أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ من الْفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، قالوا نَعُوذُ بِاللَّهِ من الْفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ" [مسلم (2867)] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني وتتوب علي، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون".

إن الناظر بعين البصر والبصيرة في عالمنا اليوم، يجد أننا نمر بفتن عظيمة، تنوعت أسبابها، وتعددت أشكالها، وكثرت صورها، فتعاظم خطرها، وتتطاير شررها، فتنٌ تحسن القبيح، وتقبّح الحسن، وتجعل الصادق كاذباً، والكاذب صادقاً، والخائن أميناً، والأمين خائناً.

أهواء تعبث، ومصالح تحكم، ودين يُقصى، وفتن تموج كموج البحر، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "سَيَأْتِي على الناس سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فيها الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فيها الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فيها الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ وما الرُّوَيْبِضَةُ قال الرَّجُلُ التَّافِهُ في أَمْرِ الْعَامَّةِ" [ابن ماجة(4036)].

لقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بما يكون في هذه الأمة من تفرق واختلاف، ونزاع وشقاق، وفتن ومحن تلتبس على الكبار فضلاً عن الصغار، ويحتار فيها ذوو العقول والأبصار، يقول عليه الصلاة والسلام: "ستكون فتنة صماء بكماء عمياء، من أشرف لها استشرفت له" [أبو داود(4264)]، ويقول عليه الصلاة والسلام "سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فيها خَيْرٌ من الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فيها خَيْرٌ من الْمَاشِي وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ من السَّاعِي وَمَنْ يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أو مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ" [البخاري(3601)].

يقول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الفتن، "تبدأ في مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية، فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضلّ رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها، وتلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف له قصمته، ومن سعى فيها حطمته، تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظلمة، وتثلِم منارَ الدين، وتنقض عقد اليقين، تهرب منها الأكياس، وتدبّرها الأرجاس، مرعادٌ مبراق، كاشفة عن ساق، تقطَّع فيها الأرحام، ويفارَق عليها الإسلام".

فيجب علينا عباد الله أن نجتنب الفتن، وأن نبتعد عن مواطنها، وأن نحذر من الخوض فيها حتى يعصمنا الله من الخلل، ويصوننا من الأخطار والزلل.

يجب على كل فرد منا أن يُقبل على خاصة نفسه، وأن يهتم بصلاح قلبه، وألا يعرض نفسه لفتن سوداء مظلمة، التبس فيها الحق بالباطل، واختلط فيها الصحيح بالسقيم، وتمشي الأمور فيها بلا زمام ولا خطام، يقول المقداد بن الأسود رضي الله عنه: أيم الله، لقد سمعت سول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن السعيد لمن جُنّب الفتن، إن السعيد لمن جنِّب الفتن، إن السعيد لمن جُنّب الفتن، ولمن ابتلي فصبر" [أبو داود(3719)]، ويقول صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفّت أماناتهم، وكانوا هكذا وشبّك بين أصابعه، قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك؟ جعلني الله فداك، قال: "الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع عنك ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة" [أحمد(6508)].

إننا نعيش في زمن طغت فيه ظلمات الفتن على معالم السنن، وغطى فيه دخان الحرائق على الحقائق، واشتبهت فيه طرق السير على السائرين، واختلت فيه الموازين، زمن ازدحمت فيه المتغيرات، وتتابعت فيه الأزمات، واختلطت فيه الأصوات، والتبس فيه الحق بالباطل، زمن أطلت فيه الشبهات، وعصفت بالقلوب رياح الشهوات، وانبعثت سيول المغريات، واستهان الخلق بالثوابت واستخفوا بالمحكمات ، زمن السياسة العرجاء، وعصر المصطلحات العوراء، زمن التحديات الجسام، والأخطار العظام ، زمن ضاعت فيه معالم الدين واندرست آثاره، وبدأت الشبهات تغشى الإسلام وشعاره، فأصبحت الطرق مبهمة، والسماء غائمة، زمن تلاطمت فيه الأفكار، وتغيرت فيه المفاهيم، وكثرت فيه التحديات، وازدادت فيه التساؤلات ،بلد تسوده الأوضاع المضطربة، وتعصف به الأحوال الملتهبة، قد عظمت فيه الغربة، واشتدت فيه الكربة.

إن الأمة اليوم بحاجة ماسة إلى أن تمعن النظر في كتاب ربها، وتدقق الفكر في سنة رسولها صلى الله عليه وسلم، فإن النبي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "تركت فيكم شيئين: لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي "[صحيح الجامع(2937 )].

فالقرآن هو الحياة، وهو النجاة في زمن أفلست فيه النظم، ووهنت فيه القيم، وانكشفت فيه عورة العولمة المزعومة.

إن القرآن الكريم هو مصدر التثبيت، لأنه يزرع الإيمان، ويزكي النفوس، ويقوي الصلة بالله، فإن الآيات إذا سكنت قلب المؤمن اطمئن قلبه، وازداد يقينه، وعظم إيمانه، يقول الله: ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [سورة الرعد: 28].

إن القرآن الكريم يزود المسلم بالتصورات السليمة، والقيم الصحيحة التي يستطيع المسلم من خلالها أن يقوّم الأوضاع من حوله، وينظر بنور الله إلى ما يدور في واقعه، حتى لا يقع في الاضطراب أو التناقض، ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء ﴾[ سورة إبراهيم: 27].

إن القرآن الكريم هو حبل الله المتين، والنور المبين، من تمسك به عصمه الله، ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعى إليه هداه الله، فلابد أن نرجع إلى الكتاب والسنة في قضايانا المعاصرة، ومشكلاتنا الحاضرة، حتى نفهم جذور المشكلات، وأسباب النكبات والويلات، ونقرأ المتغيرات، ونفهم التحليلات، ونتوقع المستجدات، يقول الله في كتابه العظيم: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ "يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ في العقيدة، يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ في السلوك، يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ في الأخلاق، يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ في السياسة، يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ في الاقتصاد، يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ في كل شيء، ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾[ سورة الإسراء:9].

فعلى الأمة اليوم أن تتجه إلى الله، وأن تلجأ إليه، وأن تلوذ بجنابه، وتحتمي بحماه، فإنه من آوى إلى الله فقد آوى إلى ركن شديد، واحتمى برب مجيد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

من التجأ إلى الله سبحانه وتعالى واحتكم إلى منهجه فإن الله سبحانه وتعالى ينّور له الطريق دون غبش، ويبصّره بالأمور دون عمش، ويهديه إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].

لقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لم يبقى في هذه الحياة إلا البلاء والفتن، والمصائب والمحن، يقول صلى الله عليه وسلم: " إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ثم يمسي كافراً، يبيع قوم خلاقهم بعرض من الدنيا يسير " [أحمد(15791)]، يقول الحسن رحمه الله: " والله لقد رأيناهم صوراً ولا عقول، أجساماً ولا أحلام، فراش نار وذبان طمع، يغدون بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز" [أحمد(4 /272)]، وعن سهل بن سعد مرفوعاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم لا تدركني زماناً ولا تدركوا زماناً، لا يتبع فيه العليم، ولا يستحى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب" [أحمد(21809)]، وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تكون فتنة تعوج فيها عقول الرجال حتى ما تكاد ترى فيها رجلاً عاقلاً" [كنز العمال(31126)]، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: " يوشك أن تظهر فتنة لا يخلص من شرها إلا من أخلص الدعاء كدعاء الغريق في البحر" [مصنف ابن أبي شيبة(7 /24)]، وفي الصحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلاً فمنا من يصلح خبائه، أي المكان الذي يختبئ فيه، ومنا من ينتظل، أي يرمي بالنبل، ومنا من هو في جشره، في المكان الذي ترعى فيه الخيول والدواب، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، فتنة يرقق بعضها بعضاً، تجئ الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجئ الأخرى فيقول المؤمن هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر..." [مسلم(1844)]. وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لن تقوم الساعة حتى يأتي الرجل إلى قبر الرجل فيتمرغ عنده، ويقول: ياليتني مكان صاحب هذا القبر، ومابه إلا البلاء والفتن [ابن ماجة(4035).

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذه الأحاديث عبثاً، ولم يكثر من تكرار ذكر الفتن سدى، وإنما قال هذه الأحاديث الغيبية لنفقهها، ونعمل بالوصايا التي تضمنتها، فهي جزء من رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلينا، تظهر لنا صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، وتظهر محبته لأمته، ورحمته بهم، وشفقته عليهم، وإرشادهم إلى طريق النجاة، وسبيل الخلاص من فتن آخر الزمان.

إن المتأمل في حال أمتنا اليوم، يجدها أمة مغيبة، مكسورة الجناح، تميل بها الرياح، وتتقاذفها الأمواج، تتخبط يمنة ويسرة، فتركن إلى الغرب تارة وإلى الشرق تارة أخرى، قد اشتدت بها المحن، وكثرت فيها الفتن، وتكالبت عليها الأمم، تفرقت في دينها، واختلفت في عقيدتها، وتقسمت إلى فرق وأحزاب وطوائف، كل فرقة تزعم أنها على الحق، وأن الحق حليفها، كل حزب بما لديهم فرحون ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 53].

البلد اليوم يشهد أحداثاً متسارعة، وأخباراً متتابعة، ربما تكون مقدمة لأهوال عظام، وملاحم جسام، وفتن كبار، تغيرات خطيرة كانت تحدث في سنوات طويلة، أصبحت اليوم تحدث في أيام قليلة، قتل وهرج ومرج، فلا يدري القاتل لم قَتل ولا يدري المقتول فيما قُتل.

أنباء تتلاحق، وأخبار تتوارد، وواقع يتحرك ويضطرب، وأيام ملبدة بغيوم سوداء مظلمة، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: " فتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى" [أحمد(3 /489)].

لقد اختلط الحابل بالنابل وكثر القيل والقال ولا يدري أحد على وجه التأكيد والجزم من هو المحرك لهذه الأحداث والشاعل لها ومن يقف ورائها وما هو الهدف من وراء ذلك وتعددت الآراء والأقاويل واختلفت الأخبار والتحاليل.

نسأل الله أن يصلح أحوال البلاد والعباد وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

--------------------

مراد باخريصة