إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له.

لقد حذَّرَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الفتن؛ فقال: ((إنَّ بين يدي الساعة فِتَنًا كقطع الليل المُظلِم))، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أُحذِّركم سبع فتن تكونُ من بعدي تُقبِل كلُّ واحدة من جهة)).

وعن النعمان بن بشيرٍ - رضي الله عنه - قال: صَحِبْنَا النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وسمعناه، يقول: ((إنَّ بين يدي الساعة فِتَنًا كأنها قِطَعُ الليل المظلم؛ يُصبِح الرجل فيها مؤمنًا ثم يُمسِي كافرًا، ويُمسِي مؤمنًا ثم يُصبِح كافرًا، يَبِيع أقوامٌ خَلاقَهم بعَرَضٍ من الدنيا يسير))؛ رواه أحمد، قال الحسن - رحمه الله -: والله لقد رأيناهم صُوَرًا ولا عقول، أجسامًا ولا أحلام، فراشَ نارٍ وذبان طمعٍ، يغدون بدرهمين ويَرُوحون بدرهمين، يبيعُ أحدُهم دينَه بثمن العنز.

وعن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((اللهم لا يُدرِكني ولا تُدرِكوا زمانًا لا يُتبَع فيه العليم، ولا يُستَحى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب))؛ رواه أحمد.

ومن تحذيره - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الفتن قولُه: ((ستكونُ فتنٌ؛ القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي))؛ متفق عليه.

وروى الإمام أحمد في "مسنده" ومسلم في "صحيحه" - رحمهما الله - عن أبي بكْرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((إنها ستَكُونُ فِتنٌ، ألا ثم تكون فتنةٌ؛ المضطجع فيها خيرٌ من الجالس، والجالس فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي))؛ يعني - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أنَّه كلَّما كان المرء أكسَلَ في الفتنة كان أخيَرَ وأفضل وأسلَمَ دِينًا.

وفي الطبراني عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ستكونُ فتنٌ يُصبِح الرجل فيها مؤمنًا ويُمسِي كافرًا، إلاَّ مَن أحياه الله بالعلم)).

ولقد اشتملَتْ أحاديث النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الإخبار عن الفتن على ذِكر صِفاتها وصِفات أهلها وبَيان شُؤم آثارها على العباد والبلاد؛ فمن ذلك إخباره - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن فتنةٍ تجيء من المغرب وأنها أعمُّ وأطمُّ من فتن المشرق، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - لابن حَوالة - رضِي الله عنه -: ((كيف تصنَعُ في فتنةٍ تَثُور في أقطار الأرض كأنها صَياصِي - أي: قُرون - بقرٍ))؛ رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.

وخرَّج نعيم بن حماد في "الفتن" عن حُذَيفة - رضي الله عنه - بسندٍ صحيح عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((تكونُ فتنةٌ تعوج فيها عُقول الرجال حتى ما تَكاد ترى فيها رجُلاً عاقِلاً)).

وله أيضًا عنه - رضِي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثم تكونُ فتنةٌ لا تكون بعدها جماعة؛ تُرفَع الأصوات، وتَشخَص فيها الأبصار، وتُذهَل فيها العقول، فلا تَكادُ ترى فيها رجلاً عاقلاً)).

وفي "سنن أبي داود" عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ستكونُ فتنةٌ عَمياء بَكماء صمَّاء، مَن أشرَفَ لها استشرفَتْ له، وإشرافُ اللسان فيها كوقْع السَّيف)).

وأخرج نعيم بن حماد في "الفتن" بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((تأتيكم أربعُ فتن؛ فالرابعة الصمَّاء العمياء المطبقة، تعرك فيها الأمَّة بالبَلاء عرْك الأديم حتى يُنكَر فيها المعروفُ ويُعرَف فيها المنكرُ، تموتُ فيها قلوبهم كما تموتُ أبدانهم))، وفي رواية: ((والرابعة صمَّاء عمياء مُطبِقة تمورُ كمور موج البحر، حتى لا يجد أحدٌ من الناس منها ملجأً)).

وله عن الحكَم بن نافع بلفظ: ((قال: والفتنة الرابعة يَصِيرون إلى الكُفر؛ مع هذا مرَّة، ومع هذا مرَّة، بلا إمامٍ ولا جماعة))؛ يعني: أنها تؤدِّي إلى ذَهاب السُّلطان وقِتال الناس بعضهم بعضًا.

تذكَّروا أنَّ نبيَّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا ينطق عن الهوى؛ ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 4]، وأنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما أخبركُم عن الفتن ووصَفَها لكم وصفًا جليًّا يزيلُ اللبس ويجعلُكم على بيِّنة - قد بيَّن لكم شُؤمها على الدِّين والبلاد وأحوال المؤمنين؛ فقد بيَّن لكم وحذَّركم من إثارتها والتحريضِ عليها والمشاركة فيها، وأنَّه يُؤدِّي إلى خُسران الدُّنيا والآخِرة؛ ففي "التاريخ"؛ للحاكم - رحمه الله - عن أبي هُرَيرة - رضِي الله عنه -: "إنَّ الفتنة تُرسَل ويُرسَل معها الهوى".

وخرَّج نعيم بن حماد في "الفتن" عن أبي الدرداء: "إنَّ الفتنة إذا أقبلَتْ شَبَّهتْ - يعني: تشتبه على بعض الناس بالحق - وإذا أدبرَتْ سفرتْ، وإنَّ الفتنة تُلقَح بالنَّجوى - حديث الناس بعضهم إلى بعض سرًّا - وتُنتَج بالشكوى، فلا تُثِيروها إذا حميتْ، ولا تعرضوا لها إذا عرضتْ، إنَّ الفتنة راتعةٌ في بلاد الله، تطَأُ في خِطامها، فلا يحلُّ لأحدٍ من البريَّة أنْ يُوقِظها حتى يأذَنَ الله لها، الويلُ لِمَن أخَذ بخطامها - أي: أيقَظَها وأقامَها أو قادَها - ثم الويلُ له، ثم الويلُ له)).

وفي الطبراني عن أبي الدرداء - رضِي الله عنه - أيضًا: "لا تقرَبُوا الفتن إذا حميتْ، ولا تعرضوا لها إذا عرضَتْ، واضرِبُوا أهلها إذا أقبلت".

وفي "مسند الإمام أحمد" و"صحيح مسلم" - رحمهما الله - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ألا فإذا نزلتْ - يعني: الفتنة - فمن كان له إبلٌ فليلحق بإبله، ومَن كانت له غنمٌ فليلحق بغنَمِه، ومَن كانت له أرضٌ فليلحَق بأرضه، ومَن لم يكن له شيءٌ فليعمد إلى سيفه - يعني: سلاحه - فيدق على حدِّه بحجرٍ - يعني: لا يُشارِك في الفتنة - ثم لينجُ إنِ استَطاع النَّجاء، اللهم هل بلَّغت؟ اللهم هل بلَّغت؟ اللهم هل بلَّغت؟)).

وفي "المسند" والصحيحين عن أبي هريرة - رضِي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن تشرَّف لها - يعني: الفتنة - تستَشرِف له، ومَن وجَد عنها ملجأً أو مَعاذًا فليَعُذْ به)).

وفي "المسند" بإسنادٍ صحيح عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قلت: ما أصنَعُ عند ذاك - يعني: الفتنة - يا رسول الله؟ قال: ((اتَّق الله - عزَّ وجلَّ - وخُذْ ما تعرف، ودَعْ ما تُنكِر، وعليك بخاصَّة نفسك، وإياك وعوامَّهم)).

وممَّا ينجي الله - تبارك وتعالى - به من الفتن الدعاء والضراعة إلى الله - تعالى - بطلب السلامة منها ومن شرِّها وشر أهلها؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((يوشك أنْ تظهر فتنةٌ لا ينجي منها إلا الله - عزَّ وجلَّ - أو دعاء كدعاء الغَرقَى))؛ رواه الحاكم في "تاريخه" عن أبي هريرة - رضِي الله عنه.

وعنه أيضًا - رضِي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا يخلص من شرِّها - يعني: الفتن - إلا مَن أخلَصَ الدعاء كدعاء الغَرقَى في البحر)).

وممَّا يسلم به الله - تعالى - من شرِّ الفتن ما أرشَدَ إليه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بقوله: أيها الناس، عليكم بالجماعة - الولاية العامَّة - وإيَّاكم والفُرقة))، قالها ثلاثًا؛ رواه الإمام أحمد في "مسنده".

فلزوم إمام المسلمين - الحاكم العام - وجماعة المسلمين من أسباب النَّجاة من الفتن؛ ففي البخاري عن حذيفة - رضِي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يكونُ دُعاةٌ على أبواب جهنَّم - أي: يدعون الناس بالشُّبهات، ويُغيِّرونهم بالشهوات للخروج على الولاة - مَن أجابهم قذَفُوه فيها))، قلت: يا رسول الله، صِفْهُم لنا، قال: ((هم قومٌ من أهل جِلدتنا يتكلَّمون بألسنتنا))، قلت: فما تأمُرُني إنْ أدركَنِي ذلك؟ قال: فالزم جماعة المسلمين وإمامهم)).

وخرَّج الإمام أحمد - رحمه الله - في "مسنده" عن حذيفة - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ثم تنشأ دُعاة الضلالة، فإنْ كان لله يومئذٍ في الأرض خليفةٌ جلَد ظهرك وأخَذ مالك فالزَمْه - أي: ولو مع إساءته إليك - وإلا فمُتْ وأنت عاضٌّ على جِذل - جِذع - شجرة)).

وممَّا أرشدكم إليه حبيبُكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - عند الفتن قولُه: ((تَرجِعون إلى الأمر الأوَّل - يعني: ما كان عليه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه - رضِي الله عنهم))، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أفلَحَ مَن كفَّ يدَه)).

وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اصبروا وخالِقُوا الناس بأخلاقهم، وخالِفُوهم في أعمالهم)).

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - لِمَن قال، فإذا أدركتها - يعني: الفتنة؟: ((فألصق بطنك بالأرض حتى يستريحَ برٌّ، أو يُستَراح من فاجر)).

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - أيضًا: ((اجلِسْ في بيتك حتى تأتيَك منيَّةٌ قاضية، أو يدٌ خاطئة)).

وفي "المسند" عن معاوية - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّه لم يبقَ من الدُّنيا إلا بلاء وفتن، فأعِدُّوا للبلاء صبرًا)).

فاتَّقوا الله عبادَ الله، واحذروا الفتنَ ما ظهر منها وما بطَن، وخُذوا للنجاة منها بخير سنن، فإنَّ نبيَّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد تقدَّم لكم بالإنذار، فأبلَغَ في الإعذار، وتركَكُم على محجَّةٍ بيضاء ليلها كالنهار، فاقبَلُوا نذارتَه، والزَمُوا سنَّته، ولا تُخالِفوا عن أمره، وأخلِصُوا الضَّراعة والدُّعاء أنْ يُجنِّبكم الله الفتنة والبلاء، وشَماتة الأعداء، والضلالة بعد الهدى، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم.

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 66 - 70].

-------------------------

الشيخ عبدالله القصيِّر- شبكة الالوكة