحون، (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31].

ومع دورات الأفلاك، وتقلُّبات الأيام، ترتجِفُ قلوبُ المؤمنين، وتقشعِرُّ جلودُ المُخبِتين؛ فالأعمارُ قصيرةٌ مهما طالَت، والأيام سريعةٌ مهما أبطَأَت. الدنيا مُدبِرة، والآخرةُ مُقبِلة، فاستقبِلوا المُقبِل، ولا يشغلكُم المُدبِر، فاليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل، والكيِّسُ من دانَ نفسَه، وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ من أتبعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.

إن مُحاسبةَ النفس هي ديدَنُ العاملين المُخلِصين، ونَهجُ عباد الله الصالِحين. انظُروا ماذا ادَّخرتُم ليوم معادِكم، وماذا قدَّمتُم للعرض على ربِّكم؟! فلله كم من الأعمار أمضيتُم؟ وكم من الأحباب فقدتُم؟ وكم من الأقارِب دفنتُم؟ وكم من عزيزٍ في اللُّحود قد وارَيتُم؟ عاجَلتهم آجالُهم، وقطعَ الموتُ آمالَهم، ولعلَّ الله أن يُثيبَهم على صالِح نيَّاتهم، فإنما لكل امرئٍ ما نوَى.

يُقال ذلك – يا عباد الله – والأمةُ الإسلامية تعيش ايام هذا الشهر الكريم “رمضان العظيم”.

تأمَّلوا هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وصحَّحه الألبانيُّ – رحمهم الله جميعًا -: عن طلحة بن عُبيد الله – رضي الله عنه -، أن رجُلَين قدِما على رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – وكان إسلامُهما جميعًا – أي: في وقتٍ واحدٍ -، وكان أحدَهما أشدَّ اجتِهادًا من صاحبِه، فغزَا المُجتهِدُ منهما فاستُشهِد، ثم مكثَ الآخرُ بعده سنة، ثم تُوفِّي.

قال طلحةُ: فرأيتُ فيما يرى النائِمُ كأني عند بابِ الجنة، فإذا أنا بهما، وقد خرجَ خارِجٌ من الجنة، فأذِنَ للذي تُوفِّي الآخر منهما، ثم خرج، فأذِنَ للذي استُشهِد، ثم رجعَ إليَّ، فقال: ارجِع فإنه لم يأنِ لك بعدُ. فأصبحَ طلحةُ يُحدِّثُ به الناس، فتعجَّبُوا لذلك – أي: تعجَّبُوا كيف أن الذي لم يُجاهِد ولم يُستشهَد دخلَ الجنةَ قبل صاحبِه .

فبلغَ ذلك رسولَ الله – صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال: «من أيِّ ذلك تعجَبون؟». قالوا: يا رسولَ الله! هذا كان أشدَّ اجتِهادًا، ثم استُشهِد في سبيل الله، ودخلَ هذا الجنةَ قبلَه! فقال – عليه الصلاة والسلام -: «أليسَ قد مكَثَ هذا بعدَه سنة؟». قالوا: بلى، «وأدركَ رمضانَ فصامَه؟». قالوا: بلى، «وصلَّى كذا وكذا سجدة في السنة؟». قالوا: بلى، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «فما بينَهما أبعَدُ ما بين السماء والأرض».

الله أكبر يا عباد الله! بينهما أبعَد ما بين السماء والأرض.

إنه الشهر المُبارَك .. كنزُ المُتقين .. وبهجةُ السالِكين .. وراحةُ المُتعبِّدين .. (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185].

طاعةُ الله شرف .. والوقوفُ بين يدَي الله نعمة .. واغتِنامُ مواسِم الخيرات منَّة، وإن من لُطفِ الله ورحمته أن عوَّض بقِصَر الأعمار ما تُدرَكُ به أعمارُ المُعمَّرين بمئات السنين، وذلك بمُضاعفَة الأجور؛ لشرف الزمان، وشرف المكان، ومواسِم الطاعات.

وشهرُكم شهرٌ عظيمٌ مُبارَك، في ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرِم خيرَها فهو المحرُوم.

إنكم تستقبِلون شهرًا عظيمًا مُبارَكًا، تُفتَحُ فيه أبوابُ الجنة، وتُغلَقُ أبواب النار، وتُصفَّدُ الشياطين، كما جاء في الحديث الصحيح.

وجاء في “السنن”: «يُنادِي فيه المُنادِي: يا باغِيَ الخير أقبِل، ويا باغِيَ الشر أقصِر، ولله عُتقاءُ من النار، وذلك كل ليلة».

ومن أعظم صِدق الاستِقبال لهذا الشهر الكريم: مُجاهَدةُ النفس من الشيطان والهوَى والشهوات، والاجتِهادُ في طلب الخير، والتعرُّض لنفَحَات الربِّ الكريم، وفي الحديث: «اطلُبُوا الخيرَ، وتعرَّضُوا لنفَحَات الله؛ فإن لله نفَحَاتٍ من رحمته يُصيبُ بها من يشاء»؛ رواه الطبراني، وصحَّحه الألباني.

فترَون المُوفَّق – يا عباد الله – يُقبِلُ على ربِّه في ابتِهاجٍ، وفي انشِراح، وإقبالٍ على الطاعةِ، وفرحٍ بها، وأملٍ عظيمٍ من ربِّه بالتيسير والقبول.

ومن حُسن الاستِقبال – معاشِر الأحبَّة -: العزمُ الصادق، والنيَّةُ الخالِصة، وربُّكم مُطَّلعٌ على النوايا، وخبيرٌ بالعزائِم، (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 100].

فانْوُوا الخيرَ، واعقِدُوا العزم، واشحَذُوا الهِمَم؛ تُفتَح لكم أبواب التوفيق.

ويُعينُ على العزم الصادِق، والنيَّة الخالِصة: ما يعلمُه المُسلم من عظيم الأجر، وجزيلِ الثواب في انطِلاقةٍ جادَّة، وعزيمةٍ مُؤكَّدة، وتوبةٍ صادِقة، يُجدِّدُ فيها العبدُ العهدَ مع ربِّه، يأتمِرُ بالأوامِر، وينتهِي عن النواهِي، ويستقيمُ على الجادَّة، وإنما العِبرةُ بالخواتِيم. ومن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه.

ومن استغلال هذا الشهر – حفِظَكم الله -: التوبةُ الصادِقة النَّصُوح، إقلاعًا عن المعاصِي، وندمًا على فعلِها، وعزمًا على عدم العودة إليها، وتوجُّهًا إلى فعل الخير، واستِغلالُ مواسِم الطاعات، والاستِكثارُ من الأعمال الصالِحات؛ من صيامٍ، وصلاةٍ، وصدقاتٍ، وقيامِ ليلٍ، وقراءةِ قرآن، وذكرٍ، ودعاءٍ، وصِلةِ رحِم، وتفقُّد الأهل والذريَّة، وحفظٍ للوقت، وبُعدٍ عن المُشكِلات والمُلهِيات.

ومن حُسن استغلال هذا الشهر – وفَّقكم الله -: تصفيةُ القلب، وذلك بالصِّدق مع النفس ومع الناس، وحبِّ الخير للجميع، والبُعد عن أمراض القلوب؛ من الغلِّ، والحِقد، والحسد، والكِبر، والغِشِّ، والغِيبَة، والنَّميمة.

وفي الحديث: قيل : يا رسول الله! أيُّ الناس أفضل؟ قال: «كلُّ مخمُوم القلب، صدُوق اللسان». قالوا: يا رسول الله! صدُوق اللسان نعرِفُه، فما مخمُوم القلب؟ قال: «هو التقِيُّ النقِيُّ، لا إثمَ فيه ولا بغيَ، ولا غلَّ ولا حسَد»؛ رواه ابن ماجه.

شهرُ رمضان المُبارَك، شهرُ البرِّ والإيمان، والخير والإحسان، والصَّفح والغُفران، وهو فرصةٌ للتحلُّل من حُقوق العباد ومظالِمهم، فيرُدُّ العبدُ ما يستطيعُ ردَّه، ويطلُبُ المُسامَحَة من إخوانِه.

وفي الحديث: «رحِم الله عبدًا كانت عنده مظلَمة في عِرضٍ ومالٍ، فجاءَه فاستحلَّه قبل أن يُؤخَذ وليس ثمَّ دينارٌ ولا درهَم، فإن كانت له حسنات أُخِذ من حسناته، وإن لم تكُن له حسنات حمَلُوا عليه سيئاتهم».

واحذَروا – رحمَني الله وإياكم – ما يُوغِرُ الصدور، ويقصِمُ الظهور، ويُمرِضُ القلوب، ويُولِّدُ الأحقاد، ويُكثِر الحُسَّاد؛ وذلك لحبِّ الظُّهور، والتطلُّع للرئاسة، وابتِغاءُ الشُّهرة.

يقولُ الفُضيلُ بن عِياض – رحمه الله -: “ما من أحدٍ أحبَّ الرئاسةَ إلا حسَدَ وبَغَى، وتتبَّع عورات الناس، وكرِهَ أن يُذكَر أحدٌ بخير”.

ومن الجِدِّ في الاستغلال: حِرصُ العبد على معرفة ما يحتاجُه من أحكام الصيام وفقهِه؛ ليسلَم له صيامُه من النقص، وما يُنقِّصُ ثوابَه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطِنة، والعناية في حُضور مجالِس العلم، والذِّكر والوعظ، وسُؤال أهل العلم فيما يجهلُه أو يُشكِلُ عليه.

فكم ترَون في هذا الشهر الكريم من المُشمِّرين؟! وكم تسمَعون من بُكاء المُتبتِّلين؟! وكم تلحَظُون من دموع المُبتهِلين؟! ما بين راكعٍ وساجِد، ولكتابِ الله تالِي، ولأعمال البرِّ مُشمِّر، في أعمالٍ دَؤُوبَة، لا تكادُ تنقطِع. من الذي قرَّبَهم؟! ومن الذي أعانَهم؟! إنه التوفيقُ من الله، والحِرصُ على الطُّهر والصفاء، والبُعد عن المعاصِي.

فيا لسعادة من مدَّ الله له في الأجل، ومتَّعه بالصحة، ووفَّقه لحُسن العمل؛ ليشملَه بعفوِه، ويُنعِم عليه بغُفرانِه.

وإذا كانت مفاوِزُ الدنيا تُقطَعُ بالأقدام؛ فإن مفاوِز الآخرة تُقطَعُ بالقلوب، (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)[البقرة: 177].

وما استعانَ عبدٌ على دينِه بمثلِ خشيةِ الله، ومن خافَ أدلجَ، ومن أدلجَ بلغَ المنزِل، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: 46].إن مقام العبودية – عباد الله – هو بتكميل مقام الذلِّ والانقِياد، وأكملُ الخلق عبوديةً أكملُهم ذُلاًّ وانقِيادًا وطاعة، فهو ذليلٌ لعظمةِ مولاه، وذليلٌ لربوبيَّته، ذليلٌ لإحسانِه وإنعامِه.

وبعدُ، يا عبد الله:

فاحرِص على هذه الغنائِم العظيمة، والتجارة الرابِحة، مع ثناءِ الكريم الجواد في الحديث القُدسي: «يدَعُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجلي».

واعلَم أن الله إذا أرادَ بعبدٍ خيرًا فتحَ له أبوابَ التوبة والعزم والانكِسار، والذلِّ والافتِقار، والاستِقامة، وصِدقِ اللُّجوء إليه، ودوام التضرُّع والدعاء والتقرُّب إليه.

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[البقرة: 186].

------------------

الدكتور / صالح بن حميد - موقع السكينة